الافتتاحية ماذا يريد المنبطحون؟

تؤكد الأيام أن الأزمة الرأسمالية العالمية ليست عابرة وطارئة، بل هي عميقة ومستمرة، ولن تنتهي دون حدوث تغيرات جذرية في بنية الاقتصاد العالمي تؤدي إلى إعادة توزيع الثروة بشكل عادل.. أي أن النظام الرأسمالي العالمي اليوم، مهدد في الصميم، كما لم يكن مهدداً في أي يوم من الأيام، حتى في تلك الأيام التي سجلت فيها قوى التحرر والتقدم والاشتراكية انتصاراتها الكبيرة في النصف الأول من القرن العشرين..

والسؤال الذي يقض مضاجع الكثيرين هو: هل ستقبل هذه الرأسمالية المتوحشة التي تسير في مقدمتها الإمبريالية الأمريكية هذا الانهيار طائعة، مسالمة، أم ستلجأ كعادتها لاستخدام آلتها العسكرية الضخمة لتأخير فعل القوانين الموضوعية التي تفعل فعلها فيها؟.. الأيام والأسابيع القليلة القادمة ستجيب على هذا السؤال!

والجدير بالذكر أن الذين يراهنون على خروج الإمبريالية الأمريكية من أزمتها الحالية سالمة، مسلحة، يهربون بعيداً عن تفسير السبب الحقيقي لارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، والتي ما هي إلا عناصر سطحية للمشكلة العميقة، وبإيحاء من الإعلام الغربي المعولم والتوتاليتاري بكل ما لهذه الكلمة من معنى، قاموا بإرجاع الأزمة في بادئ الأمر لعامل العرض والطلب، ولكن سرعان ما تخلّوا عن هذه الحجة بعد تأكيدات الدول المنتجة المختلفة أن لا مشكلة في العرض، ليلجؤوا حالياً إلى تحميل المضاربات فقط مسؤولية ما يجري.. ومع عدم إنكارنا لدور المضاربات في رفع الأسعار على الطاقة والمواد الغذائية بشكل عام، إلا أن هذا العامل لا يمكن أن يفعل فعله إلا مترافقاً مع العامل الأساسي الذي يحاولون إخفاءه ألا وهو الانهيار الحقيقي للدولار الذي يجري تسعير كل البضائع العالمية عبره..

إذاً فالأزمة هي أزمة انهيار الدولار كتعبير عن انهيار الاقتصاد الأمريكي والذي ستتسارع وتائره يوماً بعد يوم، والتي لن تكون إلا ذات طابع عالمي ستجر وراءها كل الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة وغير المتقدمة كون الاقتصاد الأمريكي ودولاره، اقتصاداً ودولاراً، مهيمنين عالمياً أولاً بسبب قوته السابقة الآفلة، ولاحقاً بالاستناد إلى ما أنتج تاريخياً من قوة عسكرية وسياسية مرشحة إذا لم تسارع لإنقاذ نفسها بإجراءات لا اقتصادية، هي أيضاً للأفول، لتأخذ مكانها الحقيقي والطبيعي الذي يجب أن يتناسب وحجمها على خريطة اللوحة العالمية الآخذة في النشوء الآن.

والحال كهذه، فالسؤال الذي يجب أن يُطرح: لماذا يصرُّ البعض لدينا من أولئك الليبراليين الذين يمسكون بدفة الإدارة الاقتصادية، على تطبيق تلك الوصفات الآتية من وراء المحيط، من رفع للدعم وانسحاب تدريجي للدولة من الاقتصاد والمجتمع، في وقت أصبحت مرجعية أصحاب هذه الوصفات من الناحية العلمية والعملية في خبر كان؟!

إن حماية البلاد من موجة التدمير الشامل الاقتصادية التي تجتاح العالم الرأسمالي، تتطلب وبأسرع ما يمكن، أن ننأى بأنفسنا عن تلك السياسات التي فُرضت علينا، وأن نقوم ببناء نموذجنا الذي سيسمح لنا أن نصمد في وجه العواصف المتصاعدة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي.. وفي حال لم يحدث ذلك سيصبح مشكوكاً بإمكانية استمرار الدور السوري في المنطقة على أساس ممانعته للمخططات الأمريكية ـ الإسرائيلية. والسؤال الجاد هو: أَوليس هذا ما يريده تماماً المنبطحون أمام الوصفات الخارجية، حتى ولو غلّفوا سياساتهم بآلاف الشعارات الطنانة الرنانة عن نياتهم الافتراضية؟.. إن الوقائع قد دحضت كل هذا التوجه.. وإنقاذ الاقتصاد السوري والمجتمع السوري الذي يئنُّ بأكثريته تحت أثقال ارتفاعات الأسعار المستمرة، يتطلب إعادة التوجه السريع نحو سياسات اقتصادية تؤمّن أرضية المقاومة، ونحو سياسات اجتماعية تكفل الاستقرار الاجتماعي حمايةً للوحدة الوطنية، وفي ذلك ضمانة للحفاظ على كرامة الوطن والمواطن..

آخر تعديل على الجمعة, 02 كانون1/ديسمبر 2016 18:13