في الصحافة الأمريكية و«الإسرائيلية»: ذعرٌ متصاعد و «فخٌ استراتيجي»!
ريم عيسى ريم عيسى

في الصحافة الأمريكية و«الإسرائيلية»: ذعرٌ متصاعد و «فخٌ استراتيجي»!

تطورت الحرب الدائرة، التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل» على إيران قبل ثلاثة أسابيع، لتصبح واحدة من أكثر الأزمات الجيوسياسية زعزعة للاستقرار، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم كلّه؛ لما لها من آثار على جميع المستويات والقطاعات، لا سيما العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتلك المرتبطة بالطاقة. وتأتي هذه الحرب في ظرف دولي، تتراجع فيه الهيمنة الأمريكية من خلال البترودولار، وتصعد قوىً أخرى، مع تحرك المركز العالمي شرقاً.

خلال ما يقارب أول أسبوع أو أسبوعين، ادعى الخطاب الرسمي الأمريكي و«الإسرائيلي»، السيطرة والتقدم، وإحراز أضرار كبيرة مادية وبشرية في بنية النظام الإيراني، بالتوازي مع التعتيم الإعلامي في الكيان، لنفي أي أخبار تفيد بأن الضربات الإيرانية أحدثت أي ضرر في الكيان. إلا أن هناك فجوة تزداد توسعّاً بين ما تقوله واشنطن و«إسرائيل» عن حربهما مع إيران– وما تكشفه أفعالهما.
تشير أدلة متزايدة إلى قلق عميق، إن لم يكن ذعراً صريحاً، داخل واشنطن والكيان. ولا ينبع هذا القلق من هزيمة عسكرية وشيكة، بل من إدراك متزايد بأن الحرب تُوسّع نطاق المخاطر التي كان من المفترض أن تقضي عليها. بكلام آخر، بدأ هذان الطرفان بإدراك أن هذه ليست حرباً سينتصران فيها، بل باتت حرباً لا يعرفان كيف ينهيانها، ورمالاً متحركة تسحبهما للأسفل مع كل تصعيد جديد.


الذعر من التحولات في الدعم السياسي للكيان في أمريكا


تُظهر ردود الأفعال في الأوساط الأمريكية غضباً متزايداً تجاه السياسات الداعمة للكيان، والأمر لم يعد يقتصر على الجماهير وعامة الشعب، أو هذا الحزب أو ذاك، ولكنها بدأت بالظهور وبشكل واضح بين النخب، وفي الحزبين. وترتفع مع كل ذلك الأصوات المطالبة بوقف الدعم العسكري للكيان، وهذا كافٍ لنشر الذعر في صفوف الكيان، لإدراكه أن استمراريته تعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكي.

نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقالة في 20 آذار، يقول فيها الكاتب: «كان هاري ترومان، الذي شغل منصب رئيس الولايات المتحدة عام 1948، هو من اتخذ القرار التاريخي بتأسيس دولة إسرائيل. وقد برر ترومان، كغيره ممن تبعوه، دعم أمريكا للدولة اليهودية بأنه سياسة تهدف إلى تعزيز المصالح الأمريكية». ويذكر الكاتب عدداً من رؤساء أمريكا الذين دعموا الكيان خلال عقود مضت، بغض النظر عمّا إذا كانوا من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري. ثم يضيف أن «نتنياهو، خلال فترة حكمه الطويلة، ساهم بشكل حاسم في تحويل العلاقات بين إسرائيل والحزب الديمقراطي من رصيد استراتيجي إلى قضية سياسية مثيرة للجدل... عندما اختار نتنياهو التماهي كلياً مع المعسكر الجمهوري وقيادته، نشأت فجوة عميقة بين إسرائيل والحزب... وعزز دعم نتنياهو العلني وغير المشروط للرئيس الجمهوري دونالد ترامب شعور الكثيرين بأن إسرائيل قد انحازت إلى جانب في الصراع السياسي الداخلي للولايات المتحدة... فبعد أن كان الحزب الديمقراطي يدعم المواقف الصهيونية تقليدياً، تحوّل خلال سنوات حكم نتنياهو إلى حزب معادٍ لإسرائيل بشكل جوهري». وحتى مع الحزب الجمهوري نفسه، يقول الكاتب: «شهدت بنية الحزب الجمهوري تغيراً في السنوات الأخيرة مع صعود التيار الترامبي والانعزالي (MAGA)، الذي ينظر إلى الالتزامات الدولية بعين الريبة. ويرى كثيرون في هذا التيار: أن قاعدة الرئيس ترامب، والدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل، ولا سيما الحرب على إيران، التي تتناقض مع وعود ترامب بعدم الانجرار إلى حروب «غير ضرورية»، جزءٌ من سياسة خارجية تتعارض مع المصالح الأمريكية... فمع أن نتنياهو حافظ على علاقات قوية مع بعض أطياف الحزب الجمهوري التقليدي، إلا أنه يساهم في تشكيل جناح في يمين الحزب ينتقد بشدة العلاقات مع إسرائيل».

يتكلم كاتب مقالة أخرى نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 18 آذار، حول الموضوع ذاته من خلال النظر إلى مدى تأثير اللوبي الصهيوني في المشهد السياسي الأمريكي اليوم، وكيف أدى ذلك إلى تغيير طريقة عمل الـ «AIPAC» من دعم المرشحين المؤيدين للكيان، إلى محاولة التأثير من خلال استغلال المشهد، وتوجيه الدعم بطريقة تؤدي إلى خسارة المرشحين الأكثر عداءً للكيان، أي الاختيار بين «السيئ والأسوأ». بكلام آخر، أصبحت مقاربة «آيباك» كالتالي: «ليس بالضرورة الترويج للمرشح الأمثل، بل منع دخول المرشح الأكثر إشكالية من وجهة نظرهم». ويقول الكاتب: «أصبحت إسرائيل قضية محورية في الخطاب الأمريكي، تتعرض للهجوم من كلا طرفي الطيف السياسي. ليس فقط من اليسار التقدمي، بل أيضاً من أصوات تنتمي إلى معسكر يُعرف تقليدياً بتوجهه الأمني ​​المتشدد». ولفت الكاتب النظر إلى حادثة استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، وما قاله في تصريحه حول أسباب استقالته، «لا أستطيع، بضمير مرتاح، أن أؤيد الحرب الدائرة في إيران. لم تكن إيران تشكل أي تهديد مباشر للولايات المتحدة، ومن الواضح أن هذه الحرب قد اندلعت بسبب ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها». ويرى الكاتب: أن «هذا الادعاء ليس جديداً، لكن صدوره عن شخص ترأس إحدى أكثر الهيئات حساسية في المؤسسة الأمنية الأمريكية يمنحه ثقلاً جماهيرياً وسياسياً غير مسبوق».


الذعر الداخلي في الكيان والخسارات العسكرية


كان الداخل «الإسرائيلي» على مدى عقود شبه محصّن من تداعيات الحروب والاعتداءات التي يشنها الكيان على كل ما حوله. بالتأكيد، كان هناك دائماً مستوى من الخوف لدى «الإسرائيليين» الذين يدركون تموضعهم في محيطهم الذي ينظر إليهم كدخلاء ومحتلين ومستوطنين يعيشون ويزدهرون على حساب معاناة غيرهم، وانتهاك حقوقهم. لكن ذلك تغيّر بشكل كبير منذ بدء العدوان على غزة في تشرين الأول 2023، وبشكل أكبر في الحرب على إيران في حزيران الماضي، والآن بشكل أوضح وأكثر تكثيفاً منذ بدء الحرب الأخيرة على إيران قبل ثلاثة أسابيع. مع هذا كله، تتآكل ثقة «الإسرائيليين» بحكومتهم، التي لم يعد بإمكانها إخفاء الخسارات والإخفاقات العسكرية أو التستر عليها.
نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 16 آذار، مقالة يقول الكاتب في بدايتها: «على مدى العامين والنصف الماضيين، برزت فجوة متزايدة في إسرائيل بين توقعات الرأي العام والواقع العسكري. كثيراً ما صدرت تصريحات تفيد بأننا «قضينا» أو «دمرنا» أو «أزلنا نهائياً» التهديد الذي تشكله منظمات إرهابية، مثل: حماس وحزب الله. لكن الواقع الأمني ​​أكثر تعقيداً. فالمنظمات الإرهابية ليست مجرد بنى تحتية عسكرية، بل هي في جوهرها فكرة وأيديولوجية وشبكة اجتماعية سياسية. ولذلك، حتى الإنجازات العسكرية الكبيرة لا تؤدي عادةً إلى القضاء عليها تماماً». وهنا تبرز فكرة تتكرر في عدة مقالات، تحاول بطريقة غير مباشرة إدارة التوقعات بعيداً عن فكرة أن ما يحصل سينتهي في أي وقت قريب. بل إن الخطاب يدفع باتجاه معاكس لما تم تداوله في بداية هذه الحرب حول إنهاء إيران، حيث يقول الكاتب: «لا يمكن للقوة العسكرية وحدها ضمان الإزالة الكاملة والدائمة لأي تهديد أمني. صحيح أن الإنجازات العملياتية قد تُهيئ ظروفاً أفضل لإضعاف العدو، والحد من قدراته، ودرء المخاطر، إلا أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بترجمة هذه الإنجازات إلى تسوية سياسية. إن وجود أهداف سياسية واضحة، واتفاقيات مستقرة، بل وحتى اتفاقيات سلام في بعض الأحيان، هي الآلية الوحيدة القادرة على تحويل الإنجازات العسكرية المؤقتة إلى أمن دائم... دون هدف سياسي واضح، حتى الإنجازات العسكرية الأكثر إثارة للإعجاب تظل مجرد فصل آخر في حرب الاستنزاف، بل وتُنسى أحياناً بمرور الوقت».

نشرت صحيفة «هآرتس» في 20 آذار، مقالة يقول الكاتب فيها: «لقد تعلمنا الدرس بالطريقة الصعبة، كما هو الحال مع التهديد الصاروخي الإيراني، أنه مهما ضربنا إيران وحزب الله بقوة، فإنهم يستعيدون في غضون بضعة أشهر جزءاً كبيراً من قدراتهم العسكرية، والتي ينشرونها ضدنا دون تردد. كذلك، أظهرت التجربة مع حماس، وهي منظمة أضعف من حزب الله، أنه يمكن إضعافها لفترة محدودة، لكن لا يمكن القضاء على التهديد بشكل كامل». ويضيف، «يجب إخبار الجمهور بالحقيقة: حتى مع انتهاء الحملة الحالية، مهما طالت، لن نحقق نصراً كاملاً على حزب الله، لن نقضي عليه تماماً. سيظل التهديد قائماً بدرجة أو بأخرى. أي أن الحكومة وقائدها لا ينبغي لهما أن يغرقانا بوعود نصر لا أساس لها من الصحة، كما فعلا عندما أخبرانا قبل بضعة أشهر أن حزب الله قد هُزم».

في السياق ذاته، تتحدث مقالة أخرى نشرتها صحيفة «هآرتس» في 18 آذار، حول الإخفاق العسكري في حرب الكيان مع حزب الله، حيث يقول الكاتب: «عندما انضم حزب الله إلى الحرب، بدا وكأن جيش الدفاع الإسرائيلي على وشك الاحتفال. قال اللواء رافي ميلو، قائد القيادة الشمالية، لقادة السلطات المحلية في الشمال: «وقع حزب الله في فخ استراتيجي». كان هذا هو الخطاب السائد في جميع الإحاطات الإعلامية... وبعد أسبوعين، يبدو الآن أن الجيش الإسرائيلي غير متأكد من أنه لم يكن هو من وقع في الفخ». ويضيف الكاتب: «تدخل القوات الإسرائيلية– مجدداً– جنوب لبنان لإنشاء «خط دفاعي إضافي» لسكان شمال إسرائيل. وأضاف وزير الدفاع الرد كذريعة أخرى، قائلًا: إنهم «سيدفعون ثمن هجماتهم بالأراضي». ولكن هل سيدفع حزب الله الثمن حقاً؟ ألم نتعلم بالفعل أننا سنكون نحن من يدفع الثمن؟»

----3_result

تتحدث مقالة أخرى نشرتها صحيفة «هآرتس» في 15 آذار حول الآثار النفسية على «الإسرائيليين»، وتقوم بمقارنة مع حرب حزيران الماضي، والآثار التي تركتها وتغيير طريقة التعامل مع الأمور. يقول الكاتب: «تتصدر تل أبيب الآن قائمة المدن الأكثر إطلاقاً لصفارات الإنذار من الغارات الجوية. ففي حزيران الماضي، سقطت خمسة صواريخ على المدينة، بينما هذه المرة، لم يسقط سوى صاروخ واحد. إلا أن الضربة المميتة أجبرت 1743 من السكان على مغادرة منازلهم المتضررة». ووفق المقالة، يقول أحد مسؤولي فرق الإنقاذ في الكيان: «حتى الحرب التي اندلعت في حزيران الماضي، عندما كنت ترى موقع اصطدام، كنت تعرف أين بدأ وأين انتهى. كنت تعرف كيف تطوّقه وما هو حجم القوات التي يجب إحضارها. أما اليوم، عندما تصل إلى موقع ما، لا يمكنك أن ترى أين ينتهي». على الرغم من أن المقالة تقول: إن الهجمات هذه المرة– على الأقل حتى تاريخ كتابة المقالة– هي أقل مما كان عليه في حزيران الماضي، إلا أنه من الواضح أن الجبهة الداخلية «الإسرائيلية» تعيش حالة من الذعر، وأن هناك صدمة نفسية جماعية داخل الكيان، كما أن المقالة تشير إلى انهيار الافتراض القائل بأن «إسرائيل» قادرة على احتواء التصعيد على أراضيها. وهذا كله قبل الاستهدافين الضخمين في عراد وديمونا، اللذين خلفا عشرات القتلى، ومئات المصابين.
نشرت صحيفة «معاريف» في 22 آذار مقالة شرح فيها الكاتب أوجه القصور في أنظمة الدفاع في الكيان وتكاليفها العالية، ما يزيد الأضرار من استمرار القصف الإيراني الموجه للكيان، وينتقد قصر النظر لدى الكيان أو ربما العنجهية والغطرسة، التي جعلتهم غير قادرين على التوقع بأن تكون هناك قدرة لأي دولة أن تستنزف قدراتهم الدفاعية. ويقول الكاتب في نهاية المقالة: «بسبب قصر النظر هذا، تُركت دولة إسرائيل حالياً دون دفاع مناسب عن جبهتها الداخلية. إننا نتخلى عن مواطنينا حتى في مواجهة إطلاق الصواريخ الباليستية المتقطع الذي يحدث يومياً، وليس فقط في مواجهة القصف الكثيف. هذا إهمال صارخ: القدرة بين أيدينا، لكن القرارات تُتخذ بناءً على أولويات مشوهة، تُبقي الجبهة الداخلية غير محمية بشكل كافٍ. وبدون ليزر قوي كان بإمكاننا امتلاكه بالفعل، سيزداد الوضع سوءاً في المستقبل».


ما الذي يحصل في الضفة الأخرى... في الولايات المتحدة؟


تتصاعد الأصوات في الولايات المتحدة ضد هذه الحرب، لا سيما ضمن صفوف النخب السياسية. ويمكن تلخيص المواقف في عدد من النقاط، أبرزها: أمريكا وقعت في فخ حرب لا يمكن تحقيق انتصار فيها، عدم وجود استراتيجية للخروج من الحرب، الوضع في تراجع على عدة مستويات لا سيما العسكرية والاقتصادية، العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي متوترة، وهذه الحرب ستؤدي إلى تدهور جيوسياسي طويل الأمد.

نشرت وكالة «رويترز» مقالة في 21 آذار، يقول الكاتب فيها: «يبدو أن ترامب، الذي تولى منصبه متعهداً بإبعاد الولايات المتحدة عن التدخلات العسكرية «الحمقاء»، لا يملك الآن أي سيطرة على نتائج، أو رسائل الصراع الذي ساهم في إشعاله. ويُشكل غياب استراتيجية خروج واضحة مخاطر على إرثه الرئاسي، وعلى آفاق حزبه السياسية». ويضيف، نقلاً عن آرون ديفيد ميلر، المفاوض السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارات جمهورية وديمقراطية: «لقد وضع ترامب نفسه في مأزق يسمى الحرب على إيران، وهو لا يستطيع إيجاد مخرج منه... ويقول المحللون: إن أكبر خطأ ارتكبه ترامب كان في تقديره لكيفية رد إيران على صراع تعتبره وجودياً... سواء أكان ترامب ومساعدوه قد تنبأوا بالمخاطر أم لا، فقد عجزوا عن مواجهتها بفعالية». ويشكل عدم دعم حلفاء أمريكا المعتادين لها في هذه الحرب شقاً مهماً من المأزق، حيث إنه «بحسب مسؤول في البيت الأبيض... فقد فوجئ بمقاومة أعضاء الناتو الآخرين والشركاء الأجانب الآخرين لنشر قواتهم البحرية للمساعدة في تأمين مضيق هرمز».

نشر موقع «Counter Current» في 8 آذار، مقالة تحدث فيها الكاتب حول دخول الولايات المتحدة حرباً دون أن تكون لديها خطة واضحة حول الخروج منها. يقول الكاتب: «أظهر استطلاع رأي أجرته جامعة ميريلاند في مطلع فبراير أن 21% فقط من الأمريكيين يؤيدون شنّ  الولايات  المتحدة هجوماً على إيران، بينما يعارضه 49%. وحتى بين الجمهوريين، لم تتجاوز نسبة المؤيدين 40%... شنّ ترامب هذه الحرب في ظل تأييد واحد فقط من كل خمسة أمريكيين، لذا فهو يدرك أنه إما أن يخلق وهم النجاح، أو يواجه رد فعل سياسي كارثي». ويضيف الكاتب: «لا تزال أبسط الأسئلة الاستراتيجية في واشنطن بلا إجابة. ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الدفاع بيت هيغسيث، والجنرال كين، في الساعات الأولى من صباح الثاني من آذار، طرح أحد الصحفيين الأسئلة التي ينبغي أن تشغل بال الجميع الآن: «ما هي نسبة القدرات الإيرانية بعيدة المدى التي لا تزال فعّالة في القتال؟ وما هي استراتيجيتنا للخروج من هنا، ومتى سيتم نشرها؟». بدا هيغسيث عاجزاً عن الإجابة... لكن لا هيغسيث ولا كين، ولا أي مسؤول أمريكي آخر، تطرقوا إلى السؤال الجوهري المتعلق باستراتيجية الخروج... حتى لو كانت الولايات المتحدة مستعدة لإنهاء الحرب في غضون أسابيع قليلة، فقد تُصرّ إيران على تقديم تنازلات لها، مثل: رفع العقوبات غير القانونية، وانسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في الخليج العربي، قبل أن تُنهي هجماتها على القواعد الأمريكية التي باتت دفاعاتها شبه مستحيلة. هذه شروطٌ نُشجع الحكومة الأمريكية على قبولها».

ضمن هذا المشهد، تزداد المقارنات بحرب فيتنام، كما في مقالة نشرها موقع «Economic Times» في 21 آذار، ويقول فيها الكاتب: «يشير مصطلح «حماقات الساعة الخامسة» إلى المؤتمرات الصحفية العسكرية الأمريكية اليومية التي كانت تُعقد في سايغون خلال حرب فيتنام. كانت هذه المؤتمرات تُقدم تحديثات رسمية عن الحرب. لاحقاً، استخدم الصحفيون المصطلح بطريقة نقدية، لأن المعلومات غالباً ما كانت تُظهر تقدماً لا يتطابق مع واقع ساحة المعركة. أدت الفجوة بين الادعاءات الرسمية والأحداث الفعلية إلى فقدان الثقة. يُستخدم المصطلح الآن لوصف الحالات التي تُقدم فيها الحكومات رواية للحرب، قد تختلف عن الحقائق على أرض الواقع»، وكان وزير الخارجية الإيراني عراقجي قد استخدم هذا المصطلح في سياق الحرب الجارية. ويلمح كاتب المقالة إلى أن المصير ذاته ينتظر الولايات المتحدة في حربها مع إيران، مع ذلك الذي وصلته في حربها في فيتنام، والتي نتج عنها الكثير من الخسائر في صفوف الأمريكان وتكاليف عسكرية عالية، وفي نهاية المطاف، انسحبت الولايات المتحدة من فيتنام.

 

----4_result
كما أن للحرب آثارها الاقتصادية، وأوضح تمظهر للتداعيات الاقتصادية، هو رفع الولايات المتحدة عقوباتها المفروضة على النفط الإيراني في البحر لمدة 30 يوماً «لتخفيف حدة ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران»، كما ورد في مقالة نشرتها صحيفة الـ «غارديان» في 21 آذار. ويقول الكاتب: «تعكس هذه الخطوة قلق البيت الأبيض من أن ارتفاع أسعار النفط – بنسبة 50% تقريباً لتصل إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ عام 2022 – سيضر بالشركات والمستهلكين الأمريكيين... هذه هي المرة الثالثة التي تتنازل فيها الولايات المتحدة مؤقتاً عن العقوبات في غضون أسبوعين تقريباً. وكانت قد خففت سابقاً العقوبات المفروضة على النفط الروسي». وذكر الكاتب: «أن الولايات المتحدة لم تستورد كميات كبيرة من النفط الإيراني منذ أن فرضت واشنطن إجراءاتٍ عقب ثورة عام 1979». وحاول المسؤولون الأمريكيون نفي أن هذا يمكن أن يعود بأي فائدة أو ربح لإيران... ولكنه غير واضح ما هي النظريات الاقتصادية التي اعتمدوا عليها للوصول لهذا الاستنتاج.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270