العبث بالتاريخ... بين تشويه الرمز ونسف الهوية.
في تاريخ كل شعب، ثمة رموز وأحداث مفصلية تشكل ضميره الجمعي؛ هؤلاء الرموز ليسوا مجرد أسماء مؤرشفة في ذاكرة ورقية، بل هم طاقة حية يمكن الاستناد إليها لمواجهة تحديات الراهن أيضاً. وفي السياق السوري، تتبدّى كوكبة من القامات؛ بدءاً من شهداء السادس من أيار الذين واجهوا صلف (جمال باشا السفاح) وأسسوا للوعي التحرري، مرُوراً بمن استكمل طريقهم من رجالات الثورة السورية الكبرى ورموز الاستقلال، ووصولاً إلى ضحايا القمع والاعتقال السياسي، جنباً إلى جنب مع الرموز الإبداعية في الأدب والفن، وهم الذين صاغوا جميعاً ملامح الهوية.
رهذه الرموز، بما تمتلك من وزن معنوي وما جسدته من قيم نكران الذات وربط القول بالفعل، كان من المفترض أن تكون الروافد الأساسية التي يُبنى عليها الوعي الوطني الجديد. غير أن الواقع السوري يشهد عملية «سطو» أو «إقصاء» لهذه الذاكرة، مرّت عبر مرحلتين تاريخيتين مختلفتين في الشكل، لكنهما تلتقيان في النتيجة.
من الاستهلاك إلى الحذف
تعرضت الذاكرة السورية لعملية تشويه ممنهجة طوال عقود السلطة السابقة. تم استهلاك الرموز الوطنية في خطب خشبية وشعارات جوفاء وأغانٍ دون تمثّل تجربتهم في الواقع، بل استُخدمت لتنميق خطاب سلطة كانت تتصرف فعلياً على عكس ما أسست له تلك الرموز من غيرية وصدق وطني. لقد جرى الاتكاء على رمزية «سلطان باشا الأطرش» و«صالح العلي» و«يوسف العظمة» - على سبيل المثال لا الحصر- بما يخدم بقاء النظام، مع تغييب جوهر كفاحهم القائم على الاستقلال والحرية والتعددية والمواطنة.
أما اليوم، فنحن أمام خطر من نوع جديد؛ إذ تتكرر محاولات (حذف) هذه الرموز من التاريخ بالتوازي مع تطاول البعض عليها. نرى اليوم تجاهلاً مريباً لذكرى السادس من أيار، تلك الذكرى التي كشفت قائمة شهدائها عن وعي نوعي، وبنية وطنية عابرة للانتماءات الطائفية والدينية والقومية، وشكلت صرخة سوريّة موحدة ضد الظلم. إن العبث بهذا الإرث ليس جهلاً فحسب، بل هو «اغتيال ثانٍ» لمن ضحوا بأنفسهم من أجل هوية سورية جامعة.
الدين والوطن
وفي سياق محاولات (إعادة صياغة التاريخ)، برزت قبل أشهر محاولات للتطاول على قامة وطنية بحجم سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى، أو التقليل من أهميته ودوره في التاريخ السوري، وهو الذي اتفقت عليه الزعامات الوطنية من حلب إلى حماة ودمشق والساحل، لم يكن الأطرش مجرد زعيم محلي، بل كان حاملاً لمشروع «الدولة الوطنية» في وجه مشروع (الدويلات الطائفية) الذي حاول الاستعمار الفرنسي تسويقه.
إن اقتران اسم (الباشا) بمقولة «الدين لله والوطن للجميع» كان الرد الواقعي والتحدي الملموس لسياسة فرق تسد. لذا، فإن النيل من رمزيته اليوم هو محاولة لضرب أسس العقد الاجتماعي السوري، وفتح الباب أمام النزعات الانعزالية التي لا تخدم إلا أمراء الحرب والمشاريع العابرة للحدود.
تهميش المثقف.
لا يتوقف الأمر عند الرموز السياسية والعسكرية، بل يمتد ليشمل تهميش رموز الثقافة والأدب والفكر. جرت وتجري محاولات تهميش قامات مثل سعد الله ونوس وعبد السلام العجيلي وغيرهم، ممن شكلت أعمالهم مرايا لآلام السوريين وطموحاتهم. إن استمرار هذه الممارسات، وبتوجيه من بعض أجنحة «السلطة الجديدة» أو بصمت منها، يكشف عن محاولة لصياغة تاريخ مشوه، يقوم على «القطع» مع الهوية الثقافية السورية واستبدالها بهويات فرعية أو أيديولوجيات ضيقة.
وفي هذا السياق أيضاً، يجري تجاهل تام لآلاف المعتقلين السياسيين ممن قضوا سنوات في سجون سلطة الأسد -وهم الرموز الأحياء للصمود- في تشكيل هياكل السلطة الجديدة، من وزارات ومجالس، وحوار وطني، أو الظهور على المنابر الرسمية، بالرغم من أنهم يعتبرون التجسيد الملموس للقهر السوري،
هذا التجاهل ليس سقطة إدارية فحسب، بل هو انفصال عن «قضية الإنسان» التي هي جوهر أي تغيير حقيقي.
تَرَف أم ضرورة راهنة.
ربما يبدو الحديث عن ضرورة تقدير الرموز التاريخية في زمن الكارثة السورية نوعاً من (الفانتازيا)، أو ترفاً لا طائل منه أمام هول الدماء والجوع والنزوح وتفتت الجغرافيا. لكن، في حقيقة الأمر، يمثل الموقف من هذه الرموز والأحداث الجامعة أحد أهم الضرورات الراهنة؛ فهو ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو مؤشر أساسي على مدى جدية أي طرف في التعاطي مع الاستحقاقات الكبرى في الظرف الراهن. إن الموقف من «الرمز» هو في جوهره موقف من المشروع الوطني ذاته.
ثروة وملكية عامة.
إن هذه الرموز التاريخية والثقافية هي «ثروة معنوية» لا تقل أهمية عن الثروات المادية للبلاد. التفريط بها، أو السماح «للرويبضة» والجهلة بالتطاول عليها، هو تفريط «بالملكية العامة» السورية وعبث خطِر بالهوية الوطنية السورية، وترسيخ للخواء والعدميّة وتهتك النسيج الاجتماعي وغيرها من المظاهر التي أفرزتها العقود السابقة وسنوات الحرب.
إن إعادة الاعتبار لهذه الرموز وحمايتهم من التطاول والتهميش هي أحد أدوات إعادة بناء «الضمير الجمعي» السوري، فمن دون وعي وطني يستند إلى التجارب التي جسدها رجالات الاستقلال والمبدعون الأحرار، سيبقى المجتمع السوري في حالة هشة و«تشظٍ» اجتماعي، يسهل من خلاله التلاعب بمصيره، فالذاكرة السورية ليست «أرشيفاً» يُصنّف في مجلدات وكتب، بل هي مختبر للمستقبل، ومن يفرّط بماضيه المشرّف لن يجد لنفسه مكاناً في غدٍ كريم، وكما قال رسول حمزاتوف عن هذه الحالة في توصيف رمزي بالغ الدلالة: (من يطلق النار على الماضي بمسدس، سيطلق المستقبل عليه بمدفع)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1277
عصام حوج