«السلطة للشعب»: بين الشعار والمعنى... !تاريخياً وفي سورية... الآن وهنا

«السلطة للشعب»: بين الشعار والمعنى... !تاريخياً وفي سورية... الآن وهنا

تُعد عبارة «السلطة للشعب» أو «الحكم للشعب» من أكثر العبارات أو الشعارات السياسية حضوراً في العصر الحديث، وترد بصيغ أخرى متعددة، منها: «الشعب مصدر السلطات»، «السيادة للشعب»، «السلطة للشعب ومن الشعب وإلى الشعب»، «الحكم من الشعب وبالشعب وللشعب»، إلخ.

ورغم اختلاف الصياغات، فإنها تتقاطع جميعاً حول فكرة جوهرية واحدة: أن السلطة السياسية تستمد شرعيتها من إرادة الناس الذين يعيشون في المجتمع، ويشكّلون أساس الدولة.
لكن هذه العبارة التي تبدو بسيطة وواضحة، تخفي وراءها تاريخاً طويلاً من الصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية، كما أن تفسيرها يختلف باختلاف الرؤى السياسية والاقتصادية، ومدى تطبيقها وحتى معناها تطور مع الزمن. والسؤال المطروح ليس فقط: من هو مصدر السلطة؟ بل: كيف يمكن التأكد عملياً من أن السلطة تُمارس فعلاً باسم الشعب ولمصلحة الشعب؟


ما المقصود بـ «الشعب»؟


في المفهوم القانوني الحديث أو الفكر الدستوري المعاصر، يُقصد بالشعب أحد أركان الدولة الثلاثة – الشعب، الإقليم، والسلطة السياسية. بهذا المعنى، الشعب هو مجموع المواطنين الذين يحملون جنسية الدولة ويتمتعون بالحقوق والواجبات القانونية المرتبطة بهذه الجنسية. وهذا التعريف القانوني والتقني، يهدف إلى تحديد الجماعة التي تشارك في العملية السياسية وتمارس السيادة.
لكن إذا أردنا أن ننظر إلى المعنى التاريخي والاجتماعي، فإن كلمة «الشعب» لم تكن مجرد وصف قانوني لحملة جنسية معينة. في الوجدان الشعبي وفي سياق الثورات الأوروبية وحتى الثورة الأمريكية، كان الشعب يعني الفئات الخاضعة للسلطة والمحرومة من الامتيازات السياسية والاقتصادية.
على سبيل المثال: في فرنسا كان «الشعب» يشمل: الفلاحين والعمال والحرفيين والبرجوازية الصاعدة؛ في مواجهة: الملكية والنبلاء والإقطاعيين وأصحاب الامتيازات الوراثية بمختلف أنواعها. لذلك عندما رفعت الثورة الفرنسية شعار «السيادة للشعب»، لم يكن المقصود فقط التعريف القانوني والتقني المجرد، بل كانت تعبّر عن انتقال السلطة من الطبقات المهيمنة إلى الأغلبية الاجتماعية.


الأصل التاريخي للمفهوم


جاء مفهوم «السلطة للشعب» نتيجة صراعات اجتماعية-اقتصادية / طبقية طويلة ضد الأنظمة الإقطاعية والملكية المطلقة. في أوروبا، وقبل الثورات الحديثة، كان المجتمع مقسوماً إلى طبقات غير متساوية: الملك والعائلة الحاكمة، النبلاء والإقطاعيون، رجال الدين، وعامة الناس. وكانت السلطة والثروة والامتيازات السياسية متركزة في أيدي الفئات العليا، بينما كانت الأغلبية الساحقة من الشعب محرومة من الحقوق السياسية ومن الثروة.
مع صعود البرجوازية ونمو المدن والتجارة، بدأت المطالبة بمشاركة أوسع في الحكم. في هذه المرحلة جاءت الثورة الأمريكية ثم الفرنسية لتطرحا مبدأ جديداً: أن من ينتج الثروة ويدفع الضرائب ويكوّن المجتمع، يجب أن يكون صاحب
القرار السياسي، وليس فقط تابعاً أو منفذاً للسياسات التي يتم رسمها وفرضها من فوق.
لذلك أصبح مفهوم وعبارة «الشعب مصدر السلطة» شعاراً لتحرير المجتمع من الامتيازات الوراثية والطبقية.


كيف وردت العبارة في دساتير الدول؟


تُعد التجربة الفرنسية والأمريكية من أهم المصادر التاريخية لهذا المبدأ.
افتتحت مقدمة الدستور الأمريكي لعام 1787 بالعبارة الشهيرة: «نحن شعب الولايات المتحدة»، وهي عبارة ذات دلالات عميقة، إذ تعلن أن الدستور نفسه يصدر عن الشعب وليس عن أي سلطة أخرى أو فرد أو مجموعة أفراد فوق المجتمع. ولاحقاً، في خطاب «جيتيسبرغ»، والذي ألقاه الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن أثناء الحرب الأهلية في عام 1863، قال: «حكومة من الشعب وبالشعب وللشعب».
وفي فرنسا، بعد الثورة الفرنسية عام 1789، تم الانتقال من مبدأ سيادة الملك إلى مبدأ سيادة الأمة والشعب، وأصبحت الشرعية السياسية مرتبطة بإرادة المواطنين، وليس بالحق الإلهي المدّعى للملوك. وفي إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الجمعية التأسيسية الوطنية بفرنسا في 1789، تنص المادة الثالثة، أن: «الأمة هي المصدر الرئيسي لكل سيادة، ولا يحق لأي فرد أو مجموعة ممارسة أي سلطة لا تنبع من الأمة»، كما تنص المادة السادسة على أن: «القانون هو التعبير عن الإرادة العامة. يمتلك كل مواطن حق المساهمة في صنع القانون، سواء بنفسه أو عبر ممثليه».
كما تتضمن دساتير كثيرة حول العالم نصوصاً مشابهة، منها:
الدستور الألماني الذي ينص في المادة 20 على أن: «الشعب هو مصدر جميع سلطات الدولة».
الدستور الإيطالي الذي ينص في المادة الأولى منه على أن: «السيادة ملك الشعب الذي يمارسها وفقاً لصيغة الدستور وضمن حدوده».
الدستور البرازيلي والذي ينص في المادة الأولى منه: «تنبثق كل السلطة من الشعب، الذي يمارسها بواسطة ممثلين منتخبين أو مباشرةً، وفقاً لما ينص عليه هذا الدستور».
الدستور الصيني والذي ينص في المادة الثانية منه: «تعود كل السلطة في جمهورية الصين الشعبية إلى الشعب».
وهكذا أصبحت فكرة سيادة الشعب إحدى الركائز الأساسية للدولة الحديثة.


كيف وردت العبارة في الدساتير السورية؟


ظهرت هذه العبارة في بعض الدساتير السورية المتعاقبة بصيغ مختلفة؛ ففي أول دستور للدولة السورية وهو دستور عام 1920، لم يظهر مفهوم «السيادة للشعب» بشكل مباشر، ولكن يمكن القول: إنه كان حاضراً بشكل غير مباشر، حيث كانت السيادة تُمارس من خلال ممثلي الشعب المنتخبين.
وكان دستور عام 1950 أول دستور سوري تظهر فيه العبارة، حيث نص في المادة الثانية منه على أن: «السيادة للشعب، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها» و«تقوم السيادة على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب» و«يمارس الشعب السيادة ضمن الأشكال والحدود المقررة في الدستور».
وفي دستور 1973، نصت المادة الثانية على أن: «السيادة للشعب ويمارسها على الوجه المبين في الدستور».
كذلك دستور 2012، نص في المادة الثانية على أن: «السيادة للشعب، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها، وتقوم على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب» و«يمارس الشعب السيادة ضمن الأشكال والحدود المقررة في الدستور».
ولكن في الإعلان الدستوري لعام 2025، لم تظهر العبارة بأي شكل.
من الناحية النظرية، تبدو هذه النصوص منسجمة مع المفهوم، إلا أن التجربة السياسية السورية أظهرت أن وجود النص وحده لا يكفي، إذا يمكن أن تعلن السلطة أو أن ينص الدستور أن الشعب هو مصدر السلطات، بينما تبقى آليات اتخاذ القرار الفعلية محصورة في دائرة ضيقة لا تمثل المجتمع تمثيلاً حقيقياً، بل إنها حتى لا تمثل مصالحه. وهنا تظهر الفجوة بين الشرعية الدستورية المكتوبة والشرعية السياسية الحقيقية.

 

---___---___---4_result


تحديد ما إذا كانت السلطة فعلاً للشعب


إذا نظرنا بشكل أعمق إلى المفهوم، وتطوره منذ أواخر القرن الثامن عشر، كيف يمكننا أن نستنتج ما إذا كان المفهوم ليس مجرد عبارة، بل يتم تطبيقه فعلياً؟
كما يظهر من الأمثلة أعلاه، تكاد لا توجد سلطة سياسية في العالم تعلن أنها تحكم ضد الشعب. الجميع يتحدث باسم الشعب، سواء كان تصنيفها نظاماً ديمقراطياً أو سلطوياً أو ثورياً.
لكن المشكلة ليست في الادعاء، بل في الواقع العملي. فكثير من السلطات تستخدم اسم الشعب كمصدر للشرعية وتنص على ذلك دساتيرها، بينما تتخذ سياسات لا تعكس مصالح الأغلبية. وهكذا، يصبح شعار «السلطة للشعب» مجرد غطاء رمزي، بل مصدر شرعية من خلاله يتم نهب الأغلبية.
لذلك، ولتقييم مدى تطابق الشعار مع التطبيق، لا يكفي طرح السؤال: «من يحكم؟»، بل يجب طرح السؤال: «لصالح من يُحكم؟» أو بكلام آخر، السؤال المركزي ليس: «من يملك السلطة قانونياً؟»، بل: «أي طبقات اجتماعية تمارس السلطة فعلياً، ولصالح من تُمارس؟»
من هنا يجب النظر إلى الدولة كانعكاس لميزان القوى بين الطبقات الاجتماعية داخلياً وللتوازنات الدولية والإقليمية خارجياً، ومجرد وجود انتخابات أو مؤسسات تمثيلية لا يعني بالضرورة أن الشعب يحكم فعلاً، مع أن وجود الانتخابات والمؤسسات التمثيلية هو شرط لازم بكل تأكيد، ولكنه أيضاً غير كافٍ... فإذا كانت القرارات الاقتصادية الكبرى تصب باستمرار في مصلحة أقلية تملك الثروة والموارد، فإن الانتخابات والمؤسسات التمثيلية تكون عملياً أداة للالتفاف على سلطة الشعب. وهنا، يجب التمييز بين الديمقراطية الشكلية والديمقراطية الاجتماعية-الاقتصادية. حيث تركز الأولى على الإجراءات والانتخابات، بينما تنظر الثانية في النتائج الفعلية لتوزيع السلطة والثروة.
لذلك، لتقييم ما إذا كانت سلطة ما تحكم فعلاً من أجل الشعب، يجب النظر على الأقل في ثلاثة معايير أساسية:


أولاً: الاقتصاد


السؤال الأساسي هنا هو: لصالح من تعمل السياسات الاقتصادية؟ من يملك وسائل الإنتاج؟ من يحدد السياسات الاقتصادية؟ من يسيطر على أجهزة الدولة؟ كيف يتم توزيع الثروة ومن المستفيد؟
إذا كانت الثروة الوطنية تتجمع باستمرار لدى فئة ضيقة، بينما تزداد أوضاع الأغلبية سوءاً، فإن الادعاء بأن الشعب يحكم يصبح ادعاءً باطلاً وكاذباً.
أما إذا كانت السياسات العامة التي تتبناها وتعتمدها الدولة تؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة، تخفيض / القضاء على الفقر، زيادة وتوسيع فرص العمل، وتوفير الخدمات الأساسية، فإن السلطة تكون أقرب إلى تحقيق مضمون «السلطة للشعب».


ثانياً: دولة القانون


مجرد وجود قانون غير كافٍ، بل يجب طرح عدة أسئلة حول القانون، ومنها وبشكل أساسي: «هل القانون عادل؟»، «هل يُطبّق القانون على الجميع بالتساوي؟». فقد تصدر سلطة منتخبة قانوناً يمنح امتيازات ضريبية لأقلية ثرية، أو يكرّس احتكار الموارد العامة لصالح فئة محدودة.
لذلك، دولة القانون لا تعني مجرد وجود نصوص قانونية، بل تعني: المساواة أمام القانون وفيه، استقلال القضاء، حماية الحقوق الأساسية، خضوع أصحاب السلطة للمساءلة.
كما يجب النظر بدقة في آثار تطبيق القانون، حتى وإن كان من حيث الشكل عادلاً وتم تطبيقه على الجميع بالتساوي. وهنا يمكن إضافة مستوى آخر من التقييم، حيث لا يكفي أن يكون تطبيق القانون متساوياً، بل أن يكون كذلك تطبيقه منصفاً، بالأخص في الدول والمجتمعات التي يوجد فيها إرث تاريخي عميق وطويل من الظلم المتراكم والامتيازات المسلوبة والثروات المنهوبة من الشعب... على سبيل المثال: إذا كان القانون يساوي بين ضريبة الدخل وضريبة الأرباح، فإنه يبدو «عادلاً» من حيث الشكل، ولكنه في الحقيقة جائر وظالم ومعادٍ لأصحاب الدخل ويقف إلى جانب أصحاب الأجور...


ثالثاً: التمثيل السياسي الحقيقي


لا يكون الشعب صاحب السلطة فعلاً إلا عندما يستطيع: اختيار الحكام بحريّة، محاسبتهم، تغييرهم سلمياً، والمشاركة في صناعة القرار العام. فالانتخابات التي لا تسمح بالتنافس الحقيقي، لا تحقق مبدأ سيادة الشعب، والمؤسسات التمثيلية التي لا تملك سلطة فعلية، تصبح مجرد واجهات شكلية، تعطي للحكام شرعية مستمدة نظرياً من الشعب، ولكن فعلياً يكون الأمر غير كذلك. وهنا تأتي أيضاً أهمية التعددية السياسية والحريات ذات الصلة بالعمل السياسي، بما في ذلك حرية التعبير والتجمع والإعلام. وترتبط هذه كلها بقوانين، مثل: قانون الأحزاب، وقانون الانتخابات، وقانون الإعلام وغيرها، والتي يجب ألا تضع قيوداً بصيغة قانونية، شكلياً متساوية، ولكن أثرها إعطاء امتيازات سياسية لفئة أو حزب ما، بينما تقيّد عمل فئات وأحزاب أخرى.


الخلاصة


إن مفهوم «السلطة للشعب»، ليس مجرد شعار دستوري أو عبارة بلاغية، بل هو مشروع سياسي واجتماعي-اقتصادي وأخلاقي متكامل. فالشعب لا يكون صاحب السلطة بمجرد ذكر ذلك في الدستور، بل عندما تنعكس إرادته ومصالحه وحقوقه في بنية الدولة وسياساتها ومؤسساتها، وفي الاقتصاد، لا سيما توزيع الثروة.
بكلام آخر، عبارة «السلطة للشعب» لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد مبدأ دستوري أو شعار سياسي، بل باعتبارها سؤالاً دائماً حول العلاقة بين السلطة والثروة والطبقات الاجتماعية.
لذلك، فإن أي عملية تغيير سياسي جادة يجب أن تضع الشعب في مركزها، ليس فقط بالمعنى السياسي المتمثل في الانتخابات والتمثيل، بل أيضاً بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي والقانوني والثقافي. أي أن الأمر ليس فقط حول من يملك حق التصويت، بل من يملك القدرة الفعلية على التأثير في مصير المجتمع.
عند الجمع بين البعدين السياسي والاقتصادي، يصبح معنى «السلطة للشعب» هو أن تكون الأغلبية الاجتماعية صاحبة القرار وصاحبة المصلحة في الوقت نفسه؛ أي أن تكون الدولة خاضعة لإرادة المواطنين، وأن تعمل موارد المجتمع وثرواته لصالحهم، لا لصالح أقلية تحتكر النفوذ أو الثروة.
في السياق السوري، الأغلبية الاجتماعية هي وبشكل أساسي الـ 90٪ أو أكثر تحت خط الفقر، هي الأغلبية المنهوبة، والعابرة لجميع الأديان والطوائف والقوميات.
«السلطة للشعب» تعني أن تكون الثروة في خدمة المجتمع، وأن يكون القانون عادلاً تجاه الجميع، وأن تكون المؤسسات خاضعة للمساءلة، وأن يتمكن المواطنون من التأثير الحقيقي في إدارة شؤون الدولة، وفي تقرير مصيرهم ورسم سياسات بلدهم.
عندها فقط تصبح عبارة «الشعب مصدر السلطات» بأيٍّ من صياغاتها المتعددة، حقيقة سياسية واجتماعية-اقتصادية، لا مجرد عبارة مكتوبة في الدساتير... أو عبارة محذوفة من الدساتير (كما الحال اليوم في الإعلان الدستوري) ومن الواقع العملي!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1281