فلنوسع دائرة البيكار... حلب والصراع الدولي والإقليمي!
قبل المعركة في حلب، وخلال أول 36 ساعة منها، بلع توم براك لسانه، وهو المعتاد على إطلاق التصريحات يميناً وشمالاً، لصالح هذا الطرف أو ذاك تارةً، وضد الطرف نفسه تارةً أخرى، عند كل منعطف صغير أو كبير.
الأمر ليس تصادفياً بطبيعة الحال؛ فالأمريكي- بصمته- قد وضّح رضاه عن اندلاع المعركة، ثم وبعد أن جرى ما جرى، خرج يقوم كلاماً «حكيماً، هادئاً» عن التهدئة وضرورتها، وضرورة التفاهم بين السوريين.
وبما أن الأمريكي يقدم نفسه الفاعل رقم 1 في الشأن السوري، وبما أن أطرافاً سورية عديدة، متناقضة ومتحاربة، ترى فيه حليفاً، أو هكذا تقول على الأقل، فإن فهم ما يريده الأمريكي في سورية، ومن المعركة الأخيرة خصوصاً، يكتسب أهمية كبرى لمن يريد حقن الدم السوري فعلاً، ومنع مزيد من التدهور والخراب.
فلنوسع دائرة البيكار...
منذ عقود عديدة، ومع تعمق العولمة ووصولها إلى كل بقعة من بقاع الأرض، لم يعد ممكناً بحال من الأحوال، فهم أي شأن محلي، دون وضعه في سياقه الإقليمي والدولي. وفي فترات التحول الكبرى، والانتقالات الكبرى، وتغير المنظومات الدولية بأكملها، كالتي نعيشها الآن، يصبح الارتباط بين المحلي والإقليمي والدولي أكثر عمقاً وأكثر تأثيراً.
لذلك كله، ينبغي وضع ما جرى في حلب ضمن السياق الإقليمي والدولي الواقعي. ورغم أن هذه العملية مجهدة وقد تستنفد صبر القارئ، ولكنها ضرورية ضرورةً حاسمة، ولا يمكن القفز فوقها، إذا أراد المرء أن يفهم الأمور فهماً صحيحاً بعيداً عن التبسيطات المضرة التي تسيطر على القسم الأعظم من الإعلام بأشكاله وأطرافه المختلفة، والتي تلعب دوراً تخريبياً وتحريضياً في نهاية المطاف، وتوهم السوريين أن أعداءهم هم سوريون أيضاً، وتدفعهم لقتل بعضهم بعضاً ولتخريب بلادهم... وإذاً فلنوسع دائرة البيكار، لنرى موقع معركة حلب ضمن الصراع العالمي والإقليمي وليس فقط المحلي...
صراع دولي طاحن والاستراتيجية الأمريكية
بما أن الأمريكي فاعل أساسي في سورية، كما أسلفنا، فلا بد إذاً من فهم سياساته العامة في منطقتنا وفي العالم، لنفهم ما يريده في سورية؛ فهو بالتأكيد لا يتعامل مع سورية بوصفها ساحة معزولة عن بقية الساحات، بل بوصفها جبهة من جبهات معركة عالمية شاملة، ترتبط ببقية الجبهات، وتتأثر وتؤثر بها.
يمكننا محاولة تكثيف الوضع الأمريكي الراهن، وبالاستناد ضمناً إلى استراتيجية الأمن القومي المعلنة مؤخراً، في النقاط التالية:
أولاً: تعيش الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ أكثر من عقدين (مع خروجها نحو الحروب التي لا تنتهي بدءاً بأفغانستان) أزمة عميقة وغير مسبوقة، اقتصادية بالدرجة الأولى، وهي التي تدفعها للخروج نحو الحروب. جوهر الأزمة يفسره قانون اقتصادي موضوعي يمارس عمله على قدم وساق: (ميل معدل الربح نحو الانخفاض مع تعقد التركيب العضوي لرأس المال).
ثانياً: كي لا ندخل بتعقيدات اقتصادية نظرية، نبسط الأمر بالشكل التالي (وهو تبسيط مخلّ وغير دقيق، ولكنه يقرب الفكرة): نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي انخفاض معدلات الربح، جرت عملية تصدير كثيفة لرؤوس الأموال الأمريكية نحو أماكن أخرى في العالم، يمكنها ضمنها أن تضمن معدلات ربح أعلى. بين هذه الأماكن شرق آسيا خصوصاً، ومن ثم الصين، التي تحولت إلى مصنع العالم... وبات الكلام عن إعادة الإنتاج إلى الداخل الأمريكي وهماً مكتمل الأركان، لأن رأس المال لا تحكمه الاعتبارات الوطنية، بل اعتبارات الربح.
ثالثاً: رغم أن مركز ثقل الإنتاج العالمي قد انتقل نحو شرق آسيا، وجزئياً نحو أوروبا (التي تعاني مشكلة الولايات المتحدة نفسها مضافاً إليها أزمات إضافية منذ حرب أوكرانيا وتهاجر منها رؤوس الأموال أيضاً)، إلا أن الولايات المتحدة ضمنت لنفسها، عبر بريتين وودز وعبر قواعدها العسكرية حول العالم، وعبر آليات الاستعمار الاقتصادي، موقعاً متفوقاً، تستطيع من خلاله أن تنهب من أي إنتاج يجري في أي بقعة من بقاع الأرض، وخاصة عبر دولارها بوصفه العملة الاحتياطية العالمية الأولى، وتقريباً الوحيدة، طوال عقود.
رابعاً: الدول التي انتقل مركز الإنتاج نحوها، استطاعت مع الوقت بناء قاعدة إنتاجية ضخمة، ومن ثم انطلقت نحو بناء نفسها عسكرياً وسياسياً وثقافياً، مع ارتفاع استقلاليتها النسبية عن الأمريكان، يوماً وراء الآخر. ووصلت منذ نحو عقد ونصف تقريباً، إلى موقع بات يسمح لها بالقول: «كفى» لأمريكا؛ أي كفى نهباً لإنتاجنا باستخدام الدولار والمنظومة المالية الدولية المهيمن عليها أمريكياً. وبدأت بالانتقال نحو التبادل بالعملات المحلية، وببناء أسس منظومة دولية جديدة تخرق قوانين الاستعمار الاقتصادي الأمريكي... في مقدمة هذه الدول كما هو معروف: الصين- روسيا- الهند.
خامساً: انعتاق الدول التي يتمركز فيها الإنتاج العالمي من سيطرة المنظومة المالية والاقتصادية الأمريكية، لا يعني فقط انتهاء معدلات النهب الفلكي الذي تقوم به واشنطن لكل دول العالم، ولا يعني فقط الانتقال من منظومة أحادية القطبية إلى متعددة القطبية، بل ويعني أيضاً تهديد مصير الولايات المتحدة نفسها في البقاء قطباً، عبر انهيار مستوى الاستهلاك المفرط داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، ما يعني تالياً فتح باب الخراب الداخلي ضمنها، وحتى باب التقسيم والانهيار الكامل، وهو الأمر الذي بات مثار نقاش حقيقي بين مفكرين غربيين كبار، بينهم على سبيل المثال لا الحصر، إيمانويل تود، الذي ذاع صيته لأنه تنبأ مبكراً بانهيار الاتحاد السوفييتي، والآن يتنبأ بانهيار الولايات المتحدة والغرب ككل.
سادساً: ولأن من سنن الأزمات أنها تؤدي إلى انقسامات داخلية في صفوف المأزومين؛ حيث يقدم كل تيار تفسيره الخاص بأسباب الأزمة، ومخارجه الخاصة منها... نرى في الولايات المتحدة انقساماً حاداً ضمن النخبة الأمريكية (تعبيره السطحي هو ترامب-بايدن، أو جمهوري-ديمقراطي)، في حين أن جوهره الحقيقي هو الانقسام بين تيار يرى التراجع، ولكن لا يريد الاعتراف به، ويرى أن المخرج هو مزيد من التوسع والهجوم، وخاصة عبر ضرب روسيا والصين على أمل تفتيتهما وخاصة روسيا. وبين تيار آخر يرى التراجع ويعترف به جزئياً، ويريد الانكفاء لتقليل الخسائر، واستعادة القوى على أمل العودة للهيمنة لاحقاً.
سابعاً: التيار الانكفائي هذا يعبر عنه ترامب اليوم، وتظهر الاستراتيجية التي وضعها للأمن القومي مؤخراً، بوصفها تعبيراً واضحاً عن هذا التيار، عبر النقاط التالية:
أ- الهدف الأساسي هو السيطرة على نصف الكرة الغربي (وليس كل العالم).
ب- العولمة مضرة وينبغي التراجع عنها.
ت- أمريكا أولاً، ومصلحتها فوق مصلحة أي تكتل دولي بما في ذلك فوق مصلحة أي دولة أخرى (في إشارة ضمنية لـ«إسرائيل» وأوروبا).
ث- على أوروبا أن تحمي نفسها، ولسنا معنيين بالدفاع عنها.
ج- حلف الناتو أصبح عبئاً (وأطلس لا ينبغي له أن يستمر في حمل الكون على عاتقه).
ثامناً: رغم التناقض الهائل بين التيارين (العولمي والانكفائي)، إلا أنهما يتقاطعان في مسألة أساسية: إذا كان لا بد من انسحاب من هذه المنطقة أو تلك من العالم، فينبغي ألا تكون صالحة للاستثمار من قبل الخصوم الاستراتيجيين، وبالتالي، أفضل وضع للمناطق المنسحب منها، أن تكون خراباً كاملاً تسوده الفوضى ويسوده الاقتتال. ولا مانع بطبيعة الحال- حتى عند التيار الانكفائي- أن تنتقل تلك الفوضى إلى داخل الصين وروسيا، إن كان ذلك ممكناً.
منظومات وتحالفات إقليمية جديدة
حين يشتد الصراع بين القوى العظمى، فإن قواها تفني أو تضعف بعضها البعض. هذا الأمر، يسمح موضوعياً بهامش حركة أوسع للقوى الإقليمية، التي تكون مقيدة في ظل الأحادية القطبية، وتصبح أكثر قدرة على الحركة والمناورة في ظل الصراع بين عدة أقطاب.
في هذا السياق، وفي منطقتنا يمكن تسجيل التالي:
أولاً: فلنحاول تذكر اللوحة السياسية في إقليمنا قبل 10 أعوام فقط. خلاف وصراع بين دول الخليج العربي وبين تركيا، خلاف وصراع بين مصر وتركيا، خلاف وصراع بين هذه جميعها وبين إيران. «الإسرائيلي» كان يملك علاقات جيدة مع دول عربية عديدة (وصلت حد توقيع اتفاقات أبراهام والحديث الكثيف عن ناتو عربي-يهودي ضد إيران...).
ثانياً: والآن، ما هي اللوحة؟ تفاهم سعودي إيراني بوساطة صينية، وصل مؤخراً حد الوقوف بشكل غير مباشر في صف الحوثيين في اليمن ضد المخطط «الإسرائيلي» المقنع بوجهين فوق بعضهما البعض، الأول: هو المجلس الانتقالي الجنوبي. الثاني: هو الإمارات الداعمة للمجلس الانتقالي. تحالف دفاعي بمظلة نووية بين السعودية وباكستان؛ باكستان الحليف القوي للصين، وتركيا تعلن مؤخراً عن رغبتها في الانضمام لهذا التحالف. علاقات جيدة بين مصر وتركيا ومناورات عسكرية مشتركة. علاقات جيدة بين تركيا وإيران، تصل حد تصريح وزير الخارجية التركي أن «إسرائيل» تحاول استغلال الاحتجاجات في إيران، ويجب منعها من القيام بذلك. يضاف إلى ذلك جملة من الاتفاقات والتوافقات بين كل من السعودية، مصر، تركيا، إيران، وباكستان، في قضايا عديدة كانت محل خلاف حتى الأمس القريب، بينها على سبيل المثال لا الحصر: السودان والوضع في الصومال.
ثالثاً: بينما تتقارب الدول الكبرى مساحة وسكاناً ضمن الإقليم، تسعى «إسرائيل» وأمريكا لتكوين حلف من «الصغار» بعد انقطاع الأمل بإحداث أي خرق في العلاقة مع الدول الكبرى.. فنرى نتنياهو يتحالف مع قبرص واليونان وأرض الصومال والإمارات. تخرج عن معادلة «الصغار» إثيوبيا، ولكن ليس بشكل كامل، وليس بشكل قاطع، فهي نفسها مرشحة لإعادة تموضع ضمن التغير الجاري في الإقليم.
رابعاً: هذا الشكل من الاستقطاب الإقليمي الذي يجمع قوى كبرى كانت متنافرة حتى الأمس القريب، هو اتجاه موضوعي كنا قد تحدثنا عنه مبكراً (في وثيقة القضية الكردية وشعوب الشرق العظيم على سبيل المثال، وفي عدة وثائق قبلها في العقد الأول من الألفية). نقول: إن هذا الاستقطاب هو نتيجة موضوعية لكون كل هذه الدول، كدول وكأنظمة، باتت تحت تهديد مباشر من الأمريكان و«الإسرائيليين» ومشروع الشرق الأوسط الكبير-الجديد. وهذا التحالف الإقليمي بين الكبار، والذي قطع خطوات مهمة، لكنه مع ذلك ما يزال في بداياته، يعيد رسم المنطقة بأكملها، وبالضبط بالعكس تماماً من المشروع الأمريكي/ «الإسرائيلي».
خامساً: الأدوات الأساسية في تقسيم المنطقة، وفي تأليب القوى الإقليمية الكبيرة ضد بعضها البعض، وفي إضعافها من الداخل، لمصلحة الأمريكي و«الإسرائيلي»، كانت الفوالق الطائفية والقومية. ومع التقارب الإيراني التركي، ثم السعودي الإيراني، وتقليص نفوذ داعش، انحسرت إمكانيات التفجير واسع النطاق على أسس طائفية، وبات التفجير على أسس قومية هو الأداة الأكثر نشاطاً.
سادساً: في هذا الإطار، يصبح من الواضح والمفهوم، السعي «الإسرائيلي» لتفجير تركيا من الداخل، وخاصة عبر الفوالق القومية، وعبر استغلال الجرح الكردي المفتوح، ضد الكرد وضد الترك وضد العرب والفرس، وبكلمة، ضد كل شعوب المنطقة. يصبح مفهوماً أيضاً توقيت إطلاق مبادرة السلام في تركيا على أساس تفاهم كردي تركي، تتمثل بمبادرة أوجلان، وتلقفها من بهتشلي-أردوغان... والتي من شأنها إن وصلت إلى نهاياتها أن تنزع صاعق تفجير ضخم ليس من تركيا وحدها، بل وأيضاً من إيران والعراق وسورية.
سابعاً: بعد فشل محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، تراجعت بشكل ملحوظ قدرة الأمريكي و«الإسرائيلي» على اللعب ضمن الداخل التركي. لا ينبغي الافتراض أن تلك القدرة انتهت، فما تزال موجودة بقوة داخل جهاز الدولة نفسه، وداخل النخب الاقتصادية خاصة، ولكن الأكيد أنها تراجعت، والأكيد أن محاولات التفجير من داخل تركيا أصبحت أصعب من السابق... ما يعني أن سورية نفسها يمكن أن «تنفع» في الدفع نحو تفجير تركيا من الداخل...
حلب!
عند هذه النقطة من التحليل، يمكن الوصول إلى فكرة مضمونها هو أن إشعال الملف الكردي في سورية، وخاصة إذا ترافق ذلك مع سفك دم سوري غزير، كردي وعربي، يمكن أن يسمح بنقل التفجير إلى داخل تركيا، ويمكن أن ينهي مبادرة السلام التي يسمح استكمالها كما أسلفنا بإغلاق ملف «مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الإسرائيلي».
وعليه، وبعيداً عما تراه الأطراف السورية نصراً أو هزيمة، فإن رفع درجة التصعيد والتحريض القومي ضمن سورية، هو بالضرورة في مصلحة «إسرائيل» وأمريكا، اللتان ستدفعان لمزيد من سفك الدم السوري من كل الأطراف بأيدي السوريين أنفسهم.
النصر الحقيقي الوحيد الممكن هو عبر توافق السوريين وتآخيهم الحقيقي، عبر حل سياسي شامل ينصف الجميع، ويكون ذا صلاحيات شاملة، وإلا فإن أي انتصار جزئي هنا أو هناك، سينعكس خسارة سياسية... فكما هو معروف، يمكنك أن تكسب معركة وتخسر الحرب، ويمكنك أن تكسب كل المعارك وتخسر الحرب أيضاً بالمعنى السياسي... الانتصار الوحيد الممكن في سورية هو خروج كل الأطراف من وهم التحالف مع الأمريكي، ومن وهم القوة والغلبة ضد السوريين، والاتجاه نحو تحصيل الاستدامة من توافق السوريين أولاً وأخيراً...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260
