من الحرب إلى اجتماع ميونخ.. مرحلة جديدة من إدارة الأزمة!
شيار فارس شيار فارس

من الحرب إلى اجتماع ميونخ.. مرحلة جديدة من إدارة الأزمة!

من يراقب اتجاه تطوّر الأوضاع في ملف الشمال الشرقي خلال الأشهر الأخيرة، يستطيع أن يستنتج ببساطة، أننا أمام لحظة انتقالية، لحظة بدء مرحلة جديدة من إدارة الأزمة أمريكياً. العنوان الأبرز لهذه المرحلة، كما يبدو من الوقائع المتراكمة، هو الدفع نحو صيغة حكم تقوم على نظام محاصصة قومي/ طائفي، يُعاد من خلالها ترتيب التوازنات المحلية تحت مظلة (الاستقرار)، لكن بثمن سياسي واجتماعي باهظ.

جاءت هذه اللحظة على وقع معارك الشيخ مقصود، وما رافقها من تطورات دراماتيكية في تراجع الوزن السياسي والعسكري لقوات سوريا الديمقراطية. ثم تتابعت التصريحات التي لم تكن عابرة في دلالاتها. قال توم باراك بوضوح: إن “وظيفة قوات سوريا الديمقراطية انتهت”، في رسالة تفيد بأن مرحلة كاملة تُطوى أو يجري تعديلها. في المقابل، كرر دونالد ترامب إشادته بدور (السلطة المؤقتة الشجاع في إعادة توحيد البلاد)، في إشارة إلى إعادة تموضع سياسي يعيد الاعتبار لمركزية السلطة. وبين هذين الخطين، كان التجييش الإعلامي المتبادل قد فعل فعله: تعميق الانقسام الاجتماعي، وتوسيع الهوة القومية والطائفية إلى حدود خطرة.

ثم خرج السيناتور ليندسي غراهام بمعزوفة (حماية الأقليات)، ثم كانت جلسات الاستماع بلجنة الشؤون الخارجية، وترافقت تلك النغمة مع مجريات مؤتمر ميونخ، وطريقة إعداد الوفد السوري، الذي اجتمع مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. بمعنى أوضح، تم تحجيم قسد في الداخل، وجعلها بنية قومية مغلقة، وتعويمها خارجياً.. كل ذلك لا يمكن فصله عن سياق أوسع: إعادة هندسة المشهد السوري بما يضمن تمثيلاً موزعاً على أساس هوياتي، لا وطني جامع.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لم يتحرك الأمريكي بالزخم ذاته قبل اندلاع المعارك؟ لماذا تُركت الأمور تتدحرج إلى هذا الحد من الاستقطاب القومي الحاد، الذي لامس حواف صراع قومي مفتوح؟ إن كانت واشنطن قادرة اليوم على جمع الخصوم، أو على الأقل إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي بينهم، فلماذا لم تفعل ذلك قبل أن تُستنزف الطاقات وتُزرع بذور كراهية عميقة في النسيج الاجتماعي؟
نحن أمام أحد احتمالين:
الأول: إن ما جرى لم يكن فشلاً في التقدير، بل إدارة محسوبة للتصعيد. فالتوتر، ضمن حدود معينة، يعيد ترتيب الأوراق، ويُضعف بعض اللاعبين ويدفعهم إلى الطاولة بشروط أقل. من هذه الزاوية، تبدو المرحلة الحالية محاولة لالتقاط نتائج جولة من الاستنزاف، لا لمنعها. فالسياسة الدولية لا تتحرك بدافع الأخلاق، بل وفق حسابات موازين القوى.
الثاني: إن الأزمة السورية ليست خاضعة للتجاذب الدولي والإقليمي فقط، بل للانقسام الداخلي الأمريكي، وصراع الأجنحة في النخبة الأمريكية أيضاً.
على كل حال، من الواضح أيضاً، أن الطرفين المحليين يلعبان على الوقت. كل منهما يراهن على تغيرات قادمة قد تسمح له بالحسم، أو على الأقل بتحسين شروط التفاوض. الاتفاقات تُطبخ في الغرف المغلقة، وتُسرَّب بنودها بشكل انتقائي، وتخضع لتفسيرات متباينة، ما يشي بأن الثقة غائبة، وأن ما يجري ليس تسوية نهائية بل هدنة مشروطة. هذا الغموض المقصود يمنح الجميع هامش مناورة، لكنه في الوقت نفسه يُبقي الأرضية هشة.
المفارقة أن الساسة، بحكم البراغماتية، قادرون على التراجع السريع. يستطيعون أن ينتقلوا من خطاب التخوين إلى لغة الشراكة خلال أيام، وأن يبرروا التحولات باعتبارها “واقعية سياسية”. لكن ماذا عن القاعدة الجماهيرية التي تم شحنها ضد الطرف الآخر قومياً وطائفياً؟ ماذا عن الخطاب الذي صوّر الخصم كخطر وجودي لا يمكن التعايش معه؟ حين يُطلب من الجمهور فجأة أن يتقبل المصافحة بعد كل ذلك، فإن الشرخ لا يلتئم بسهولة.
هنا تكمن خطورة التحول نحو نظام محاصصة. فما معنى المحاصصة عملياً؟ ببساطة، هي توزيع السلطة على أساس الانتماء القومي أو الطائفي، لا على أساس برنامج وطني جامع أو كفاءة مؤسساتية. هي تثبيت للهويات الفرعية بوصفها مرجعية سياسية عليا، بحيث يصبح كل مكوّن ممثلاً بحصته، لا بمشروعه السياسي.

دولة المحاصصة هي، في جوهرها، دولة عاجزة عن إنجاز أي مهمة على المستوى الوطني العام، دون المرور عبر شبكة من التوازنات الحساسة. كل قرار يتحول إلى مفاوضة، وكل إصلاح يُقرأ من زاوية (من ربح ومن خسر) داخل مكونات النظام. بدلاً من بناء هوية وطنية جامعة، يجري تقنين الانقسام وشرعنته، ليصبح الخلاف البنيوي جزءاً من الدستور غير المكتوب.
الأخطر، أن هذه الصيغة تُبقي الوضع هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة. فحين تتغير موازين القوى، أو يشعر طرف ما بأنه خُدع أو جرى تهميشه، يعود الاحتقان إلى السطح بسرعة. ولا يعود الصراع خلافاً سياسياً عادياً، بل يتحول إلى صراع هوياتي تغذّيه ذاكرة مثقلة بالتجييش والتحريض.
دولة المحاصصة هي دولة النخب لا دولة الشعب، هي دولة الفيتو القومي والطائفي، لا دولة الانتخاب الحر للهيئات، هي دولة المحاباة والمحسوبيات، لا دولة الكفاءات والعقول.
قد يرى البعض في المحاصصة حلاً مؤقتاً يمنع الانفجار، ويؤسس لاستقرار نسبي. لكن التجارب في المنطقة تشير إلى أن الأنظمة القائمة على توزيع الحصص غالباً ما تتحول إلى أنظمة إدارة أزمة دائمة، لا إلى أنظمة بناء دولة. فهي تُجمّد الصراع ولا تحلّه، وتؤجله ولا تعالجه.

في ضوء كل ذلك، تبدو المرحلة الراهنة بداية إعادة صياغة للمشهد في الشمال الشرقي وكل سورية، لا نهايته. إدارة أمريكية جديدة للأزمة، بأدوات مختلفة وشعارات براقة عن حماية الأقليات وإعادة التوحيد، لكنها في العمق قد تكرّس انقساماً مقونناً، بدل أن تفتح أفقاً وطنياً جامعاً.
السؤال الحقيقي ليس من ربح الجولة، ولا من خسرها. بل: هل ما يجري يقود إلى دولة قادرة على تجاوز الانقسامات، أم إلى تثبيتها في بنية النظام نفسه؟ إذا كان الخيار الثاني هو الغالب، فإننا نكون أمام استقرار هش، قابل للاهتزاز مع أول اختبار جدي، وأمام مجتمع دُفع إلى حافة الاستقطاب، ثم طُلب منه فجأة أن يصدّق أن كل شيء بات تحت السيطرة.
الجدير بالذكر، أن هذه القراءة لا تلغي أهمية الاتفاق قياساً لاحتمالات الصراع المسلح، وإن رفض نموذج المحاصصة لا يعني بحال من الأحوال تجاهل ظاهرة التعدد القومي في البلاد وضرورة معالجتها، وتثبيتها دستورياً، وحلها بما يحقق غايتين أساسيتين:
1- وحدة وسيادة البلاد.
2 - رفض سياسات التمييز القومي ومنح الحقوق القومية الى جانب حقوق المواطنة العامة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1265