جنيف.. مشهد مختلف
مازن بلال مازن بلال

جنيف.. مشهد مختلف

تحمل جولة جنيف القادمة شرطاً دولياً جديداً، فالمفاوضات يمكن أن تنعقد من دون أن تحمل معها ثقل خلافات أولوية مكافحة الإرهاب

فمع «وقف العمليات العدائية» تتضح خريطة جديدة لجبهات القتال، والقدرة على تثبيت «الهدنة» توضح حجم الجهد السياسي وربما التنسيق الروسي – الأميركي للانتهاء من عملية فرز المنظمات الإرهابية، والواضح أن ما قام به «مركز المصالحة» في مطار حميميم يصب في هذا الاتجاه؛ عبر التعامل المباشر مع أطراف سياسية سورية من أجل تكريس قاعدة سياسية لتوقف القتال.

في المقابل ظهر ستيفان دي ميستورا، المبعوث الدولي إلى سورية، واضحاً في تصريحاته حول المفاوضات القادمة، فهو ذهب نحو المسائل السياسية من دون الدخول في السجال حول من سيشارك أو يقاطع، ما يعكس مناخاً دولياً مختلفاً سيغير من نوعية التفاوض إذا بقيت الأمور تسير على الأسلوب الحالي نفسه، وتبقى مسألتان أساسيتان في مسيرة التفاوض في جنيف:

– الأولى تتمثل في صراع المسارات التي تمثلها الوفود، فهي اليوم ليست أمام «أجندة» زمنية فقط بل استحقاقات عليها أن تضع لها خريطة طريق، أي الانتقال من العناوين العريضة لما تطلق عليها المعارضة «المرحلة الانتقالية» باتجاه ترجمة ما تريده إلى أوراق عمل.

عمليا فإن مخرجات مؤتمر فيينا ستظهر على طاولة جنيف مرة أخرى، وهي بحاجة إلى قراءة لجعلها بنوداً قابلة للتطبيق، فالتوافقات داخل المسارات الموجودة في جنيف هي الأساس في المباحثات التي ستجري، وهي توافقات ستتشابك مع كل «الإرادات» الدولية والإقليمية؛ ما يعقد المباحثات ويزيد من حساسية التفاوض، فـ«المسارات» التي ستضعها الوفود خلال التفاوض هي الاحتمالات للتوازن الإقليمي الجديد، وهي أيضاً ستحدد طبيعة الأدوار الإقليمية، فنحن أمام معادلة حل داخلي سيظهر عليه شكل منظومة الشرق الأوسط القادمة.

– الثانية إمكانية تعديل طبيعة المشاركة وفق إمكانية التوافقات واحتمالاتها، وإذا كانت الجولة السابقة التي عُلقت بشكل مفاجئ استثنت حزب الاتحاد الديمقراطي من ضمان انعقاد الجولة، فهناك إمكانية لاستبعاد أو إضافة أطراف جديدة من أجل ضمان التوازن.

هذه الصورة لا تعطي كتلة صلبة لأطراف المعارضة تحديداً، وهي تؤثر بشكل أو بآخر في الوفد الرسمي الذي سيجد نفسه نقطة ارتكاز لإنجاح التوازن الإقليمي القادم، وسيواجه حساسية الحفاظ على تحالفاته القائمة وسط ضغط دولي وإقليمي، ومن المستبعد أن يظهر الوفد الحكومي حالة صدامية كتلك التي تبديها باقي الوفود، ما يجعل موقفه ضمن مسار حرج، أو حتى ضمن رهان بأنه وحده القادر على إنجاح المفاوضات، فهو يستند إلى الواقع على الأرض ولحالة سورية يريد الحفاظ عليها تتمثل في مؤسسات الدولة.

بالتأكيد فإن عملية التفاوض ستكون حرجة منذ اللحظة التي تبدأ فيها، وستبدو «السياسة» في موقعها الحقيقي بدلاً من الاعتماد على التعبئة الإعلامية كما كان سابقاً، وهو أمر مريح للطرف السوري الرسمي ولطيف ضيق من المعارضة، في حين ستجد باقي الأطراف نفسها أمام احتمالات إضافية للتصعيد الإعلامي من أجل تحقيق مكسب على حساب التفاوض السياسي.

الاختبار الأصعب أمام السوريين فيما لو انطلقت المفاوضات هو في رسم سياق واقعي للخروج من الأزمة، وهذا الأمر سيتطلب بالتأكيد فهم كل التشابكات القائمة اليوم على أرضهم من الخروج بشكل جديد يمكن السوريين من استرجاع إيقاع حياتهم.

 

مازن بلال

No Internet Connection