نتائج ودروس «معركة حلب»

نتائج ودروس «معركة حلب»

هدأت نسبياً نيران معركة جديدة بين السوريين، وعلى الأرض السورية، في حلب هذه المرة. وكان ثمنها المباشر المزيد من العذابات وهدر الدماء. وفي كل مرة يتمنى السوريون أن تكون هذه المعركة أو تلك، هذه المجزرة أو تلك، خاتمة أحزانهم ومعاناتهم، ولكن هذا غير ممكن بحال من الأحوال إن لم يتم استخلاص الدروس الحقيقية، وتطبيقها على أرض الواقع.

بين أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من المعركة الأخيرة، ومن مجمل تجربة 15 سنة، والتي على الأطراف السورية كلها، ودون استثناء، أن تراها بوضوح، بما في ذلك الحكومة في دمشق وقسد، ما يلي:
أولاً: من يضع ثقته بالجانب الأمريكي سيخسر عاجلاً أم آجلاً؛ فالأمريكي يمكنه أن يدعمك اليوم ويبيعك غداً، وتاريخه العام، وحتى مع الأطراف السورية نفسها، يثبت ذلك بما لا يدع مجالاً للشك. وأكثر من ذلك، فإنه حين يدعمك أو يشجعك أو يؤيدك في القيام بخطوة ما، فعليك أن تحسب عشرة أضعاف ما تحسبه حين يعاديك؛ ومئة ضعف قبل أن تخطو تلك الخطوة، لأنها ستكون شركاً و «فخاً» منصوباً لك وللبلاد بأسرها.
ثانياً: الحلول الأمنية والسيطرة العسكرية على هذه المنطقة أو تلك من سورية، على هذه المساحة أو تلك، ليست مكسباً مستداماً، بل وربما يمكنها أن تتحول إلى خسارة سياسية. هل ينبغي التذكير بأن الأسد بعد 2019 كان يسيطر على الجزء الأكبر من مساحة سورية؟ وأنه قبل سقوطه بأيام كان ما يزال يسيطر عسكرياً على الجزء الأكبر من البلاد؟
ثالثاً: الحصول على الشرعية الحقيقية المستدامة، غير ممكن بالقوة والفرض داخلياً، ولا بقسم المجتمع على بعضه البعض على أسس طائفية ودينية وقومية، (فهذا وصفة الحرب الأهلية والخراب)، ولا بالدعم الخارجي سواء كان صادقاً أم كاذباً، وهو كاذب في الغالب الأعم، وخاصة حين يأتي من أمريكا... الشرعية الحقيقية المستدامة تأتي فقط من التوافق بين السوريين، ومن حل مشكلاتهم المتراكمة، وعلى رأسها الفقر والبطالة والنهب والقمع.
رابعاً: اتفاق 10 آذار واتفاق 1 نيسان، ورغم أهميتهما، يعيدان التذكير باتفاقات أستانا، ويشتركان معها بأنها جميعاً اتفاقات جزئية؛ فهي تخص مساحات محددة ضمن سورية وليس سورية كلها، وهي موقعة بين أطراف محددة من السوريين، وليس بين كل الأطراف السورية. والنتيجة؟ لا يمكن الوصول في سورية إلى حل حقيقي شامل، ولا حتى إلى حلول جزئية مستدامة، إلا عبر اتفاق شامل بين السوريين، أي عبر حل سياسي شامل، وعبر مؤتمر وطني عام كامل الصلاحيات. عدا ذلك، فإن أفضل ما يمكن لأي اتفاق جزئي أن ينجزه، وكما تثبت الوقائع المرة المتكررة، هو حقن الدم السوري، مؤقتاً فقط، وتأجيل استمرار سفكه إلى حين...
خامساً: كل اقتتال جديد بين السوريين، يعني مزيداً من الضعف لكل الأطراف السورية، ومزيداً من تقسيم السوريين ضد بعضهم البعض على أسسٍ طائفية ودينية وقومية، ومزيداً من الخراب للاقتصاد السوري ولمعيشة السوريين المأساوية أصلاً، ويعني مزيداً من التدخلات الخارجية، ويعني ارتفاع مخاطر التقسيم؛ لأن توحيد البلاد ينبغي أن يقوم على التوافق بين أهلها، وليس على القسر والإجبار، خاصة في الوضع السوري الذي تمتد ضمنه أذرع المتدخلين والمخربين من مشارق الأرض ومغاربها، وعلى رأس المخربين «الإسرائيلي» الذي لا يترك فرصة إلا ويستغلها للدفع نحو التقسيم، وحين تغيب الفرصة يعمل بنفسه لصنعها.
إن الدرس الأهم الذي ينبغي على الأطراف السورية المختلفة استخلاصه هو أن الحل كان وما يزال سياسياً، وكان وما يزال شاملاً يقوم على المشاركة الحقيقية للسوريين بكل قواهم السياسية والاجتماعية، وبعيداً عن أي تحريض طائفي أو قومي أو ديني، وكل من يحرض بهذا الاتجاه هو خادم للصهاينة في نهاية المطاف، حتى ولو كان يفعل ذلك مغفلاً غير مدرك.
الحل السياسي الشامل يعني وضع كل المشكلات العالقة على طاولة تجمع السوريين، ومناقشتها للوصول إلى حلول توافقية... الحرب جربناها، ولم تحل شيئاً حتى اللحظة، وما لا يحله الحوار بين السوريين، ينبغي أن يحله مزيد من الحوار...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260
آخر تعديل على الأحد, 11 كانون2/يناير 2026 20:12