افتتاحية قاسيون 1283: الضغوط ترتفع والانعطاف لا مفر منه!
تشهد البلاد حالة استعصاء متواصلة على الصعد كافة، وخاصة الاقتصادي-الاجتماعي المعيشي، بالتوازي مع عمليات توتير أمني واجتماعي مصطنعة تهدد السلم الأهلي بشكل متصاعد. ويجري كل ذلك في ظل تحولات كبرى بموازين القوى على المستوى الإقليمي المباشر، وعلى المستوى الدولي أيضاً.
توصيف الأمور بأنها حالة استعصاء، لا ينبغي أن يُفهم منه أن الأمور ساكنة وستستمر على حالها فترة طويلة، وإنما العكس تماماً؛ فالأزمات تتراكم بسرعة وفي كل المناحي، وتنذر بانفجارات قريبة، ما لم يتم تحويل المسار جذرياً، وعلى الصعد كافة.
لوضع الأمور في سياقها، لا بد من عرض بعض النقاط الأساسية ضمن اللوحة التي تعيشها البلاد، وهي كالتالي:
أولاً: مع الخسارة الواضحة التي تلقتها الولايات المتحدة، ومعها الكيان «الإسرائيلي» في حرب إيران، تجري محاولات معلنة لإقحام سورية والسوريين كوقود للحرق ضد مصالحهم، ويواصل الأمريكان ضغطهم الوقح الذي تضمن تكرار ترامب للمرة الثانية مقولته بأنه «هو من وضع الشرع في منصبه»، وهي إهانة لسورية والسوريين، بغض النظر عن موقفهم من الشرع.
ثانياً: ضمن الضغوط الجارية، نرى تبخر وعود الاستثمار الخليجية بشكل علني؛ قسم منها (الإمارات خاصة)، هو جزء مباشر من الضغط «الإسرائيلي»، وقسم آخر هو نتيجة موضوعية لتراجع إمكانات الدول الخليجية بعد الحرب من جهة، ولوضع سورية غير المستقر وغير المشجع على الاستثمار، من جهة أخرى. ولا يمكن بطبيعة الحال، استبعاد الاختلافات السياسية التي تلعب دوراً في حجب الاستثمارات.
ثالثاً: يؤدي استمرار السلطات في تطبيق وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، أي اللبرلة المتوحشة، إلى تدهور إضافي في الإنتاج الصناعي والزراعي، وإلى مزيد من الإفقار والتهميش، وإلى تعميق الحركة الاحتجاجية المطلبية وتوسيعها على النطاق السوري العام.
رابعاً: بالتوازي مع هذه الاحتجاجات، ومع الضغوط الخارجية، يجري اختلاق أزمات تتعلق بالسلم الأهلي، من طراز «الحملات ضد الشبيحة»، التي تلاحق صغار المجرمين خارج القانون، وتحمل سمات طائفية تهدد السلم الأهلي، وتترك كبار الفاسدين والحرامية والمجرمين بعيداً عن أهدافها... السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو:
لماذا الآن؟ وجزء واضح من الجواب، هو أنه كلما اتجه السوريون لتوحيد صفوفهم على أسس اقتصادية اجتماعية ووطنية، تجري محاولات لحرف أنظارهم عن وحدة مصالحهم وهمومهم ومشكلاتهم، باتجاه ضربهم ببعضهم البعض، وتحديداً ضرب أبناء الـ90% المفقرين المنهوبين المنتمين لكل القوميات والأديان والطوائف... وصاحب المصلحة المباشرة بضرب السوريين ببعضهم هو الصهيوني أولاً، وثانياً، الحرامية الكبار السابقون، وشركاؤهم من الفاسدين الجدد على حد سواء.
هذه الضغوط والأزمات بمجموعها، تعني أننا على عتبة تحوّلٍ جديد في الوضع السوري، يمكنه أن يكون إيجابياً ولصالح سورية ووحدتها ولصالح السوريين، ويمكنه أن يكون عكس ذلك تماماً... كل ذلك يتوقف على ما سنقوم به كسوريين، مجتمعاً وقوى سياسية مختلفة، وسلطات.
المخرج الآمن يتمثل بالاتجاهات التالية:
أولاً: قطع أي آمال أو أوهام بالتحالف مع الأمريكي، أو بإمكانية تجنب أذى الصهيوني عبر «مسايرته» في أي ملف من الملفات، وإعادة النظر بمجمل العلاقات الخارجية لسورية، بما يتناسب مع التوازن الدولي والإقليمي الجديد، وبالتعاون مع تركيا والسعودية ومصر بالدرجة الأولى.
ثانياً: القطع مع سياسات الليبرالية الاقتصادية المتوحشة، وبناء نموذج اقتصادي جديد، إنتاجي حقيقي، يلعب فيه جهاز الدولة دوراً مهماً، ويعتمد بالدرجة الأولى على الموارد الداخلية، وعلى رأسها أموال الفاسدين الكبار.
ثالثاً: وضع الأساس السياسي والاجتماعي للنموذج الاقتصادي الجديد، عبر حكومة وحدة وطنية حقيقية تضم التيارات السياسية والاجتماعية الأساسية في سورية، وتكون مهمتها الأولى هي المؤتمر الوطني العام، والسلم الأهلي وإنهاء أي أسس للاتجاهات الطائفية المدمرة أياً يكن شكلها ومصدرها، والتي لا تخدم في نهاية المطاف إلا أعداء الخارج وحرامية الداخل.
النافذة الزمنية المتاحة للانعطاف الإيجابي المطلوب، هي نافذة ضيقة، وأساسها هو التعاون بين الوطنيين السوريين في كل المواقع والتيارات، وبالاستناد إلى الحركة الشعبية التي ترفع من درجة تنظيمها وتضامنها وتعاونها يوماً وراء الآخر...
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1283