المركزية واللامركزية: نظام واحد
عماد طحان عماد طحان

المركزية واللامركزية: نظام واحد

تستخدم بعض الأطراف السورية تعبير اللامركزية كصفة «مكتملة» لشكل الدولة السورية الجديد الذي تنشده. بالمقابل تستخدم أطراف أخرى تعبير المركزية، وتشفع كلامها بـ«إمكانية السماح بشيء من اللامركزية الإدارية».

ثلاث مشكلات وحقيقة ثابتة...

استخدام الأطراف المختلفة لتعبيرات المركزية واللامركزية- والتوصيفات من قبيل الإدارية والمالية والسياسية وإلخ، كصفات للمركزية أو اللامركزية- تكتنفه ثلاث مشكلات كبيرة.

المشكلة الأولى: ليس هنالك تعريف نظري متوافق عليه لأي من هذه التوصيفات على الإطلاق؛ نعم هنالك تقاطعات بين التعريفات المختلفة، ولكن حدود هذه التقاطعات هي في كثير من الأحيان أقل بدرجات من حجم الاختلافات. وتالياً، فإنّ استخدام أي طرف لهذه المصطلحات بوصفها «مصطلحات واضحة» ولا تحتاج إلى تعريف وتوضيح، لا بل والتعامل مع «المركزية» و«اللامركزية» كنقيضين، أحدهما «خير» والآخر «شر»، هو بالضرورة استخدام تضليلي، المقصود منه دفع الناس لتبني هذا الطرح أو ذاك، دون أن يكونوا على بيّنة من حقيقة ما يريده صاحب الطرح.

المشكلة الثانية: هي أنّ الاختلافات لا تقف عند حدود الكلام النظري؛ فمجرد النظر إلى التطبيقات المختلفة للعلاقة بين المركزية واللامركزية حول العالم، تسمح لنا بالقول: إنّ التمظهر الملموس لهذه التعريفات النظرية هو تمظهر فريد في كل مرة جديدة، ويكاد لا يشبه التمظهرات الأخرى إلّا ضمن حدود ضيقة.

المشكلة الثالثة: هي التوظيف السياسي الآني للاختلاف في تصورات الأطراف حول ما ينبغي أن تكون عليه سورية المستقبل، بما يخص العلاقة بين المركزية واللامركزية؛ حيث يتحول التشبث بهذا الطرف من التناقض أو ذاك، إلى جزءٍ من العدة الإعلامية والدعائية للصراع السياسي الآني، حيث المطلوب من وجهة نظر البعض هو إبراز الاختلافات، وتركيز الضوء عليها، وكأن المسألة هي لعبة شد حبال بين نقطتين متطرفتين، أملاً في الوصول (أو عدم الوصول) إلى نقطة وسط... والحق أنّ شد الحبال بهذه الطريقة، والذي يصل حدود التخوين، يمكنه ببساطة أن يقطع تلك الحبال، ويرفع من مخاطر التقسيم، لا أن يصل بالمتصارعين إلى حلول...

حقيقة ثابتة: ما دام الكل يرفع شعار وحدة سورية أرضاً وشعباً، فإنّه يقر ضمناً بأنّ لهذه الدولة الواحدة في نهاية المطاف مركزاً أساسياً واحداً، اسماً واحداً وعلماً واحداً ونشيداً واحداً وعملة واحدة وإلخ (رغم أنّ الوضع الحالي هو وضع ليس فيه اتفاق عام وشامل على عدد من هذه المفردات، إلا أنّ نهاية المطاف هي الاتفاق عليها كلها... أو التقسيم).

بكلام آخر، فإنّه ليس هنالك شيء اسمه لامركزية «حاف»؛ فأيّاً تكن درجة اللامركزية المطلوبة، فإنّها مرتبطة حكماً بوجود مركز، ويكون السؤال في حينها هو حول توزيع الصلاحيات بين المركز والأطراف، أي: عن التناسب المطلوب بين المركزية واللامركزية.

على المقلب الآخر، فليس هنالك أيضاً مركزية «حاف»، فحتى أشد النظم السياسية تمركزاً، (حتى تلك النظم الملكية والإمبراطورية والأوتوقراطية، التي عفا عليها الزمن)، يوجد ضمنها قدر ولو ضئيل من اللامركزية في إدارة شؤون محددة، وخاصة الشؤون الاقتصادية؛ حيث تعكس تلك العلاقة بين المركزية واللامركزية- إلى هذا الحد أو ذاك- مستوى تطور علاقات وقوى الإنتاج في كل عصر من العصور.
والثابت أيضاً، هو أنّ التطور التاريخي يسير باتجاه تركيب علاقة جديدة بين المركزية واللامركزية، علاقة تكون فيها المركزية أقوى وأكثر ثباتاً واستقراراً، كلما كانت قائمة على ديمقراطية أوسع وأشمل، وضمناً على لامركزية أوسع...

خلاصة

لا نسعى هنا إلى تقديم رأي في طبيعة التناسب المطلوب بين المركزية واللامركزية في سورية المستقبل، وهو أمر قدمت «قاسيون» عدة مقالات لنقاشه، ولكن نسعى إلى تثبيت فكرة أساسية واحدة: المركزية واللامركزية هما جزءان مكونان لنظام واحد، ينبغي أن يصل السوريون إليه، وإلى التناسبات ضمنه عبر نقاش واسع وديمقراطي. أما رفع سيف المركزية أو سيف اللامركزية، والقتال باستخدامهما، من أي طرف كان، فهو تضليل للسوريين، بغض النظر عن النوايا...

(النسخة الانكليزية)

معلومات إضافية

العدد رقم:
995
آخر تعديل على الإثنين, 07 كانون1/ديسمبر 2020 11:51