حيفاوية.. تغني لضريح القاتل

ذات مرة كتب نبيل خوري في جريدة المستقبل رسالة مفتوحة إلى أنور السادات - تحت عنوان (القدس ليست شرم الشيخ أو سيناء)- يتحدث فيها عن زيارته للقدس ووضعه باقة من الورد على قبر الجندي المجهول الإسرائيلي.

نبيل خوري استغرب كيف يتجرأ السادات على مسامحة اليهود على كل ما اقترفوه من ذنب، وأن من حقه كرئيس لمصر أن يتخلى عن سيناء وشرم الشيخ، ولكن أن يتخلى عن القدس فهذا من حق الفلسطيني وحده .
يتذكر خوري موت والديه، وأن هناك من تدبر له العودة من منفاه ليضع فقط إكليل ورد على ضريحهما لكنه لم يقبل، وهذا فقط لأن القدس محتلة من الصهاينة فكيف يقوم السادات بوضع إكليل ورد على ضريح القاتل.
منذ أيام فازت فلسطينية تدعى نسرين قادري بأكبر مسابقة لاختيار الأصوات الشابة الجديدة في عالم الغناء الشعبي بإسرائيل، وحسب الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام عبّرت القادري عن فخرها بكونها أول متسابقة فلسطينية تفوز بهذا اللقب بعدما غنت أغنية باللغة العبرية كُتبت في ذكرى الجنود الإسرائيليين الذين قتلوا في معارك مع أبناء جلدتها.
الفلسطينية كما قالت صحيفة (ذا ديلي ميل) البريطانية قد قد نجحت في الاستيلاء على قلوب الإسرائيليين، في حين أن العلاقات بين العرب والإسرائيليين بها كثير من الكره والعدائية.
مات أنور السادات، وعادت سيناء بموجب اتفاقية مذلة، وكأنها لم تعد، والغاز المصري يتدفق إلى بيوت الإسرائيليين بينما يحلم الكثير من الجيران العرب به، وإذا ما تمكنوا منه فبسعر أغلى مما يصل إلى الإسرائيلي.
كانت أغنية نسرين، كما تقول الأنباء باللغة العبرية، وهي عبارة عن صلاة لحماية شعب (إسرائيل)، وقد كُتبت في ذكرى الجنود الإسرائيليين القتلى، وقالت إنها تفخر بهويتها الإسرائيلية، وإنها متأثرة جدًّا بثقافتها، وإنها لم تكن تعتقد أنهم سيحبونها؛ فهي عربية، وتعيش في بلد بها كثير من المشكلات بين العرب واليهود...ومن تعلق الفتاة الحيفاوية: أعتقد أنهم رأوا جانبًا آخر يميزني.
ابنة حيفا التي غنت للقتلة، وتعتز بانتمائها الصهيوني ثقافة وهوية، وسمعت بالتأكيد استنكار أبناء ثقافة الشعب المختار لمقدم البرنامج لاختياره عربية لمجرد المشاركة، والسماح لها باعتلاء منصة التتويج... ابنة حيفا لم تغن لموت (جنين) تحت جنازيرهم، ولم تبك لصراخ (هدى غاليا) الطفلة الفلسطينية التي قتلت عائلتها على شاطئ غزة المحاصرة.
نسرين البنت الحيفاوية تغني لضريح القاتل مثلما فعل السادات قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتعطي القاتل صك براءة من دم الضحية، وأكثر من ذلك ترتل له صلوات الرحمة لقتله الأطفال والنساء، وتنسلخ عن هويتها العربية، وفي الوقت نفسه تستغرب أن يقبلها المجرمون بينهم..فأي تاريخ عربي يكتب اليوم بأصوات أبنائنا الجدد، والعرب القادمون من زمن الانكسارات والهزائم إلى زمن التيه وضياع الهوية.                    
■■