أفكار حول اللامركزية: بين التشويه والحاجة الوطنية
يُعدّ مفهوم اللامركزية أحد أكثر المفاهيم السياسية تعرّضاً للتشويه في النقاش العام السوري، سواء نتيجة الجهل بطبيعته ومضامينه، أو بفعل إرادة سياسية واعية تسعى إلى إفشاله، أو تفريغه من محتواه. فمرة يُهاجَم بوصفه مشروع تقسيم مقنّع، وتُشيطَن الأصوات الداعية إليه، ومرة أخرى يُختزل في إجراءات شكلية أو ترتيبات أحادية تُفرض من طرف واحد. وفي الحالتين، يجري الابتعاد عن جوهر اللامركزية بوصفها خياراً ديمقراطياً، لا أداة غلبة أو فرض وتثبيت أمر واقع.
في معناها البسيط، اللامركزية تعني منح الناس في مناطقهم سلطة إدارة شؤونهم الخاصة، عبر هياكل مؤسسية منتخبة تمتلك صلاحيات حقيقية، ويكون للمواطنين فيها حق الانتخاب والمساءلة والمراقبة، وحتى العزل. على سبيل المثال: لماذا لا يكون محافظ حلب ومجلس محافظتها منتخبين حصراً من أبناء المحافظة، من دون وصاية مباشرة من المركز، يديرون شؤونهم الخدمية من تعليم وصحة ونقل وثقافة وشرطة محلية قولًا وفعلًا؟ أليست هذه هي الممارسة الطبيعية لأي نظام ديمقراطي يسعى إلى إشراك المواطنين في القرار العام، ووضع الجميع أمام مسؤولياته، بدل اختزالهم في دور المتلقّي؟
من المهم التأكيد، أن اللامركزية ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة سياسية ودستورية تمكّن الإرادة الشعبية من التعبير عن نفسها بشكل مستدام، لا خلال موسم انتخابي عابر، بل كعملية دائمة في إدارة الشأن العام. وهي بهذا المعنى ليست نقيض وحدة الدولة، بل أحد الشروط الضرورية لإعادة بنائها على أسس حديثة، تقوم على الشرعية والمشاركة بدل القسر والاحتكار.
كما أن اللامركزية لا تعني التقسيم، بل على العكس، تشكّل وسيلة لتنظيم علاقة مرنة ومتوازنة بين المركز والوحدات الإدارية- محافظات أو مناطق- على أساس التكامل الوظيفي والسياسي. فالعلاقة بين المركزية واللامركزية ليست علاقة تضاد صفري كما يفسر البعض، بل علاقة تكامل؛ إذ كلما اتسعت دائرة الديمقراطية واللامركزية، أمكن إنتاج مركز أقوى، أكثر تماسكاً، وأعلى شرعية، وأقدر على إدارة القضايا السيادية الكبرى، وهي حاجة سورية ملحة خصوصاً بعد أن وصل الوضع إلى ما وصل اليه.
لا توجد صيغة جاهزة أو نموذج مثالي للامركزية يصلح لكل البلدان. النخب السورية مدعوّة إلى إنتاج نموذجها الخاص، انطلاقاً من تجربتها التاريخية، وخصوصيات مجتمعها وحاجاته الواقعية، بما في ذلك تنوّعه القومي والديني. نموذج إبداعي كهذا يمكن أن يشكّل أيضاً بالإضافة إلى وظيفته العامة مدخلاً عقلانياً لمعالجة حساسيات مزمنة، مثل: القضية الكردية، وقضايا السريان والآشوريين وغيرها، ضمن إطار وطني جامع يقدّم المواطنة على الخوف، والتنظيم على الفوضى، والثقة المتبادلة على الإقصاء، والإحساس بالمصير المشترك، ومراعاة الخصائص الجيوسياسية لسورية وتعقيداتها الإقليمية.
مقوّضات اللامركزية
انطلاقًا من وقائع المشهد السوري الراهن، يمكن القول: إن تثبيت نموذج مناسب من اللامركزية في سورية الجديدة يتطلّب توافر جملة من الشروط السياسية والمجتمعية:
أولًا: الحوار
إحدى أبرز مقدمات الأزمة السورية كانت احتكار السلطة السابقة للقرار الوطني، وتغييب آليات الحوار بين السوريين، بل وإجهاض أي محاولة جادة في هذا الاتجاه. وقد أسهم ذلك في تكوين صور نمطية متبادلة، وفرض سرديات السلطة، وسرديات معارضة رسمية ضيقة على المشهد العام، ما أفضى إلى استقطاب مشوّه وصل إلى درجة الابتذال في الحديث عمّا يُسمّى “سورية المفيدة”، ومناطق النظام ومناطق المعارضة، وثنائيات الأغلبية والأقليات، بدل التنافس على أساس البرامج والرؤى السياسية. وجاءت وقائع ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 لتعمّق هذا الاستقطاب للأسف، وتمنحه أبعاداً طائفية وعرقية أكثر حدّة.
إن إطلاق حوار علني وشفاف، ووضع كل القضايا على طاولة البحث دون شروط مسبقة من أحد، خارج هذه الانقسامات الوهمية القديمة–المتجددة، بات ضرورة قصوى لإعادة فرز القوى على أساس الموقف السياسي من شكل الدولة السورية ونظامها السياسي، بما في ذلك مسألة اللامركزية.
ثانياً: التوافق
الحوار في اللحظة السورية الراهنة ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة للوصول إلى توافقات. فقد أثبتت وقائع الأزمة ومساراتها أن أياً من الأطراف غير قادر على حسم الصراع عبر الغلبة. ومن هنا، يغدو التوافق شرطاً لا غنى عنه لتجاوز المأساة السورية، ويعني استعداد جميع الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، والوصول إلى صيغ مشتركة تراعي هواجس الجميع على أساس وحدة الدولة السورية وسيادتها.
ثالثاً: رفض المحاصصة
ينبغي ألّا تتحوّل اللامركزية إلى حامل لنظام محاصصة طائفية أو قومية، لأن هذا النموذج يقوّض أي ديمقراطية فعلية، ويتناقض جذرياً مع الغاية من اللامركزية بوصفها أحد تجليات سلطة الشعب، ومع ذلك، فإن رفض المحاصصة لا يعني إنكار التعدد القومي في البلاد، ولا تجاهل ضرورة معالجته. على العكس، يمكن للمشروع اللامركزي أن يكون إطاراً قانونياً ودستورياً لمعالجة مسألة التعدد، من دون استنساخ نماذج تقليدية فاشلة كالنموذج العراقي، وبما يراعي الخصوصية السورية وضروراتها الآنية والاستراتيجية، وفي الوقت نفسه هواجس الجماعات المختلفة.
لقد استنفذت السلطة المركزية الديكتاتورية، التي تتحكم بكل شيء، وما نتج عنها من إقصاء وتهميش وتفاوت تنموي بين المناطق، دورها التاريخي في سورية، وباتت عبئاً وعائقاً أمام أي مسار تحديثي حقيقي. والبديل الواقعي يتمثل في نموذج يقوم على توازن واضح بين المركز والمناطق: مركز يدير القضايا السيادية ويضمن وحدة البلاد، ومناطق تدير شؤونها اليومية والخاصة، ضمن إطار دستور عصري ينظم هذه العلاقة ويضبطها، بما يستعيد وحدة سورية، ويمنع في الوقت نفسه تغوّل السلطة المركزية على المجتمعات المحلية، وتهميشها، وشلّ فاعليتها ودورها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259
حسان ثابت