مرتزقة يبحثون عن عمل
نوح كوبرن وبيتر غيل نوح كوبرن وبيتر غيل

مرتزقة يبحثون عن عمل

اعتمد المجهود العسكري للولايات المتحدة في أفغانستان بشكل كبير على ما يسمّى «جنسيات بلد ثالث TCNs» – أي عمّال يعملون كجنود من بلدان فقيرة في آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية – الذين يعملون لصالح شركات عسكرية وأمنية تتعاقد مع الجيش ووزارة الدفاع و«وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية USAID»، وهو الأمر الذي لا يكون ظاهراً للعلن أثناء الاستعراض الإعلامي للحرب. يحاول بعض هؤلاء إيجاد وظائف مع شركات تعمل في العراق، بينما يسعى آخرون للعمل مع الجيوش في دول الخليج العربي التي تعتمد بشكل كبير على الشركات الأمنية الخاصة، أو لحراسة منشآت النفط في غرب إفريقيا، أو مع الشركات غير المعلنة التي تعمل بالسرّ في سورية. تتحدث التقارير عن توظيف جزء من المتعاقدين الأمنيين الخاصين في المساعدة في عمليات الاغتيال، مثل اغتيال الرئيس الهايتي مويس.

ترجمة: أوديت الحسين

 

من هؤلاء المرتزقة غياندرا شريثا، الذي قضى معظم الأعوام الثلاثة عشر الماضية في أفغانستان يخدم في حرب الولايات المتحدة الطويلة هناك. قبل شهر ونصف تمّ إنهاء عمله بالتزامن مع التحضير للانسحاب الأمريكي. قامت شركة الدفاع المتعاقدة AC First بإرساله إلى منزله في تلال سندهولي في الهيمالايا.

قال غياندرا بأنّه يبحث مع زملائه السابقين عن مناطق حرب أخرى ليجدوا عملاً في مغامرة أخرى خارج بلدانهم.

لا يصنّف القانون الدولي معظم هؤلاء كمرتزقة، وذلك رغم انطباق الكثير من صفات المرتزقة عليهم مثل عدم حيازتهم لجنسيّة أحد الدول الأطراف في الحرب، لكننا سنشير هنا لهم كجنود مرتزقة لكونهم كذلك في واقع الحال.

ويقوم هؤلاء الجنود المرتزقة بأعمال تتراوح من حراسة القوافل إلى طهي وجبات الطعام في القواعد العسكرية إلى المشاركة في عمليات نزع الألغام وحواجز التفتيش والدفاع المسلّح عن المنشآت العسكرية والمدنية.

ويعمل هؤلاء الجنود المرتزقة كتفاً إلى كتف مع الجنود الأمريكيين النظاميين، ومع انسحاب القوات المسلحة الأمريكية من أفغانستان اليوم، فالكثير منهم يغادرون أفغانستان وينتشرون في أصقاع العالم.

عند استعراض الشركات المنتشرة حول العالم التي تعرض فرص العمل لهؤلاء الجنود المرتزقة، من السهل أن نرى بأنّه قد تمّ تدريبهم على حساب دافعي الضرائب الأمريكيين لينتهي بهم الأمر في بعض الأحيان وهم يشتركون في أنشطة لا دخل لها بالأمن الأمريكي.

في 2012 كان يحوي الجيش الأمريكي في أفغانستان 86100 جندي أمريكي، و36826 مرتزق من دول فقيرة. اليوم هناك 6399 مرتزق من دول فقيرة وبضع مئات من الجنود الأمريكيين. وهذا دون احتساب الذين يعملون لصالح وزارة الخارجية و«USAID».

 

استغلال رأسمالي نموذجي

يحصل المرتزقة من دول فقيرة على أجور أقل بكثير من المرتزقة الأمريكيين المتعاقدين مع الشركات نفسها، ويتم استغلالهم بشكل مفرط من قبل الجيش والشركات. وفي حقبة ما بعد أفغانستان، حيث سيتم جذب هؤلاء المتعاقدين إلى صراعات أكثر تعقيداً، فمن المرجح أن يتعرضوا لاستغلال أكبر وأن يخاطروا بحياتهم أكثر.

إذا ما أخذنا غياندرا كحالة نموذجية، فهو جندي سابق في الجيش النيبالي، ذهب للعمل في أفغانستان بعمر 37 عاماً لكون معاشه العسكري لم يكفيه لإعالة أسرته. اضطرّ غياندرا لدفع عمولة لأحد الوسطاء بقيمة خمسة آلاف دولار للحصول على العمل، والسفر أولاً إلى دلهي ثم كابول بتأشيرة سفر سياحية. لكن عند وصول غياندرا إلى كابول علم بأنّه قد تعرض للاحتيال، واضطرّ للبقاء تسعة أشهر في غرفة مشتركة بشكل غير قانوني، قبل التمكن من الحصول على عقد في قاعدة باغرام الجويّة العسكرية.

.

لكن مع كلّ ذلك، فقد كان غياندرا محظوظاً، فخلال سؤال عدد كبير من المتعاقدين الأمنيين، فقد دفعوا مبالغ عمولة ورشاوى أكبر للعمل في دول الخليج «الهادئة»، ليجدوا أنفسهم وقد علقوا وسط الحرب في أفغانستان والعراق، مفلسين وغير قادرين على المغادرة.

هناك شبكات كاملة من شركات العمالة البشرية في بلدان مثل الهند والأردن تعمل على تزويد صراعات الولايات المتحدة بجنود مرتزقة من دول فقيرة. بهذا المعنى ليست هذه الشركات أكثر من مهربي بشر، وهناك الكثير من العمّال المهاجرين الذين تمّ بالتعاون مع هذه الشركات اختطافهم واحتجازهم في أفغانستان حتّى تدفع عوائلهم فدية لإطلاق سراحهم.

عنصريّة مُعلنة

يعيش هؤلاء المرتزقة المتعاقدون في خيم ضمن ظروف حياة صعبة ومخاطر أكبر، حيث لا يتمّ السماح لهم بالعيش في الثكنات مع المتعاقدين الأمنيين والعسكريين الأمريكيين والغربيين الآخرين. لكن يبقى الأجر الذي يحصلون عليه أعلى ممّا يحصلون عليه في بلدانهم. كما يقول غياندرا: «علينا القبول بالمخاطرة كي نكسب رزقنا».

في أفغانستان، يكون هناك ثلاثة خطوط دفاع حول القواعد العسكرية عادة: يتكون الخطّ الأول من قوات أمن أفغانية، بينما يتألف الخط الثاني من مرتزقة من دول فقيرة، وأمّا خطّ الدفاع الثالث الأكثر أماناً فيتألف من جنود نظاميين ومتعاقدين أمنيين أمريكيين.

على حاجز التفتيش نفسه، يتقاضى المرتزق الأمريكي أربعة أضعاف ما يتقاضاه المرتزق من دول فقيرة. في الوقت ذاته يقوم المرتزق الأجنبي بتفتيش أولي للآليّة، ليأتي بعدها الأمريكي ويفتّش الآلية نفسها بشكل أكثر أماناً على نفسه، ولهذا يطلقون اسم «السترة المضادة» و «الطُعم» على المرتزقة من دول فقيرة.

يتم حرمان هؤلاء المرتزقة من الكثير من أدوات ومعدات الحماية التي تمنح لأترابهم من الأمريكيين، مثل الدروع المعدنية. وعندما يصاب هؤلاء أو يقتلون يتم حرمانهم عادة من التعويضات التي تمنح للأمريكيين. والطريقة الوحيدة أمامهم للاعتراض هي رفع دعوى أمام المحاكم الأمريكية أو التظلّم أمام وزارة العمل الأمريكية، الأمر شبه المستحيل على هؤلاء المتعاقدين.

ازداد اعتماد الولايات المتحدة على المرتزقة من واحد مقابل كلّ 100 جندي في حرب الخليج الأولى، إلى نسبة متعاقدين تفوق بكثير الجنود النظاميين في الحرب الأفغانية. ويبدو أنّ الكثير من الدول تحذو حذو الولايات المتحدة، ليبقى المرتزقة العاطلون عن العمل في ترقّب حروب وصراعات جديدة.

بتصرّف عن: Searching for the Next War

 

 

 

 

آخر تعديل على الخميس, 12 آب/أغسطس 2021 22:23