الإدارة الذاتية وسؤال الشرعية

الإدارة الذاتية وسؤال الشرعية

تحاول القوى المهيمنة في شمال شرقي البلاد، ومنذ بداية الأزمة البحث عن شرعية التمثيل الأحادي لتلك المناطق. اعتمدت هذه التجربة على بنى متنوعة، ما بين عسكرية ومدنية، ومرت بمحطات عديدة، واستخدمت تسميات ذات دلالات مختلفة: إدارة ذاتية– فيدرالية- روج آفا- وحدات حماية الشعب– قوات سورية الديمقراطية... آخر ما طرح في هذا السياق، مفهوم ملتبس، وحمّال أوجه، وهو (اللامركزية الديمقراطية).

 

إن تقييماً موضوعياً لتجربة تيار الإدارة الذاتية، يجب أن ينطلق من كلّية الظاهرة، وتشابك وتفاعل عناصرها آنفة الذكر خلال السنوات السابقة، ومآلاتها واحتمالات تطورها اللاحق، وفي هذا السياق يمكن ملاحظة عدة إشكاليات في هذه التجربة:
أولاً: مرافعة سيئة في قضية عادلة
الأصل في تجربة الإدارة الذاتية، هو وجود مسألة كردية تتعلق بخصوصية الكرد السوريين، والتي هي بالفعل مشكلة قائمة، وتحدٍّ وطني أمام السوريين لتقديم بديل عن سياسات التمييز القومي المزمنة، وما أنتجته من تراكمات واحتقانات. المطب الذي وقع فيه تيار الإدارة الذاتية هو اللجوء إلى حلول أحادية الجانب، ومن طرف واحد دون توافق السوريين، وهو ما لن يؤدي إلى نتيجة حقيقة في حل المسألة الكردية في سورية، بل على العكس من ذلك سيؤدي إلى تعقيدها أكثر فأكثر، وسيقدم المبررات للتيارات الشوفينية، الرسمية منها والمعارضة، للاستمرار بسياسات إنكار الوجود، ويحول المسألة الكردية إلى عامل توتير بدلاً من حلها في إطار عملية التغيير الوطني الديمقراطي.
ثانياً: وهم القوة
من السمات الأساسية البارزة التي تحكمت بالعقل السياسي للقائمين على تجربة الإدارة الذاتية، هي وهم القوة الذي أصبح دافعاً دائماً لمحاولات فرض الأمر الواقع، والتحدث بلغة الاستعلاء؛ فحتى الأمس القريب كان هذا التيار يمانع في المشاركة بالحل السياسي (إلّا إذا كان وفد المعارضة بقيادته)، ولم يتورّع أحد قادة هذا التيار عن القول بأن قواته ستصل إلى (دمشق ودرعا) لفرض نموذجها الديمقراطي، حتى تبين بأنه غير قادر حتى على حماية عفرين.

إن استمرار هذا الوهم يؤدي إلى توريط التيار في دوامة الصراع الدولي، كونه مستمداً من التنسيق مع الأمريكي، خاصة وأن ميزان القوى الدولي يميل في عكس مصلحة الأمريكي، ورغم أن واشنطن خذلت الكثير من حلفائها في السنوات الأخيرة.
من الإجحاف تجاهل الدور البارز لهذه التجربة في مقارعة الإرهاب الداعشي، والتضحيات الكبيرة التي قدمت على هذا الطريق، وبنفس الوقت ينبغي عدم الاتكاء على تلك التضحيات وصولاً إلى المتاجرة بها، كما يجري أحياناً، في تسويق مواقف وسياسات خاطئة، أوفي تبرير القرارات الارتجالية غير المفهومة (القطاع التعليمي مثالاً)، أو في احتكار القرار، وتشكيل بنى إدارية وسياسية مقولبة، أو التغطية على الفساد المتفشي، أو لتبرير الوجود الأمريكي، والسعي لاستبقائه في سورية، وغيرها من التراكمات التي تمنع تحويل تلك التضحيات إلى انتصارات سياسية حقيقية تساهم في بناء سورية الجديدة.
رابعاً: في ملعب التجاذب
وضع تيار الإدارة الذاتية نفسه في ملعب التجاذب الدولي والإقليمي حول المسألة السورية: (الجميع بحاجتنا)، واستند إلى ذلك في اللعب على التناقضات الدولية، حتى جاء الدرس البليغ من عفرين، حيث لم تنفع الوعود الأمريكية، سواء تلك التي فوق الطاولة أو التي تحتها، ولا المحاولات البائسة لابتزاز الطرف الروسي، وباتت زيادة الوزن النوعي للمسألة الكردية سلعة على طاولة الأزمة، وترى ذلك التيار يحاور النظام، ويتجاهل القرارات الدولية ذات الصلة بالحوار، ويهاجم الدور الروسي رغم الموقف الواضح من تمثيل الكرد على طاولة التفاوض، وينسق مع الأمريكي، ويتوجس منه في الوقت نفسه، ويستنجد بالأوربي، ويقدم الذرائع للتركي، في جملة متناقضات أشبه بالدوامة التي لا نهاية لها.
خامساً: بدعة اللامركزية الديمقراطية
لم تنجح محاولات تمرير الفدرالية في سورية، بعد أن لقيت رفضاً من مختلف القوى، فكانت البدعة الجديدة (اللامركزية الديمقراطية) التي تعتبر ستارة خجولة تخفي وراءها نموذج الدولة الهشة، وهي نسخة «فوتوكوبي» عن مقاربات مراكز الأبحاث الأمريكية التي ظهرت منذ بداية الأزمة (سلطة الإدارات المحلية) التي تعني من الناحية العملية: مركزاً ضعيفاً، وإدارات محلية تابعة للنفوذ الإقليمي والدولي تتحارب فيما بينها لصالح نخب قومية وطائفية ودينية، ترفع كل واحدة منها الفيتو أمام أي حل جدي وحقيقي للمسألة السورية، بداعي مصالح الجماعة التي تمثلها (النموذج العراقي)
إن مثل هذا الموقف لا يتناقض مع المصالح الوطنية السورية فحسب، ولا مع مصالح أبناء الشمال الشرقي السوري فقط، بل بالإضافة إلى ذلك يتناقض مع الخلفية الأيديولوجية والفكرية لتيار الإدارة الذاتية نفسه (الأمة الديمقراطية)، ومع الموقف الأمريكي من حزب العمال الكردستاني.
لا شك أن نموذج الدولة الوطنية القائم استنفد نفسه، ولا بد من تغييره، ولا شك أيضاً أن سبباً أساساً من أسباب ذلك، كان انخفاض مستوى الحريات السياسية، لا بل إن التناقضات المزمنة لهذا النموذج، وعدم حلها ساهمت إلى حد كبير في زيادة دور وفعالية العامل الخارجي الساعي إلى تفتيت كل البنى القائمة، وفق متوالية هندسية، كل حلقة منها تنتج مرحلة جديدة من الانقسام، فلا يقتصر الأمر على التقسيم الطائفي أو القومي بل يتعداها إلى تقسيم البنية الواحدة نفسها... ولكن، كل ذلك لا يلغي حقيقة أساسية، وهي: أن البديل عن هذا النموذج ليس في بدعة اللامركزية الديمقراطية أو أخواتها من المصطلحات، كالفيدرالية وغيرها، بل في إبداع نموذج سوري خاص متوافق عليه، يستفيد من تجارب الآخرين دون استنساخها، وفي هذا السياق يمكن القول، إن هذه البدع (الديمقراطية) ما هي إلّا امتداد لما أسس له الاستبداد، واستكمال له؛ إذ تمنع أية عملية تنمية حقيقية وتبقي على منظومة النهب والتبعية الاقتصادية للمركز الغربي، إن أيّ نموذج جديد ينبغي أن يكون على جدول أعماله إنجاز المهام الوطنية- والاقتصادية الاجتماعية والديمقراطية على أساس تكاملها وترابطها.
سؤال الشرعية
إن طرح مشروع اللامركزية الديمقراطية بدلاً عن الفدرالية يأتي– وكما يبدو- في سياق توليف تيار الإدارة الذاتية نفسه مع استحقاق الحل السياسي، وشرعنة وجود التيار على طاولة التفاوض التي بات انعقادها قريباً، كما تشير المعطيات كلها، بعد أن أصبحت محل إجماع كل القوى، وإطار الشرعية الوحيد في سورية؛ فلا شرعية وطنية لأية قوة سورية اليوم مهما أوتيت من قوة ونفوذ خارج معادلة الحل السياسي، ونعتقد أنه لا داعي للتذكير بمصير المعارضة المسلحة التي كانت تتبجح بأنها تسيطر على ثلثي مساحة البلاد.
خلاصة الكلام: إن الشجاعة التي أبداها أبطال وبطلات قوات الحماية ضد الإرهاب الداعشي وضد التدخل التركي، مُنجزٌ وطني سوري ينبغي الحفاظ عليه، وتوظيفه في الاتجاه الصحيح، من خلال السعي إلى حل الأزمة بعيداً عن الاعتماد على الأمريكي، وأوهام القوة، ومن أجل تمثيل التيار في هياكل الحل، ووضع المسألة الكردية على طاولة الحوار أسوة بالقضايا الأخرى للوصول إلى توافقات بين السوريين، وحلها في الإطار الوطني الديمقراطي بحيث يجري القطع نهائياً مع سياسات التمييز القومي من جهة، ويجري أيضاً منع تحويلها إلى عامل توتير جديد يُدفِّع السوريين جميعاً أثماناً إضافية جرّاءه.