الافتتاحية... ماذا وراء انفلات الأسعار؟

يتعرض مستوى معيشة شرائح واسعة من المجتمع السوري، والتي تعتمد على الأجور في المدينة أو على الدخول المحدودة في الريف، إلى ضغط شديد، بسبب ارتفاع الأسعار المستمر في الفترة الأخيرة.

يضرب المحللون الاقتصاديون أخماساً بأسداس لمعرفة الأسباب والمسببين لهذه الظاهرة.

فمنهم من يحمّل المسؤولية لتجار المفرق، ويضع البعض الآخر المسؤولية على الصين لازدياد طلبها على الحديد الأوكراني مما رفع أسعاره، ومنهم أخيراً من يضع المسؤولية على العملة الأوروبية التي تحسن وضعها في الأشهر الأخيرة مقابل الدولار، أو على السياحة وانخفاض مداخيلها أو لما يسمى بالفساد الإداري.

ولكن كل هذه التحليلات كانت غير قادرة عن الإجابة على الأسئلة التالية:

■ ماعلاقة ارتفاع أسعار اللحوم بكل هذه الأسباب؟

■ لماذا لم تنخفض الأسعار مع انخفاض اليورو المؤقت الذي عاد فترة لسعره السابق قبل الارتفاع؟

■ لماذا ارتفعت أسعار العقارات بشكل غير متناسب نهائياً مع تخفيض سعر الفائدة في البنوك السورية؟

والواضح أن هناك سبباً عميقً لم تلامسه أكثر التحليلات وهو أن تحرير الأسعار من قبل الحكومة أي «تفليتها» قد عاد بالفائدة على قوى السوق الكبرى البرجوازية الطفيلية التي اغتنمت أول فرصة لكي تبدأ موجة جديدة شاملة من ارتفاعات الأسعار طالت كل المواد مكبلة ومقيدة بهذا الشكل الأجور والمداخيل المحدودة التي هي أصلاً غير قادرة على تلبية المتطلبات الضرورية لمستوى عيش كريم للأكثرية الساحقة من العاملين في المدينة والريف. والسؤال المطروح: لماذا هذا التنازل الجديد من قبل الحكومة أمام قوى السوق وفي هذا الوقت بالذات؟ هذا التنازل الذي ترك العاملين بأجر فريسة سهلة أمام القوى المتوحشة والمرتبطة بالرأسمال المعولم، هذا الرأسمال الذي يشهر عصا التهديد والعدوان بالانتقال من قانون «محاسبة سورية» إلى قانون «تحريرها».

إن هذا الواقع يطرح بشدة اليوم ضرورة إعادة النظر بالسياسة الأجرية المتبعة إذا كانت هذه السياسة موجودة فعلاً.

فإذا كانت الحكومة بسياستها الانفتاحية قد سهلت لقوى السوق الكبرى تحسين مواقعها من خلال التحكم المصطنع بالعرض والطلب ، فإنها مطالبة من جهة أخرى وكحد أدنى بإجراءين:

1. توفير الظروف المناسبة لأصحاب الدخل المحدود في المدينة والريف بالدفاع عن دخولهم بكل الأشكال التي يسمح بها، القانون، بما فيها، استخدام حق الإضراب، وهذا الدفاع هو عمل لابد منه لتعديل الكفة لصالح تطور متوازن للاقتصاد الوطني.

2. اعتماد سياسة أجرية واقعية تحافظ على مستوى معين من الطلب في السوق عبر مستوى محدد من الأجور الذي سيضر، إذا ما انخفض عجلة الاقتصاد الوطني كله، لذلك لابد من :

■ إعادة النظر بأسرع وقت ممكن بالحد الأدنى للأجور، كي يتقارب مع الحد الأدنى الضروري لمستوى المعيشة.

■ ربط الأجور بالأسعار دورياً، وعند كل انفلات في الأسعار أي رفع الأجور بشكل دائم مع كل ارتفاع في الأسعار.

■ تحميل ضريبة تمويل الزيادات في الأجور للمستفيدين من رفع الأسعار، أي أصحاب الأرباح ، والإقلاع نهائياً عن تمويل زيادات الأجور من خلال رفع موازٍ في الأسعار، مما يرفع قيمة الأجر اسمياً ويخفضها فعلياً.

 

إن الأجر والدخل المحدود للعاملين في المدينة أو الريف هو مصدر معيشتهم الأساسي، ولايجوز السماح بتهديده والتلاعب به، وخاصة في هذه الظروف الخطيرة التي تمر بها بلادنا، وهو أساس هام تستند إليه كرامة المواطن التي دون تأمينها لايمكن الحفاظ على كرامة الوطن.