عليكم بالتطبيع... وإلّا!
ريم عيسى ريم عيسى

عليكم بالتطبيع... وإلّا!

لا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة تستخدم وسائل مختلفة لدفع الدول العربية نحو التطبيع مع "إسرائيل". هذه الوسائل بمعظمها غير مباشرة، وباستخدام قنوات مختلفة؛ دبلوماسية، وسياسية، وعسكرية، ومجتمع مدني، وبرامج تنموية، وما إلى ذلك. وعلى الرغم من كونها غير مباشرة فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنها غير قابلة للكشف أو غير ملحوظة؛ على العكس من ذلك، فهي غالباً ما تكون واضحة تماماً. ومع ذلك، فقد شهدنا خلال السنوات القليلة الماضية جهوداً أمريكية صارخة أكثر للدفع باتجاه التطبيع مع "إسرائيل".

«قيصر» والتطبيع

أحد الأمثلة الحديثة للغاية هو حزمة العقوبات الأمريكية الأخيرة على سورية، والتي تم تمريرها كقانون تحت اسم "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019"، والذي نجد بين نصوصه ما يلي: "سياسة الولايات المتحدة هي أنه يجب استخدام الوسائل الاقتصادية الدبلوماسية والقسرية لإجبار حكومة بشار الأسد على وقف هجماتها القاتلة على الشعب السوري ودعم الانتقال إلى حكومة في سوريا تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان، والتعايش السلمي مع جيرانها". يمكن لأي شخص أن يفهم بالضبط من المقصود بـ "الجيران" المطلوب "التعايش السلمي" معهم.

تم تمرير قانون قيصر المذكور بعد معارك سياسية داخل الكونغرس، وتم القضاء على معارضة القانون بإدراجه ضمن حزمة من القوانين المسماة "قانون تعزيز الأمن الأمريكي في الشرق الأوسط لعام 2019". اثنان من القوانين الأربعة المدرجة في هذه الحزمة يتعلقان بـ "إسرائيل"، أحدهما يسمح بتقديم المساعدة ونقل الأسلحة إلى "إسرائيل" والآخر يسمح للدول بسحب استثماراتها من الكيانات التي تقاطع "إسرائيل" (مثل تلك التي تنضم إلى حركة المقاطعة BDS).

هذه مجرد أمثلة حديثة للغاية، على الرغم من أن البحث السريع على موقع الكونغرس الأمريكي يمكن أن يكشف عن عدد كبير من التشريعات ومشاريع القوانين التي تقف في قائمة الانتظار لتصبح تشريعات تتعلق بـ "إسرائيل" والطرق المختلفة التي يمكن للولايات المتحدة أن تظهر بها حبها ومودتها.

تشريع جديد

يقودنا هذا إلى مجلس الشيوخ الأمريكي في 10 آب (أغسطس) 2020، عندما قدّم اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، عضو جمهوري (روب بورتمان، أوهايو) وعضو ديمقراطي (كوري بوكر، نيوجيرسي)، في تعاون دافئ وعابر «لخطوط الفصل الحزبية»، عبر تقديمهما اقتراحاً تشريعاً بعنوان "قانون تعزيز الإبلاغ عن الإجراءات المتخذة ضد تطبيع العلاقات مع إسرائيل". تنص التشريعات المقترحة على ما هو معروف بالفعل، وهو: "شجعت سياسة الولايات المتحدة طويلة الأمد دول الجامعة العربية على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل". ثم يمضي ليشير إلى «التفاحة الفاسدة» بين الدول العربية التي "تحافظ على قوانين صارمة مناهضة للتطبيع والتي تعاقب مواطنيها على العلاقات بين الأفراد والإسرائيليين"، والأسباب التي تجعل هذه القوانين "تحكم على هذه المجتمعات بالقطع المتبادل و ... تقليل إمكانية التوفيق والتسوية". وبالتالي، يبدو أن هذا التشريع المقترح، يشير بـ«أريحية عالية» إلى أن هذه الأنواع من القوانين مرفوضة من قبل غالبية سكان هذه البلدان، بل وأن معظم الناس في هذه البلدان يتوقون إلى التطبيع والتعايش مع "الإسرائيليين"!

 

مجلس «عربي» تعرفه واشنطن فقط!

 

بطبيعة الحال، فإن واضعي هذا القانون لديهم دليل على هذا القبول "الشعبي" والرغبة في التطبيع مع "إسرائيل"، قائلين إن "هنالك مداً متصاعداً للفاعلين المدنيين العرب الذين يؤيدون التعامل المباشر مع المواطنين والمستوطنين الإسرائيليين". ولدعم ذلك، يستشهدون بمجموعة تسمى "المجلس العربي للتكامل الإقليمي"، وهو (وفقًا لموقعه على الإنترنت) "مبادرة عربية قومية، أطلقت بالتعاون مع مركز اتصالات السلام ... تسعى إلى تعزيز ثقافة التعايش والتكامل بين جميع إثنيات المنطقة وأعراقها وألوانها ومعتقداتها وأديانها ومذاهبها". تقول هذه المجموعة إنها "تعمل على التغلب على إرث المنطقة المتمثل في الإقصاء ورفض الآخر الذي انتشر إلى أبعد الحدود من خلال المنظمات التي تحرض على المقاطعة في الأحداث الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية والرياضية والمدنية الأخرى - جزء من حملة أكبر لنشر الانقسام والتفرقة والكراهية والتطرف وإقصاء الآخر، وخاصة اليهود والإسرائيليين". ومن المثير للاهتمام، أنه في الوقت الذي تفرد فيه "سوء المعاملة" و"الإقصاء" لليهود و«الإسرائيليين»، فإن المجموعة، وهي مبادرة قومية عربية، لا تذكر أو حتى تلمح إلى الطريقة التي ينتهجها هؤلاء "الضحايا" وحكوماتهم وقواتهم العسكرية، لأكثر من 70 عامًا، في التعامل مع الفلسطينيين، والأساس الذي قامت عليه "دولتهم".

لا يوجد الكثير من المعلومات حول هذا "المجلس العربي للتكامل الإقليمي"، ولكن بحثاً سريعاً يشير إلى أنه تم إطلاقه في أواخر نوفمبر 2019 (على الرغم من إنشاء حساب Twitter الخاص به في يونيو 2019)، عندما عقد اجتماعه الافتتاحي في لندن، ورقم هاتف المجلس مجاني ويتبع أمريكا الشمالية، ولا توجد معلومات خاصة بالاتصال. لا توجد أسماء مدرجة في موقع "المجلس" هذا، ولكن وفقًا للتشريع المقترح، فإن هذه "المجموعة المكونة من 32 شخصية عامة من 15 دولة عربية" تمثل بشكل كافٍ المدّ المتصاعد بين 360 مليون شخص من مواطني الدول العربية الذين يرون ضرورة ورغبة في التعامل المباشر مع "الإسرائيليين"!

المجلس العربي للتكامل الإقليمي

بالنسبة إلى المنظمة "الأم"، مركز اتصالات السلام، ليس من الواضح أيضاً متى تم إنشاؤها، ولكن قد يكون ذلك في وقت ما في أوائل عام 2019، على الرغم من أننا لسنا متأكدين - تم إنشاء حساب Twitter الخاص بها في أبريل 2019. هذه المجموعة يبدو أنه من المعروف أن مقرها هو الولايات المتحدة، حتى أنها تدرج نيويورك كمقر لها على حساب Twitter الخاص بها، ولكن لا توجد معلومات اتصال مدرجة على موقعها على الويب. ومع ذلك، فإن موقعها على الإنترنت يسرد أسماء بعض أعضاء الفريق، وعدد قليل منهم مرتبط بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، المعروف بدعمه بشكل كبير من قبل AIPAC.

مركز اتصالات السلام

وبالعودة إلى التشريع المقترح، فإنه يقترح في النهاية أن تقدم وزارة الخارجية ضمن تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان، ما يلي:

• حالة "قوانين مناهضة التطبيع" في كل بلد ضمن اختصاص مكتب شؤون الشرق الأدنى.

• محاكمات المواطنين والمقيمين في الدول العربية بسبب دعوتهم للسلام والمشاركة مع «إسرائيل».

• حالات القصاص غير المشروع من قبل الحكومات العربية ضد المواطنين أو المقيمين في الدول العربية عن الأفعال نفسها.

• أدلة على الخطوات التي اتخذتها الحكومات العربية لتشجيع العلاقات الشعبية بين مواطنيها أو المقيمين فيها و«المواطنين الإسرائيليين».

ومع ذلك، ليس من الواضح ما هي الإجراءات التي ستتبع أو تنتج عن الإبلاغ عن مثل هذه الأعمال التي لا يمكن فهمها من قبل الحكومات العربية. بمعنى، بمجرد تقديم التقرير من قبل وزير الخارجية، ماذا ستفعل حكومة الولايات المتحدة؟ ربما ستفعل ما تحسن فعله دائماً: فرض العقوبات، وتجويع السكان، وإقامة الوجود العسكري، ودعم البرمجة المشروطة بدرجات التطبيع، والمزيد من الدعم (بشكل مباشر أو غير مباشر) لعملائها داخل هذه البلدان، أو أي إجراء من بين العديد من الإجراءات الأخرى التي يمكن أن تتخذها في محاولتها لإبقاء المنطقة غير مستقرة.

 

ربطاً بـ«صفقة القرن»

في هذا السياق، وبالنظر إلى السلوك الأمريكي الأخير في المنطقة، يبدو أن اقتراح ومحاولة تمرير تشريعات مثل تلك التي نوقشت هنا، بالتوازي مع الضغط غير المسبوق نحو التطبيع، إلى جانب "صفقة القرن" وإجراءات أخرى، كل ذلك يسعى لتحقيق هدف واحد: الإبقاء على "إسرائيل" كمركز رئيسي للنفوذ الأمريكي في المنطقة. تقوم الولايات المتحدة بذلك لسببين رئيسيين. الأول هو الخروج القسري للولايات المتحدة من المنطقة، والذي لم يعد سراً، وهو الأمر الذي أصبح مؤخراً أكثر وضوحاً مع تسليم العديد من القواعد العسكرية وتقليل عدد القوات الأمريكية في المنطقة، وهو الأمر الذي يجعل البقاء في المنطقة لفترة طويلة مستحيلاً (المزيد عن هذا: سباق أمريكا القديمة ضد الزمن ... كيف تستعد الولايات المتحدة لانسحابها من سورية؟). السبب الثاني هو الوضع المعقد لـ "إسرائيل"، والذي زاد تعقيدًا بسبب ما يسمى بـ "صفقة القرن"، والتي حفزت الفلسطينيين على إعادة التنظيم وإعادة الهيكلة داخلياً على أساس يتعارض تماماً مع اتفاقيات أوسلو سيئة الصيت.

 

القضية مستمرة

بغض النظر عما إذا كان هذا التشريع المقترح قد تم إقراره أم لا، فإن مجرد اقتراحه يشير إلى مكانة هذه المسألة في الولايات المتحدة، بما في ذلك هذه الحاجة المستمرة إلى "إرضاء" الكيان الصهيوني، وخاصة من قبل أولئك الذين يعملون في المجال السياسي، طريقاً ليعانقوا طموحاتهم السياسية. وإن كانت هناك أيضاً محاولة لتمييز وتجريم "المفسدين" بيننا، فنحن من نواصل رفض التطبيع مع "إسرائيل" والمطالبة بتحرير فلسطين. هذه الأغلبية منا، ليس لأننا خائفون من "القوانين" ضد التطبيع، ولكن لأن هذا هو ما نؤمن به، وبغض النظر عن التشريعات التي يقرونها في الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر، فإن هذه القضية موجودة، شاء من شاء وأبى من أبى.

 

آخر تعديل على الخميس, 13 آب/أغسطس 2020 19:20