شارع ضد شارع؟!
حتى الآن، يتم استخدام آلة الزمن في سورية باتجاه واحد فقط: نحو الوراء، نحو الخلف، نحو الماضي؛ فمن عاش الأسبوع الفائت في البلاد، شعر أنه عاد بالزمن إلى الوراء، إلى أيام المظاهرات المعارضة والمسيرات المؤيدة، مع بعض التبديلات الشكلية بالطرابيش، ومع بقاء الاستقطابات المعلنة أو المخفية، قائمة على أسس طائفية وقومية ودينية.
متى ينتعش الطرح الطائفي؟
ارتفاع النفس الطائفي، وارتفاع مستوى التحريض الطائفي، يعني في الحالة السورية، الأشياء التالية:
أولاً: ارتفاع مستوى التدخلات الخارجية، السياسية الإعلامية، وخاصة التدخلات «الإسرائيلية»/الأمريكية، التي تستثمر بالدرجة الأولى في شق السوريين إلى شوارع متقابلة متصارعة متناحرة...
ثانياً: ارتفاع النفس الطائفي، يعني أن السلطات القائمة، ليس لديها مشروع لتوحيد السوريين بعيداً عن الدين والطائفة والقومية، وهي بالتالي، ترى نفسها مضطرة للاستثمار في قسم السوريين إلى شوارع متقابلة ومتضادة، على أساس فكرة «أكثرية» و«أقليات». لأن البرنامج الفعلي الذي تطبقه السلطات القائمة حتى اللحظة، هو برنامج الليبرالية الاقتصادية المتوحشة، حيث يتم رفع الدعم عن كل الخدمات الأساسية، ويتم تسليم القطاعات السيادية للشركات الخاصة الداخلية والخارجية، ويتم تعزيز إفقار الغالبية الساحقة من الناس، مقابل نيل رضا صندوق النقد والبنك الدوليين... برنامج كهذا، لا يمكنه أن يوحد السوريين إلا باتجاه واحد: ضده! ولذا من «الطبيعي» أن يزداد الاستثمار بالانقسامات الطائفية والدينية والقومية، بحيث يبقى السوريون بعيدين عن الاتحاد فيما بينهم للبحث عن مصالحهم الحقيقية...
ثالثاً: ارتفاع النفس الطائفي، يعكس أيضاً أن القوى التي تقدم نفسها معارضة أو رافضة للسلطة القائمة، لا تقدم حتى الآن برنامجاً وطنياً شاملاً، بل تقدم برامج فئوية قائمة على الانعزال وعلى فكرة الحماية الدولية، وعلى أسس طائفية... أي أنها هي أيضاً لا تملك برنامجاً وطنياً عاماً تقدمه للسوريين، ولذا تستخدم الطوائف والفكرة الطائفية كرصيد في تفاوض عام، تجري قيادته دولياً في نهاية المطاف...
بالمحصلة، فإن الطائفيين على هذا الجانب أو ذاك، يتعاملون مع عامة الناس بوصفهم «رعية» وبوصفهم «غنيمة»، وبوصفهم أداة للتفاوض مع الأطراف الطائفية المقابلة، والهدف ليس مصلحة هذه «الرعية»، بل مصلحة من يتزعمونها ويستخدمونها... يشمل هذا الزعماء الطائفيين جميعاً، بمن فيهم الزعماء الطائفيون ضمن السلطة القائمة بطبيعة الحال....
رابعاً: نظام الأسد كان يدعي دائماً أنه ليس نظاماً طائفياً، بل وأنه نظام علماني. والحقيقة كانت طوال الوقت معاكسة؛ فعملية التحاصص الطائفي كانت قائمة طوال الوقت، بل ومعروفة، ولكن غير معلنة... وعمليات النهب والقمع عبر عقود متتالية، كانت تكرس الحالة الطائفية ضمن المجتمع السوري. الفرق اليوم أنها باتت ظاهرة على السطح، ولم تعد مخفية. وهذا أمر سيئ من ناحية، ولكنه جيد من ناحية أخرى، تاريخية... فأول خطوة نحو علاج أي آفة، هي الاعتراف بوجودها... والطائفية التي تراكمت طوال عقود، وخاصة خلال العقد الأخير، تطفو الآن على السطح، وبات من الممكن علاجها واستئصالها بشكل كامل ونهائي؛ لأن الناس تدرك بتجربتها المتراكمة، وبتجاربها الجديدة، أن الزعماء الطائفيين من كل الاتجاهات، يراكمون الثروات والسرقات والحرس والعسس، ويتحولون إلى أمراء وملوك وتجار حرب، بينما عامة الناس من كل الطوائف، يجري نهبها وقمعها، باسم الدين والطائفة والقومية...
متى يتم تطويق النفس الطائفي؟
عندما تدرك الناس بتجربتها الملموسة، وتحديداً 90% من السوريين، المفقرين المنهوبين المنتمين إلى كل الأديان والطوائف والقوميات، أن مصالحهم هي باتحادهم مع بعضهم البعض، وليس باحترابهم واقتتالهم. وأن اللجوء للخارج لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر والدماء والعذابات... وأن أفضل حماية للسوريين هم السوريون أنفسهم، وبعيداً عن سياسات الأنظمة ومعارضاتها، وبعيداً عن تجار الطائفية من كل الأطراف... وهو أمرٌ ليس بالبعيد بالمعنى التاريخي، رغم ما يبدو عليه المشهد من بؤس وسواد...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254