نور أبو فراج نور أبو فراج

أية حياة في ظل قانون الطوارئ؟!

لم  نعرف اسمه على الرغم من أنه كان حاضراً دائماً.. هو الثالث المختبئ بين اثنين...

 

يستمع إلى محادثاتنا الهاتفية، يلاحق خطواتنا في الشارع، يقرب أذنيه من شفاهنا في الباص، ويراقب شبح ضحكةٍ أو نظرة ساخرة سقطت سهواً منا.

لم نره على الرغم من أننا استشعرنا وجوده عندما رمقنا أهلنا بنظرة مرتعبة قلقة بعد جملةٍ نطقناها بصوت عالٍ في الشارع، أو أمام الناس عندما كنا أطفالاً صغاراً.

لكن حضوره بدا أكثر وضوحاً مع تقدمنا في السن، ومع سنوات عمرنا التي تراكمت يوماً بيوم، ازداد هو اتساعاً وتأثيراً  ليشمل قوائمَ جديدة من الممنوعات.

وعندما ضقنا ذرعاً به، وأردنا أن نعلم ما هو، وما اسمه؟ أتت المفاجأة كبيرةً، إنه قانون الطوارئ..

سبب الدهشة كان بدايةً كلمة قانون، أي أن تلك الحالة من القلق وعدم الثقة التي عايشناها طوال حياتنا ليست عشوائية أو مفتعلة، وإنما هي مقنونة ومدروسة.

وكلمة طوارئ بدورها كانت مدعاة للدهشة أيضاً، فنحن أجيال الثمانينيات وما تلاها لم نختبر أي ظرف طارئ بشكل مباشرٍ محسوس، لم نختبر حرباً بالمعنى الميداني أو العسكري، أما عن وجود ما يهدد وقوع حرب (حسب قانون الطوارئ) فالاحتمالات مفتوحة وغير منتهية، والدليل على ذلك بقاء الشعب السوري تحت أحكام القانون منذ عام 1963 وحتى الآن، كذلك لم نعان جراء كارثة طبيعية.. بمعنى آخر لم يطرأ أي  شيء طارئ يستدعي تطبيق قانون طوارئ لأجله.

وباستطلاع هذا القانون وأحكامه يشعر المواطن السوري بأنه يعيد أحداث ومراحل حياته نفسها، هنا، مرة عندما كان هو وأصدقاؤه يمنعون من الوقوف جماعات بحجة التجمهر، وهنا، مرة أخرى حين وصلت الرسالة التي بعثت بها امرأة إلى زوجها المسافر تحدثه فيها عن تفاصيل حياتها وتخبره عما قرأت من كتب، وصلت مفتوحة ممزقة متأخرة شهوراً، وهنا أيضاً، ومرة ثالثة، عندما غاب جارك عن عائلته سنوات بعد اعتقاله في ظروف غامضة، وهنا أيضاً وأيضاً، عندما كنا نتذرع بضرورة إنهاء المكالمة بعد تعليق جريء أطلقه الشخص الذي نحادثه خوفاً من آذانٍ خفية تستمع إلينا، وغير ذلك الكثير... لدرجة أصبح من المستحيل علينا تخيل كيف ستكون الحياة بدونه، لأن مواده، أي هذا «القانون»، غادرت الوثائق الرسمية الورقية منذ زمن، واتحدت معنا..

في داخل كلٍ منا قانون طوارئ، يحركنا، يوجهنا، ويرسم حدودنا، قانون معدل  أضفنا إليه  مواد وممنوعات أخرى تنافسنا في ابتداعها لدرجة سبقت نسخنا المطورة الوثيقة الأصلية، ولحد أصبحت مواد القانون أسلوباً وفلسفة في الحياة والتواصل مع الآخرين لا نعرف غيرها..

لسنا بحاجة قانون يخرب ثقتنا بالآخرين ويجعلنا نخافهم، لسنا بحاجة قانون ليحدد لنا ما الصواب وما الخطأ، لسنا بحاجة لمن يخبرنا ما نقول أو لا نقول، فنحن مسبقاً نعيد كلماتنا في رؤوسنا مئات المرات قبل نطقها، وبالتأكيد نحن لسنا بحاجة لقانون يخافنا ويخاف ردات فعلنا في الظروف الطارئة، ولا يثق بنا، لأن الكوارث تستهدفنا، والحروب هي حروبنا أساساً، حروبنا نحن، ونحن من سنخوضها في جميع الأحوال.