الكيان يدرك جيّداً... الإعصار قادمٌ لا محالة!

الكيان يدرك جيّداً... الإعصار قادمٌ لا محالة!

ثلاث عمليات فدائية نوعية تهز الكيان في ذروة ارتباكه، فبعد عملية الخضيرة التي جاءت بمثابة رسالة للمجتمعين في قمّة النقب، ينفذ شاب فلسطيني من مخيم جنين عملية جديدة في «بني براك» ليؤكّد مخاوف الكيان حول موجة التصعيد غير المسبوقة القادمة في شهر رمضان الحالي.

تبدو العمليات الفلسطينية، وفي هذه الأيام بالتحديد، بوصفها تأكيداً لكل المخاوف التي تدور في رأس الكيان، وأصبحت مواعيد عمليات المقاومة الشعبية رسائل مستقلة بحدّ ذاتها، فالشبان الفلسطينيّون باتوا يدركون حجم القلق الصهيوني ويدركون أيضاً أنّ تصاعد العمل الفدائي سيخلق ظروفاً أكثر موائمة للشعب الفلسطيني. 

خيارات المطبعين وخيارات الشعوب

العملية التي نفّذها الشاب ضياء حمارشة في «بني براك» والتي تدل المعلومات الأولية أنه لم يكن منفرداً في تنفيذها، كسرت محاولات حصر العمليات السابقة بوصفها خارجةً عن سياق المقاومة الشعبية الفلسطينية، فالكيان الصهيوني بدأ بمحاولة إضفاء طابع مختلف على العمليات التي نفّذها شبّان من داخل المناطق المحتلة في 48 ليقوم الشهيد ضياء الحمارشة بالتأكيد مجدداً على وحدة التراب الفلسطيني ووحدة القضية بغض النظر عن مناطق منفّذيها. وهذا الجانب المهم في عملية «بني براك» جاء بوصفه تتمّة لما بدأته العمليات السابقة لتبدو جميعها خطوات متّسقة حتى لو لم يجمع منفّذيها رابطٌ مباشر.

ففي عملية الخضيرة على سبيل المثال نجح منفذها إبراهيم وأيمن اغبارية بإرسال رسائل أبعد من حدود الأراضي المحتلة، في أثناء جلوس وزراء خارجية مصر والإمارات والمغرب والبحرين إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي ونظيره الصهيوني على مائدة العشاء، في النقب المحتل معلنين عن بدء أعمال هذه القمة المشؤومة، انطلق الشابان القادمان من مدينة أم الفحم المحتلة ومن داخل ما يعرف بالخط الأخضر، إلى شارع هربرت صموئيل في مدينة الخضيرة، وانطلقا إلى محطة الحافلات وانتظرا بعض الوقت إلى أنْ تجمّع أكبر عدد ممكن من قوات الاحتلال، ثم فتحوا النار عليهم مما أدّى إلى مقتل 2 من شرطة الاحتلال وإصابة 12 آخرين بجروح بعضهم في حالة حرجة. قبل أن تتمكن مجموعة من الشرط السرية أو ما يعرف باسم «المستعربين» من الاشتباك مع الشابّين الفلسطينيّين اللَّذين استشهدا في أثناء تبادل إطلاق النار.

التداعيات لهذه العمليات مجتمعة كانت سريعة، لكنها وكما تثبت الوقائع تبقى قاصرة عن وقفها، وهذا ما بات يسبب حالة من التخبّط داخل الكيان وتحديداً في صفوف كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين، فالصحافة تصف موجةَ التصعيد هذه بأنها الأعنف منذ 17 عاماً، وباتت حالة التخبط هذه صعبة الاحتواء وراء الأبواب المغلقة إلى تلك الدرجة التي رصدت فيها كاميرات الإعلام «مشادّة كلامية» حامية في موقع تنفيذ عملية الخضيرة بين وزير  الأمن الداخلي للكيان عومر بارليف، مع أحد أعضاء الكنيست الموجودين في المكان، والذي أسكتَ الوزير أثناء إدلائه بتصريحات لوسائل الإعلام، صارخاً: «اسكتْ واخجلْ، أنت فاشل». 

«داخل» الكيان

يردّد مسؤولو الكيان ووسائل الإعلام «الإسرائيلية» ما يفيد بأنَّ العمليات الأخيرة في الخضيرة وبئر السبع التي سبقتها تشكّل «مفاجئة» كونها عمليات جرى تنفيذها داخل أراضي الـ 48 ومن سكانها الفلسطينيين، في محاولة للقول بأنّ الكيان لا يرى في هذه المناطق مصدر تهديد وهو ما ساعد على نجاح هذه العمليات، في الوقت الذي يدرك الجميع أنّ تأكيدات الكيان حول احتواء المناطق المحتلة منذ 1948 ما هو إلا أكاذيب وخصوصاً أنّ نشاط المقاومة يتصاعد بشكل ملحوظ وبأشكال متنوعة بين الفلسطينيين الموجودين ضمنها. فالكيان يدرك يقيناً أنَّ أراضي 48 تشكّل جبهة اشتباك خطيرة لا تبدو فيها خطوط التّماس واضحة، ولذلك يقوم بوضع كل إمكانياته على طول الأراضي المحتلة، والعمليات الأخيرة تؤكّد أنّ الإجراءات التي يقوم بها الكيان تاريخياً لضمان أمنه هي إجراءات قاصرة ولن تكفي لدرء الغضب القادم. فالكيان يسعى في الأشهر الماضية إلى إيجاد مخرج يمكنه من خلاله تجنب التصعيد الذي تزداد مؤشراته على مدار الساعة، ويمكن إذا ما استعرضنا هذه الإجراءات أنْ ندرك حجم المأزق الصهيوني.

مساعٍ حثيثة ولكن!

يحشد الكيان في الداخل كل إمكانياته الأمنية والعسكرية والتي فشلت منذ بداية شهر آذار الماضي 9 مرات على الأقل، حيث نجحت المقاومة الفلسطينية في تنفيذ 9 عمليات راح ضحيتها 11 مستوطناً، وأصيب عشرات الجرحى الآخرين، وتشير كلّ التوقعات إلى أنّ التصعيد لم يصل إلى ذروته بعد، فيتوقع الكيان أنْ يشهد رمضان الجاري ازدياداً ملحوظاً في أنشطة المقاومة الشعبية في أشكالها المتنوعة. وإلى جانب الإجراءات التي تقوم فيها قوات الاحتلال يسعى سياسيّوه بشكلٍ محموم للتحكم بالمناخ الإقليمي الذي بات متقلّباً مما يزيد من احتمالات الخطر المحدقة. فإلى جانب قمة النقب التي تزامنت مع عملية الخضيرة تنشط الوفود الصهيونية أو مندوبوها في كل الاتجاهات، فالتقى وزير الخارجية يائير لبيد مع ملك الأردن عبد الله الثاني في 10 آذار الماضي وأشار بيان خارجية الكيان حول اللقاء إلى السعي «للعمل معاً لتهدئة التوتر وتعزيز التفاهم، وبخاصّة في فترة شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي»، ويبدو أنّ المخاوف الصهيونية كانت كبيرة إلى تلك الدرجة التي دفعت الملك الأردني إلى زيارة استثنائية إلى الأراضي الفلسطينية، وهي الأولى من نوعها منذ عام 2017. وفي السياق ذاته ذهب رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي إلى واشنطن والتقى مع مسؤولين أمنيين في الإدارة الأمريكية لبحث الموضوع ذاته، أي تأريض احتمالات الانفجار القادم. والتقى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في رام الله ليكلّف عباس مجدداً بضرورة تنفيذ المهمة الموكلة للسلطة الفلسطينية بإفشال أية عمليات يجري التخطيط لها ورفع مستويات التنسيق الأمني مع الاحتلال.

ترافقت هذه الجهود الصهيونية بإجراءات متقلّبة تعكس حالة التخبط المذكورة، فبعد أن حاول الكيان احتواء التصعيد عبر مضاعفة أعداد تصاريح عمّال القطاع داخل «الخطّ الأخضر» إلى 20 ألفاً ودفع حلفائه إلى زيادة ضخ المساعدات المالية المشروطة للشعب الفلسطيني، تحول بعدها رئيس الوزراء نفتالي بينيت إلى خطاب مختلف تماماً، حيث طلب بينيت عقب عملية بني براك، من المستوطنين «حمل أسلحتهم الشخصية معهم» وأضاف أن «جنود الاحتلال سيحملون أسلحتهم معهم حتى في إجازاتهم»  ليؤكد بهذه التصريحات أنّ الكيان يستنفد تدريجياً كل الخيارات لاحتواء الوضع الحالي إلى تلك الدرجة التي يدعو فيها رئيس الوزراء المستوطنين إلى ضرورة «حماية أنفسهم» مما ينبئ بأنّ التصعيد القادم سيحمل شكلاً جديداً أكثر تصعيداً، ستتسع معه رقعة الاشتباك وخصوصاً أنّ المقاومة أكّدت قدرتها على تنفيذ عمليات شديدة الدقة حتى في أصعب الظروف الأمنية.

آخر تعديل على الأربعاء, 06 نيسان/أبريل 2022 13:14