الحرب على إيران... إعادة رسم المنطقة والعالم
دخلت الحرب «الإسرائيلية»- الأمريكية على إيران يومها التاسع (اليوم هو الأحد 8/آذار). ومن غير الواضح كم من الوقت ستمتد هذه الحرب بعد، والمرجح أنها ستتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. ومع ذلك، فإن نتائجها ذات الطابع الاستراتيجي، قد بدأت بالتكشف، وبات من الممكن تلمس خطوطها العامة، على مختلف المستويات.
في هذه المادة، نحاول تقديم مقاربة أولية حول التأثيرات المحتملة لهذه الحرب على المستوى الدولي والإقليمي، تمهيداً لمادة أخرى نحاول أن نناقش التأثيرات ضمنها على المستوى المحلي السوري... ونبدأ قبل ذلك بتوصيف عام لواقع الحرب الجارية من وجهة نظر الأهداف الموضوعة.
الوقائع وتقييمها الأولي
إذا تركنا جانباً ألعاب السيرك الإعلامي التي يقدمها ترامب ونتنياهو بشكل يومي، وترامب أكثر من نتنياهو، والتي انتصر فيها خلال 9 أيام مئات المرات، واحتل إيران، وقسمها، وعين قيادتها الجديدة، ووضع خطط استثمار نفطها وثرواتها وإلخ... نقول: إننا إذا وضعنا الألعاب الإعلامية جانباً، ونظرنا في الوقائع، وبالاستناد ضمناً إلى محللين وعسكريين غربيين وأمريكيين، وحتى «إسرائيليين»، إضافة إلى قراءات أخرى صينية وروسية وهندية ومحلية، سنجد أنفسنا أمام المشهد التالي:
أولاً: لم يؤد اغتيال المرشد الإيراني وعدد من أعضاء قيادته إلى انهيار النظام الإيراني كما كان يتوقع ترامب، بل وظهر أن التماسك عالٍ جداً ضمن المنظومة القيادية في إيران، وأنها متجهزة مسبقاً لهذا الاحتمال.
ثانياً: لم يؤد الاغتيال إلى نهوض شعبي ضد النظام في إيران، بل على العكس، أدى إلى تعزيز مواقع السلطة القائمة، خاصة مع بدء الغزاة بعملية وحشية ضد مدرسة ابتدائية قتلوا ضمنها أكثر من 150 طفلة، ما جعل الحرب في نظر عموم الإيرانيين حرباً على إيران والشعب الإيراني، لا حرباً ضد السلطة الإيرانية فحسب. وقد ظهرت مواقف واضحة من قوى معارضة تاريخياً للنظام الإيراني، تعرضت للقمع والسجون والقتل عبر عقود، ترفض فيها العدوان على إيران، وتوضح أن هدفه ليس حرية الشعب الإيراني، بل تقسيم إيران واستعباد شعبها بكل مكوناته... بين هذه القوى حزب توده المعارض المعروف للنظام الإيراني، والذي تعرض عبر العقود لشتى أنواع الظلم والإقصاء والتعذيب والسجن. ما يظهر صورة عامة تقترب من الإجماع داخل إيران والنخب الإيرانية ضد العدوان «الإسرائيلي»-الأمريكي... لا يخرج عن هذا الإجماع إلى بعض المهرجين من نمط رضا بهلوي وأشباهه، والذين لا يعدم المرء وجودهم في أي بلد من البلدان.
ثالثاً: الأهداف المعلنة حول إسقاط النظام الإيراني، وحول إنهاء البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي، وعدا عن كونها ذرائع يكمن وراءها هدف أساسي، هو إنهاء إيران كوحدة جغرافية سياسية، كجزء من مخطط «إسرائيل الكبرى» التي تريد البقاء بوصفها القوة الوحيدة المهيمنة في المنطقة، وتحتاج لتدمير كل القوى الأخرى، وعلى رأسها إيران، ولكن ليس إيران فقط، بل وأيضاً تركيا ومصر، إضافة إلى تركيع دول الخليج بشكل نهائي... هذه الأهداف المعلنة وغير المعلنة، اصطدمت بجدار صلب غير قابل للاختراق، هو جدار الوقائع، وقائع التوازن الدولي الجديد من جهة، ووقائع الوضع الداخلي الإيراني، والوضع الإقليمي الذي يرفض الرضوخ للعبودية الصهيونية.
رابعاً: ما يجعل الأمر أشدّ صعوبة على «الإسرائيلي» والأمريكي، أنهما يحتاجان لكي يربحا هذه الحرب أن يحتلا إيران فعلياً، بينما كي تنتصر إيران في هذه الحرب، فهي بحاجة فقط ألا تخسر! أي ألا تنهار وتذهب باتجاه التقسيم...
النتائج الأولية (المستوى الدولي)
يمكن حصر النتائج الأولية المتوقعة على المستوى الدولي بالأمور التالية:
أولاً: تراجع القدرة العسكرية الأمريكية على فرض ما تريده في أنحاء العالم المختلفة؛ وإذا كانت تجد صعوبات كبرى في تحقيق أهدافها ضد دولة بحجم إيران، فهي بالتأكيد عاجزة عن تحقيق أهدافها ضد دول، مثل: الصين وروسيا... ما يعني إعادة ترتيب كبرى لتوازنات القوى على المستوى العالمي، وفتح الباب لهبوط التصنيف الموضوعي للولايات المتحدة من قوة دولية عظمى، إلى قوة دولية ينكفئ تأثيرها إلى الجزء الغربي من الكرة الأرضية، مع بقاء الاحتمال مفتوحاً نحو تراجعات أكبر.
ثانياً: عجز الولايات المتحدة عن تأمين مضيق هرمز، يعني انهيار فكرة القوة المحيطية التي تسيطر على التجارة العالمية انطلاقاً من سيطرتها على المحيطات، ويعني ضمناً إعادة رسم خطوط التجارة العالمية، ليس بقوة الاقتصاد فحسب، بل وأيضاً بقوة/ضعف السلاح. وفقدان القوى المحيطية للسيطرة المائية، يعني فقدانها لأهم عنصر من عناصر قوتها الجيوسياسية، وتالياً الاقتصادية.
ثالثاً: مع الاضطراب الهائل في الأسواق العالمية، السابق للحرب، والمتعاظم مع انطلاقها، تتعزز عملية إنهاء الدولرة، وإنهاء البترودولار خصوصاً؛ لأن فقدان الهيمنة الوصائية للأمريكي على دول الخليج العربي خاصة، عبر فقدان أساس تلك الهيمنة (الحماية مقابل تسعير النفط بالدولار)، يعني ضمناً أن الأساس المادي لانهيار البترودولار قد بات مكتملاً، وحين ينهار البترودولار فإنه سيسرع انهيار الدولار نفسه، المتضخم أساساً نتيجة انتقال مركز الإنتاج العالمي بعيداً عن الولايات المتحدة، وباتجاه الصين بشكل أساسي، ونتيجة استخدام القوة العسكرية الأمريكية والقواعد العسكرية الأمريكية في تثبيته... انهيار الدولار يعني انهيار المنظومة المالية العالمية القائمة، وتالياً، انهيار المنظومة السياسية المرتبطة به... لا نقول: إن هذا ما جرى، ولكن الباب قد فتح بالمعنى التاريخي نحوه، وبات السير نحوه أسرع فأسرع.
رابعاً: مع بداية الانتقال العملي نحو منظومة جديدة بالمعنى العالمي، المالي والسياسي والعسكري، فإن كل التشكيلات الدولية القديمة المرتبطة بالتوازن الدولي السابق، ستتعرض إما لانهيار كامل، أو لإعادة هيكلة عميقة؛ ضمناً نتحدث عن الناتو وبريكس وشنغهاي وحتى الأمم المتحدة...
النتائج الأولية (المستوى الإقليمي)
أولاً: مع الوقاحة الصهيونية غير المسبوقة في الهجوم على سيادة كل دول المنطقة على الإطلاق وتهديد وحدتها، فإن التحالف الخماسي الذي تحدثنا عنه عدة مرات سابقة، (السعودية، تركيا، إيران، مصر، باكستان)، سيتعزز موضوعياً، وسيسير خطوات إضافية إلى الأمام، بغض النظر عن بعض المواقف السياسية/الإعلامية (الضرورية) في سياق الحرب. على سبيل المثال لا الحصر: يمكن النظر إلى تصريحات تركي الفيصل، التي اعتبر فيها أن الحرب القائمة (ليست حربنا، وليست حتى حرب أمريكا، بل هي حرب «إسرائيل») والتي أجاب فيها عن سؤال التطبيع مع «إسرائيل» قائلاً: (انسوا التطبيع)! وكذلك يمكن النظر في تصريحات وزير الخارجية الباكستاني وفي التصريحات التركية، التي تصب جميعها في إطار عملٍ حثيثٍ من هذه الدول لتطويق الحرب، بل والوقوف في مكان أقرب إلى إيران بكثير مما هو تجاه الولايات المتحدة و«إسرائيل».
ثانياً: سقطت معادلة الحماية الأمريكية لدول الخليج العربي بشكل كامل، بل ووصلت الوقاحة الغربية أن الأمريكي بشكل علني يسحب دفاعات من دول الخليج ليشغلها في حماية «إسرائيل»، ويمتنع عن تزويد دول الخليج بالدفاعات التي تطلبها... سقوط هذه المعادلة يعزز تشكيل التحالف الخماسي المشار إليه أعلاه، ويعزز فكرة أن من يحاول الاحتماء بالأمريكي عريان، ومن يحاول الاحتماء بـ«الإسرائيلي» أكثر عُرياً، والمثال الواضح: هو الإمارات.
ثالثاً: محاولة تفجير المسألة الكردية في إيران وانطلاقاً من العراق، لم تنجح، وليست هنالك أيّ مؤشرات أنها قابلة للنجاح... ما يعني أن شعوب المنطقة بمختلف قومياتها، قد تعلموا الدرس جيداً، ولن يقعوا في فخ الاقتتال البيني على أسس قومية، ولا حتى على أسس طائفية واسعة النطاق... ولذا يمكن أن نتوقع أن مبادرة السلام في تركيا، ستسير إلى الأمام، وستكون أداة من أدوات إغلاق الثغرات الكبرى التي تسرب منها البريطانيون والفرنسيون سابقاً، ومن ثم الأمريكيون و«الإسرائيليون»... ما يعني فتح الباب موضوعياً أمام إعادة تشكل الإقليم بأسره كقوة قائمة بذاتها، عبر شكل من التفاهمات البينية والتعاون على المستويات الاقتصادية خاصة.
رابعاً: في ظل تآكل المظلة الأمريكية في المنطقة، فإن العلاقات مع كل من الصين وروسيا ستتعزز وتقوى على مختلف المستويات.
يتبع...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268