هذا ما جناه عباس

هذا ما جناه عباس

السلطة أمام موقف جديد محرج، لكنها لن تكون على قدر الأمل، فخيار التسوية الذي مات منذ عشرين عاما لن يؤتي أكله اليوم. لعلّ شتلة الزيتون التي نوى الوزير زياد أبو عين غرسها، قبل أن يقتله الاحتلال، تكون شاهدة لمحمود عباس على «موت السلام»... أو بقاء الفلسطيني صامدا في أرضه.

مع أن المقاومة الشعبية «السلمية» التي نادت بها السلطة الفلسطينية لم تثمر أي شيء أمام منطق القوة الاحتلالية، أكمل الوزير، زياد أبو عين، هذه الطريق، ليقضي، يوم أمس، على أيدي الجنود الإسرائيليين، بعدما تلقى ضربات بأعقاب البنادق والخوذ الحديدية على صدره، كما استنشق كمية كبيرة من الغاز المسيل للدموع.

أبو عين، الذي كانت تحاوره «الأخبار» قبل أيام في الشأن الفتحاوي الداخلي، أصر على دعوة عدد كبير من المراسلين ووسائل الإعلام لتغطية المسيرة السلمية في بلدة ترمسعيا شمال رام الله، لكن توثيق الاعتداء على الرجل قبل استشهاده لم يشفع لدى رئاسة السلطة سوى لإعلان الحداد ثلاثة أيام، وتأليف لجنة طبية لتشريح جثمانه، يشارك فيها طبيبان أردنيان وآخر إسرائيلي!

ربما يكون الرجل قد قضى بسكتة قلبية، وفق التقدير الطبي الأولي، فهل سيعفي ذلك الإسرائيليين من جريمة التسبب في قتله، وهم الذين سابقوا أبو عين ومن معه لمنعهم من زرع أشتال الزيتون في أرض تنوي سلطات الاحتلال مصادرتها؟ هذا في المرحلة الأولى، فرام الله الآن، ومعها الأردن والجامعة العربية وآخرون، يصرخون بصوت عال بالاستنكار والتنديد، وتلوح الأولى بورقة وقف التنسيق الأمني دون أن يعرف كم سيستمر هذا الإيقاف لنهج بنيت السلطة على أساسه. رغم ذلك، سلطت جريمة الأمس الضوء على مشاركة بعض القيادات الفتحاوية البارزة في المسيرات الشعبية ومواجهتهم جنود الاحتلال، وفي الوقت نفسه قدر الإحراج الذي يتعرض له الموقف الفلسطيني صاحب خيار التسوية من الاستهداف الإسرائيلي لإحدى الشخصيات البارزة، فيما يمر مرور الكرام على استشهاد كثيرين من الشعب الفلسطيني.

على خط مواز، جاءت مواقف حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» داعية إلى استثمار اللحظة واتخاذ موقف حازم اتجاه التنسيق الأمني مع الاحتلال، فبعدما قدمت الحركتان التعازي باستشهاد أبو عين أعلنتا أنهما مع تفعيل سبل الانتفاضة في الضفة المحتلة. كذلك رُصد بيان لكتائب شهداء الأقصى، الجناح المسلح لـ«فتح»، دعا مقاوميها إلى الرد على اغتيال الوزير أبو عين. برغم هذا، لا يمكن اعتبار أي مما سبق شرارة لأي مواجهة جديدة، وخاصة مع وجود لجنة تحقيق يعرف مع إنشائها أن هناك رغبة في تغييب القضية مع الوقت. وكان لافتا أن رئيس الوزراء في رام الله، رامي الحمدالله، طلب من الأردن إرسال طبيب أو اثنين للمشاركة في تشريح جثمان الشهيد، إذ إن كل لجان التحقيق السابقة التي شارك فيها أطباء فلسطينيون كانت تعدّ غير محايدة من وجهة النظر الإسرائيلية!

وأبو عين عضو في المجلس الثوري لـ«فتح»، وكان وكيلاً لوزارة الأسرى والمحررين قبل أن ينقل بصفة وزير إلى رئاسة هيئة الجدار والاستيطان بقرار من رئيس السلطة. أما عباس، فوصف «الاعتداء الوحشي الذي أدى إلى استشهاد (أبو عين) بالعمل البربري، الذي لا يمكن السكوت عليه»، لكنه أجّل اتخاذ «الإجراءات اللازمة» حتى «معرفة نتائج التحقيق في استشهاد المناضل أبو عين».

وعرف الشهيد بتاريخ نضالي طويل ضد الاحتلال، إذ إنه اعتقل في السجون الأميركية والإسرائيلية ثلاثة عشر عاماً بصورة متقطعة، وكان أول معتقل عربي فلسطيني تسلمه الولايات المتحدة لإسرائيل عام 1981، برغم أنه صدرت بحقه سبعة قرارات من هيئة الأمم المتحدة تطالب واشنطن بالإفراج عنه.

حتى بعد هذا الاعتداء، لم يتوقف جنود الاحتلال عن إكمال قمع المتظاهرين، على اعتبار أن ما جرى قد يكون له تبعات كبيرة. فقد أفاد زملاء صحافيون كانوا في مكان المسيرة بأنهم لأول مرة يشهدون اعتداء قويا من الجنود على الكبار في السن خاصة. ولاحقا أصيب فتى يدعى رؤوف صنوبر (14 عاماً) بجراح خطيرة في مواجهات اندلعت عند المدخل الرئيسي لمخيم الجلزون شمالي رام الله، فيما اعتقل الاحتلال ثلاثة فتية آخرين بعدما أصيب عشرات بالرصاص الحي والمعدني كانوا يتظاهرون احتجاجا على استشهاد أبو عين.

في سياق متصل، منعت قوات الاحتلال، بمشاركة عدد من المستوطنين، عشرات الفلسطينيين من العمل في أراضيهم في الأغوار الشمالية، معلنة أن المنطقة التي تقدر مساحتها بعشرة آلاف دونم منطقة عسكرية مغلقة.

وعلم مساء أمس، أن عباس دعا قيادة السلطة إلى عقد اجتماع طارئ بشأن استشهاد أبو عين، في وقت استدعى فيه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، لعقد اجتماع سريع وطارئ من أجل بحث الاقتراح الفلسطيني ـ الأردني والاقتراح الفرنسي المقدمين إلى مجلس الأمن بشأن إقامة دولة فلسطينية، على أن يتوجه نتنياهو الإثنين المقبل إلى العاصمة الإيطالية روما لالتقاء كيري.

 

المصدر: الأخبار