الحرب على إيران... إعادة رسم المنطقة والعالم (2)

الحرب على إيران... إعادة رسم المنطقة والعالم (2)

نتابع في هذه المادة ما بدأناه الأسبوع الماضي في نقاش الآثار المحتملة للحرب «الإسرائيلية»- الأمريكية على إيران. وكنا قد ناقشنا في الجزء الأول الآثار المتوقعة على المستوى الدولي وعلى المستوى الإقليمي، ونناقش هنا التأثيرات المحتملة على المستوى المحلي السوري...

أسبوع إضافي


ربما من المفيد قبل الدخول في الوضع المحلي، أن نقدم تلخيصاً مكثفاً للجزء الأول، آخذين بعين الاعتبار مرور أسبوع إضافي من الحرب بعد كتابته... وبالشكل التالي:
دولياً: تعبر الحرب الراهنة بمجرياتها وتداعياتها، عن تسارع التراجع الأمريكي العام وعن عمق الأزمة الداخلية الأمريكية. بما في ذلك تراجع الولايات المتحدة كقوة محيطية، وتراجع الغرب ككل كقوى محيطية، وضمناً تراجع الناتو وكل المؤسسات الدولية التي ارتبطت ليس فقط بمرحلة الأحادية القطبية، بل وحتى تلك التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية والأمم المتحدة ضمناً... وباتت هذه المؤسسات كلها موضوعة على طاولة البحث التاريخي، باتجاه نسف ما يعجز عن التكيف منها، وتطوير وتعديل ما هو قابل للتكيف. يشمل ذلك لا المنظومة السياسية العالمية فقط، بل وأيضاً المالية والاقتصادية، وفي القلب منها دور الدولار كعملة عالمية، وخاصة مع تآكل الأساس المادي للبترودولار.
إقليمياً: تجري عملية إعادة تشكيل كبرى للتموضعات الإقليمية في مختلف بقاع العالم، وفي منطقتنا بشكل خاص؛ حيث يجري نسف التموضعات التاريخية التي تم إرساؤها أيام حلف بغداد وما بعده، وينشأ بشكل ملموس أكثر فأكثر ما أسمته قاسيون «التحالف الخماسي»، الذي يضم (السعودية، مصر، تركيا، إيران، باكستان)، وهي القوى التي كانت متناحرة طوال عقود مضت، واليوم تجد نفسها متقاربة موضوعياً، يجمعها الخطر المشترك المتمثل بمشروع «إسرائيل الكبرى»، أو «مشروع الشرق الأوسط الجديد/الكبير» الذي يهددها كلها، ويستهدفها كلها، على مستوى الشعوب والأنظمة والحدود الجغرافية السياسية على حد سواء، وباستخدام مختلف الأدوات الاقتصادية والعسكرية والمالية والتفتيتية. ورغم كل المحاولات الأمريكية و«الإسرائيلية» منذ بدء الحرب، لدفع الدول العربية للتورط في الحرب بشكل مباشر مع إيران، ومحاولات زج الكرد كلحم حي في المعركة، ومحاولات زج أذربيجان أيضاً... إلا أن أياً من هذه الأطراف لم ينزلق بهذا الاتجاه، وليست هنالك مؤشرات أن أياً منها مستعد للتضحية كرمى «للإسرائيلي» والأمريكي.

محصلة
بالمجمل، فإن ما قدمه أسبوع إضافي من الحرب، هو التأكيد على طبيعتها كحرب استنزاف من الطرف الإيراني، وكورطة كبرى من الطرف الأمريكي/«الإسرائيلي».
أما عن شروط إنهائها، وبينما ليس لدى الأمريكي و«الإسرائيلي» أي أمل في تحقيق أي من الأهداف التي أعلنوها لبدء الحرب (إنهاء البرنامج النووي، إنهاء البرنامج الصاروخي، إنهاء العلاقة والدعم للمليشيات والقوى المتحالفة مع إيران في الإقليم، إسقاط النظام)... فإن الطرف الإيراني يطرح شرطين قابلين للتحقيق على المستوى القريب والمتوسط: (إنهاء القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ودفع التعويضات).
بالنسبة لإنهاء القواعد الأمريكية في المنطقة، فهي بالمعنى العملي قد انتهت، وبقي البحث عن شكل لائق لخروجها النهائي، وهو أمر لن يتم بين ليلة وضحاها، وربما يحتاج إلى عدة سنوات كي يكتمل، لكن الأكيد أن العملية قد بدأت... لماذا؟
وظيفة القواعد العسكرية الأمريكية المفترضة، هي «الدفاع عن أمن الخليج العربي»، مقابل تسعير النفط بالدولار... أي أن المعادلة التي تم إرساؤها تاريخياً، وخاصة بعد انتهاء بريتين وودز، بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، هي التالية: لستم بحاجة إلى بناء جيوش كبيرة ومتقدمة وصرف ميزانيات هائلة عليها، اصرفوا تلك المليارات على قواعدنا التي ستحميكم، وبالمقابل تسعرون ثرواتكم الباطنية بالدولار، ونكون جميعنا فائزين في هذه المعادلة.
هذه الحرب، أثبتت أشياء أخرى مختلفة، فالقواعد الأمريكية ومعها الأساطيل، ليست عاجزة عن الدفاع عن دول الخليج العربي فحسب، بل وهي عاجزة عن الدفاع عن نفسها أيضاً، والأدهى هو أن ترتيب الأولويات بالنسبة للقوى المهاجمة (أي أمريكا و«إسرائيل») هو التالي: أولاً حماية «إسرائيل»، بما في ذلك عبر سحب منظومات دفاع من الخليج العربي باتجاه الكيان، وسحب منظومات دفاع حتى من كوريا الجنوبية باتجاه الكيان! وثانياً الدفاع عن أمريكا وأصولها وقواعدها وأفرادها. التسلسل المعروض هنا يفترض أن ثالثاً سيكون الدفاع عن دول الخليج العربي، ولكن التجربة العملية حتى الآن، تقول إن هذا الأمر ليس ضمن الأولويات إطلاقاً!
وبما أن التجربة العملية قد كشفت بالنسبة لدول الخليج أن القواعد الأمريكية ليست قادرة على حمايتها، وليست معنية بحمايتها، فإن جدوى بقائها والصرف عليها، يصبح محل بحث. وأكثر من ذلك، أن هذه القواعد ليست فقط عاجزة عن حماية دول الخليج، بل هي مصدر مشاكل وقلق وخسائر واضطراب مستمر مع دول الجوار، وخاصة إيران... ما يجعل الوصول إلى تفاهمات للأمن الجماعي للمنطقة، بين دول المنطقة، أمراً أجدى وأوفر وأضمن من «الاحتماء» بالأمريكي.
أضف إلى ذلك أن الأمريكي نفسه سيعيد حساب جدوى وجود القواعد العسكرية في منطقتنا (وفي مناطق أخرى عديدة في العالم)، بعد أن تنتهي الحرب الحالية، ويهدأ الغبار الذي أثارته...


أمريكا/«إسرائيل»


نحتاج إلى خطوة إضافية للوصول من الدولي والإقليمي إلى المحلي السوري، وهي التمييز بين ما تعنيه الحرب الحالية بالنسبة للولايات المتحدة، وبين ما تعنيه لـ«إسرائيل».
من حيث المبدأ، يمكن القول إن الولايات المتحدة بمقدورها التعامل مع الحرب الحالية بوصفها جولة ضمن مجموعة معارك عسكرية وسياسية واقتصادية تخوضها على المستوى الدولي، ويمكنها أن تخسرها دون أن تعني خسارة جولة من الجولات، خسارة نهائية وكبرى واستراتيجية... رغم ما ستخلفه الخسارة المتوقعة في هذه الجولة من آثار كبيرة على الولايات المتحدة، إلا أن لديها إمكانيات تعويض واسعة في أماكن مختلفة من العالم... ولذا فإن المنطق يقول بأن واشنطن ستسعى لإيقاف الاستنزاف بأسرع وقت ممكن، وستحاول الخروج بصور انتصار شكلي، على أمل التجهيز لجولة جديدة، في إيران أو في غيرها.
على العكس من ذلك تماماً، فإن «إسرائيل» لا تتعامل مع الحرب الجارية بوصفها جولة، بل تتعامل معها بوصفها الجولة الأخيرة؛ ليس لأنها قادرة على توجيه الضربة القاضية لإيران فيها، بل بالضبط لأنها تعرف أن قدراتها هي، أي «إسرائيل»، ربما لن تسمح بجولة إضافية، خاصة وأن جر الولايات المتحدة الأمريكية لجولة جديدة بات احتمالاً أقل قابلية للتحقق بشكل كبير من أي وقت مضى.
وبالتالي فإن الكيان، ورغم أنه يعرف أن إيران تريدها حرب استنزاف، وأن مصلحة إيران هي أن تكون الحرب استنزافاً طويلاً (سلقاً للضفدع)، ولكنها ترى نفسها مضطرة للانزلاق نحو الاستنزاف، (ضمن الحدود التي تستطيع تحملها، وهي حدود ضيقة مقارنة بإيران). وهي تنجر نحو الاستنزاف لأن خسارة الجولة الحالية بشكل واضح، يعني انغلاق الأفق بشكل نهائي تقريباً في وجه مشروع الشرق الأوسط الكبير، وفي وجه «إسرائيل الكبرى».


الكل أو لا شيء


يتعامل «الإسرائيلي» مع مشروع إسرائيل الكبرى، بوصفه الكل أو لا شيء؛ فإما أن يستطيع توسيع حدوده وهيمنته ليسيطر على كامل الشرق الأوسط، أو أن بقاء الكيان نفسه ضمن حدود فلسطين التاريخية، وبوصفه دولة عنصرية صهيونية، هو أمر مهدد بالفناء...
أصل المسألة هو فهم الكيان للتحولات في ميزان القوى الدولي. فلننظر في تصريحات نتنياهو قبل بضعة أسابيعه حين قال إن على «إسرائيل» أن تنقل التكنولوجيا العسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية، وأن تعتمد على نفسها في التصنيع العسكري بشكل كامل ضمن آجال زمنية حدها الأقصى هو 10 سنوات.
الصهاينة يرون التراجع الأمريكي بشكل واضح، ويفهمونه انطلاقاً من المعادلات الاقتصادية والعسكرية والسياسية الواقعية، وليس عبر ما تقوله وسائل الإعلام، التي يملكون الجزء الأهم منها حول العالم. وعلى هذا الأساس يرون أن الولايات المتحدة كقوة دولية مهيمنة ستصبح من الماضي ضمن أجل لا يتجاوز 10 سنوات.
سبق للصهاينة أن تكيفوا مع تحول ميزان القوى الدولي، حين نقلوا مركز ثقلهم من بريطانيا باتجاه نيويورك. ولكن مشكلتهم اليوم هي مشكلة مركبة؛ من جهة، القوى الصاعدة الجديدة غير مستعدة لاستقبالهم ورعايتهم، ومن جهة ثانية (وربما هذا هو الأهم) أن الصهاينة بالمعنى المالي والسياسي قد تعملقوا وتضخموا عبر قرن مضى، ولم يعودوا يقبلون بأن يكونوا محمية لدولة عظمى... هم يجب أن يكونوا الدولة العظمى. وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية تفقد دورها كدولة عظمى، فينبغي البحث عن بديل.
وبكل الأحوال، وحتى إن لم يكن الأمر بحثاً عن بديل، فإن انتهاء سطوة الولايات المتحدة، يعني جعل «إسرائيل» الحالية في موقع ضعيف جداً، تحتاج إلى تكبيره وتحصينه لمواجهة التغيرات القادمة على المستويات الدولية والإقليمية... بهذا المعنى فهم يتعاملون مع هذه الحرب ومع مشروع «إسرائيل الكبرى» على قاعدة الكل أو لا شيء...


ماذا عن سورية؟


كل تراجع للمشروع الصهيوني في المنطقة، هو موضوعياً مصلحة لسورية والشعب السوري؛ فالمشروع الصهيوني في سورية، يعني تقسيمها، ويعني دفعها نحو مزيد من الاقتتال الداخلي والفوضى.
وإذا كانت هذه الحرب الجارية هي تكريس لتراجع إضافي للصهاينة فهي بالإطار العام تقدم لسورية على المدى المتوسط والبعيد... على المستوى الزمني القريب الأمر مختلف:
أولاً: حرب الاستنزاف ستعمق مشكلات سورية الاقتصادية الاجتماعية وستدفعها لحافة الانهيار الشامل، ليس بسبب ارتفاع الأسعار العالمية فقط، وبسبب السياسات الليبرالية المتوحشة المتبعة التي تنهي دور جهاز الدولة الاجتماعي وتجعله عاجزاً عن الدفاع عن المجتمع ضد أي طارئ، بل وأيضاً لأن الداعم الأساسي مالياً (أي دول الخليج) لن يكون في وضع يسمح له بترف إزجاء المنح لسورية، أو الاستثمار فيها...
ثانياً: بالتوازي مع غياب العدالة الاجتماعية، وطفو مظاهر البطر على قلة قليلة ضمن المجتمع، سيصبح الحرمان أشد جوراً وخطراً، وأكثر قابلية للانفجار بأشكال غير متوقعة وغير قابلة للتحكم، ومفتوحة على كل الاحتمالات.
ثالثاً: يضاف إلى هذه العوامل، أن «الإسرائيلي» لن (يقعد عاقلاً)، بل سيسعى لاستثمار هذه الأوضاع للتعويض عن خسارته في معركة إيران، ولو رمزياً، عبر البطش بسورية والسوريين، انطلاقاً من التناقضات الداخلية، وربما عبر إجراءات من الخارج أيضاً.
هذه الإحداثيات مجتمعة، تعني أن بلادنا على حافة خطر كبير ومحدق على مختلف المستويات والصعد، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية. ما يعني أن الحاجة إلى توحيد الشعب السوري حول برنامج خلاص مشترك ومتفق عليه باتت أكثر إلحاحاً، بل باتت مسألة وجودية لبقاء سورية وشعبها، ليس فقط كوحدة جغرافية سياسية، بل كبقاء فيزيائي!
وإن كان المدخل الأساسي الذي طالما كررنا الحديث عنه هو المؤتمر الوطني العام الذي يجمع مختلف القوى السياسية والاجتماعية السورية وتوضع على طاولته مختلف المشكلات العالقة (المتراكمة منها سابقاً والمستجدة) للخروج بحلول توافقية تكون مشروع حلم مشترك للسوريين يوحدهم ويغلق الثغرات الكبرى لديهم، فإن هذا المؤتمر نفسه بات ضرورة أكثر إلحاحاً، ولم يعد قادراً وحده على إنجاز المهمة ضمن الآجال المتاحة، وهي آجال قصيرة... أي أننا بتنا بحاجة إلى حكومة وحدة وطنية تشمل القوى السياسية الأساسية والقوى الاجتماعية الأساسية، وتأخذ على عاتقها التعامل مع الوضع الكارثي الطارئ، والاحتمالات الأكثر صعوبة القادمة، ويأخذ على عاتقه ضمناً التحضير للمؤتمر الوطني العام، الذي ستكون وظيفته الأساسية هي إنفاذ حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه، وعلى قاعدة الحفاظ على البلاد ووحدتها ووحدة شعبها في مواجهة تهديد وجودي لا ينفك يتعاظم يوماً بعد يوم...

---4_result

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269