حول الاتفاق بين هيئة التنسيق السورية ومجلس اسطنبول

حول الاتفاق بين هيئة التنسيق السورية ومجلس اسطنبول

أخيراً، صدرت ورقة الاتفاق الموقع عليها بين «مجلس اسطنبول» و«هيئة التنسيق للقوى الديمقراطية في سورية».. والحقيقة أن هذا الاتفاق جرى بطلب من جامعة الدول العربية وبعض القوى الدولية التي تسعى لإيجاد شرعية للضغوط والتدخلات الخارجية من خلال إيجاد أوسع تحالف معارض يباركها. لقد أتى الاتفاق بصيغته الموزعة استجابة لهذا المطلب، آخذاً بعين الاعتبار التغييرات على الساحة الدولية فيما يخص مواقف الدول الكبرى.

ففيما يخص التدخل العسكري الأجنبي، ينص الاتفاق على «رفض أي تدخل عسكري أجنبي يمس بسيادة واستقلال البلاد ولا يعتبر التدخل العربي أجنبياً».. فإذا كان هذا البند يظهر تمسك القوى الموقعة بالتدخل الخارجي العسكري كرافعة لتغيير موازين القوى الداخلية بعد فشل أشكال الضغوط الخارجية الأخرى بتغييره، فان رفض التدخل العسكري الأجنبي (غير العربي) الآن بعد أن أصبح بعيد المنال نتيجة الموقف الروسي الصيني الصلب، ليس سوى مزاودة كلامية انتهازية من جانب هذه القوى، وتحديداً من مجلس اسطنبول الذي قدم طلبه لمجلس الأمن للتدخل العسكري قبل أقل من أسبوعين. من ناحية أخرى فإن هذه القوى تستمر بالتضليل والاحتيال من خلال إيحائها بوجود فارق بين التدخل العسكري الأجنبي والعربي، فالجميع يعلم أن القوى المسيطرة في الجامعة العربية، والتي ترضى المشاركة في تدخل عسكري في سورية، هي دول الخليج بشكل أساسي، التي من نافل القول التأكيد على تبعيتها وارتباطها بالقوى الصهيو- أميركية. ثم أية حرية وديمقراطية تلك التي ستأتينا على دبابات ملوك العهر والاستبداد والرجعية؟.

أما على صعيد ما يسميه الاتفاق بـ«المرحلة الانتقالية»، فهو ينص على: «تبدأ المرحلة الانتقالية بسقوط النظام القائم بكافة أركانه ورموزه، الأمر الذي يعني سقوط السلطة السياسية القائمة مع الحفاظ على مؤسسات الدولة ووظائفها الأساسية».. يلحظ هذا البند التمييز، الذي دأب بعض أعضاء هيئة التنسيق التأكيد عليه سابقاً، بين إسقاط السلطة السياسية، وإسقاط جهاز الدولة. ولأن كان هذا التمييز مهماً جداً كون جهاز الدولة هو أحد أهم عوامل وحدة الأراضي السورية (إذا لم يكن الأهم حاضراً)، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن إسقاط السلطة السياسية في سورية دون إسقاط جهاز الدولة، في ظل التأييد الواضح للقوى الضاربة في جهاز الدولة للنظام، والمقصود هنا بشكل أساسي الجيش وبعض المؤسسات والنقابات؟؟؟ تغدو استحالة إسقاط السلطة السياسية دون خلخلة إسقاط جهاز الدولة أمراً بديهياً. من هنا كان رفض بعض القوى السياسية المعارضة في سورية (الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير) لشعار إسقاط النظام الذي استعاضت عنه بشعار الإصلاح/التغيير الجذري والشامل الذي ضمانته الوحيدة استمرار ضغط الحركة الشعبية وتطويرها والعمل على إنضاج المعبرات السياسية عنها. إذاً، إن هذا البند هو بند تضليلي بامتياز، إذ أنه يلحظ الخطر المتمثل بخلخلة جهاز الدولة وضرب وحدته، بالمقابل يتبنى هدفاً وشعاراً يستجلب تحقق هذا الخطر.

أما على صعيد القضية الكردية، فلقد نص الاتفاق على: «إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في إطار وحدة البلاد أرضاً وشعباً...».. في هذا الإطار فإن عدم إدخال كلمة دولة، أي ضمان وحدة الدولة بالإضافة لوحدة التراب والشعب، هو أمر يثير الشك والريبة، إذ يصح أن تضمن وحدة الشعب والتراب السوريين في ظل نظام فدرالي، كحل للقضية الكردية.

مرة أخرى تتجلى عدم المسؤولية السياسية والوطنية للقوى الموضوعة عند الحديث عما يسمى بـ«الجيش الحر»، إذ أن الاتفاق ينص على: «نعتز بمواقف الضباط والجنود السوريين الذين رفضوا الانصياع لأوامر النظام بقتل المدنيين المتظاهرين السلميين المطالبين بالحرية، ونتفهم أزمة الضمير الإنساني والوطني التي زج بها النظام أفراد القوات المسلحة، ونحمل النظام كامل المسؤولية في ذلك».. إن الاعتزاز بهؤلاء الضباط لم يرافقه دعوتهم إلى إيقاف أي عمل عسكري ضد المؤسسة العسكرية لما فيه مخاطر على وحدة المجتمع السوري وجهاز دولته. كما أنه يتجاهل تماما وجود عناصر مسلحة غير منشقة متمترسة وراء تسمية «المنشقين» في الجيش الحر. ثم إن هذا الموقف الصبياني غير المسؤول الذي يكتفي بتحمل النظام مسؤولية قضايا تهدد السلم الأهلي والوحدة الوطنية دون تحمل المسؤولية وأخذ موقف واضح حاد وشاجب للأعمال العسكرية. إن هذا الموقف المنصوص عليه بالاتفاق يتجاوز محاولة تفهم عوامل نشوء العمل المسلح إلى شرعنته

أما على صعيد الأراضي السورية المحتلة والسليبة، فينص الاتفاق على: «التمسك بالتراب الوطني وتحرير الأرض السورية، وإقامة علاقات أخوة وتعاون مع الدول العربية وعلاقات متينة ومتكافئة مع الدول الإقليمية، وتعاون واحترام متبادل مع دول العالم، لتأخذ سورية الديمقراطية موقعها الفاعل في المجتمع العربي والإقليمي والدولي»... فإذا كان هذا البند يؤكد على التمسك بتحرير الأراضي السورية المحتلة، فانه من ناحية يسقط الأراضي السورية السليبة من الحسبان، ومن ناحية أخرى لا يوضح السبيل وأداة تحرير الأراضي، التي أثبت التجربة أن لا طريق لاسترجاعها سوى المقاومة الشعبية المنظمة المستندة لاقتصاد مستقل وقوي. إن موقف كل من هيئة التنسيق، ومجلس اسطنبول السلبي من قوى المقاومة والدول التي تتناقض مصالحها مع إسرائيل وأميركا (والذي لا يبرره موقف هذه القوى والدول من الأحداث في سورية)، بالإضافة لتصريحات غليون، توضح بأن أداتهم هي اتفاقية ذل على شاكلة اتفاقية العار كامب ديفيد، والتي إن تمت (وهو أمر مشكوك فيه للتعنت الإسرائيلي) فستكون مشروطة بخروج سورية من صراع شعوب المنطقة مع الكيان الصهيوني، وهو ما وعدنا به غليون بقوله إن سورية المستقبل ستكون عامل «استقرار بالمنطقة» (كما لو أنها الآن هي عامل عدم استقرار، وليس الكيان الصهيوني).

أما فيما يخص «الحريات والنظام السياسي»، فان البيان يتحدث عن نظام تعددي مدني دون الحديث عن منع إقامة أحزاب على أساس الدين أو المذهب أو العرق، مما يضع مفهوم المدنية المشار إليها بالاتفاق موضع تساؤل. إذ يكتفي على هذا الصعيد بإيراد عبارة مصاغة بشكل مقصود الإبهام «حرية الدين والاعتقاد مكفولة في الدستور، وتحترم الشعائر والطقوس الدينية والمذهبية، مع نزع القداسة عن العمل السياسي والمدني».. فماذا يعني نزع القداسة عن العمل السياسي والمدني؟؟ إن وجود الإخوان المسلمين وقوى إسلامية أخرى في مجلس اسطنبول والطامحة للعب دور في سورية المستقبل، تقدم الإجابة الواضحة على هذا السؤال. إن الديمقراطية التي يقدمها هذا البيان مميعة المضمون الاجتماعي، وتشرعن العمل السياسي على أساس طائفي وعرقي، مما يمهد الطريق لنسف الوحدة الوطنية السورية.

أما على الصعيد الاقتصادي فيكتفي هذا الاتفاق بإيراد بند يتيم ومبهم وعائم: «مباشرة مشاريع تنمية مستدامة على الصعيد الوطني وبشكل خاص المناطق الأكثر حرماناً».. لا أحد (بمن في ذلك النظام والدردري أيضاً) يختلف على أهمية التنمية المستدامة وتخصيص المناطق الأكثر فقراً، لكن مربط الفرس في هذه القضية، ألا وهو النهج والسياسات الاقتصادية التي تنتج هذه التنمية، مغيبة تماماً عن الاتفاق. إن التكوين الليبرالي لجزء من أعضاء هيئة التنسيق والكلي للمشاركين في المجلس الوطني، يؤكد بأن سياساتهم ونهجهم هو نهج النظام. أي أنهم يريدون استبدال الأغنياء الحاليين بأغنياء آخرين، مع الإبقاء على المفقرين مفقرين، والاستمرار بإفقار الشرائح الوسطى.

بالمحصلة، فإن الورقة المتفق عليها هي برنامج لقوى سياسية تطمح لاستلام السلطة بسورية بأي ثمن، ولن تتوانى بالمشاركة مع قوى القمع والفساد بالنظام باستجلاب التدخل الخارجي (أو العربي حسب فقه البيان)، قوى تعدنا بنظام سياسي لا وطني على كل الأصعدة بما فيها الصعيد الديمقراطي.

وقد تعرض الاتفاق غداة صدوره لنيران صديقة كثيفة وهلعة، إذ أن بعض «القوى» المشاركة بالمجلس الوطني رفضته، وأصدرت البيانات والتصريحات اللاذعة والمثيرة للغثيان بوقاحتها. الاعتراض الأساسي لهذه القوى، هو رفض البيان لكل أشكال التدخل العسكري الأطلسي الغربي محذرة أن لا خيار سوى التدخل العسكري المباشر والحظر الجوي بغية «حقن الدماء»!. إن ردة الفعل هذه لا يمكن أن تقرأ سوى كحشرجة الموت لقوى مرتبطة بحبل السرة بالتدخل الخارجي والعسكري منه تحديداً، آخذين بعين الاعتبار ابتعاد شبح التدخل العسكري الأطلسي والغربي المباشر. إن مصير المجلس الوطني والتغيرات التي ستطرأ عليه تتوقف على الصراع الجاري داخله والمفعلة بسبب الاتفاق، والتي ستكون نتيجتها إما تكيف المجلس أو أجزاء منه مع المعطيات الجديدة المتعلقة  بالتدخل العسكري الغربي، أو تسريع عملية اندثاره سياسياً.

لقد شددت هيئة التنسيق على لسان هيثم المناع وحسن عبد العظيم على أن هذا الاتفاق لا يلغي مبادئ ووثائق هيئة التنسيق، وإنما هو مجرد تحالف. تبدو هذه الحجة استغباء لعقل المواطن السوري، فالتحالف بين قوة سياسية وأخرى يكون على الجزء المشترك والمتفق عليه ببرنامجيهما، وليس اتفاقاً على مسائل تتناقض وبرنامج أحد القوى السياسية المشاركة بالتحالف! لا يمكن قراءة هذا السلوك والتبريرات التي تريد تجميله، إلا من باب الانتهازية والتضليل السياسي، فهذا الاتفاق يعد بمثابة الإعلان عن نقاط كانت غير مضمنة بوثائق الهيئة السابقة، والتي اضطرت إليها بسبب المتغيرات والضغوط الدولية لتكوين تمثيل معارض لتشكل مظلة للتدخلات الخارجية بكل أشكالها وبمختلف وكلائها.

قد يفرح أعضاء هيئة التنسيق بأنفسهم ظناً منهم أنهم نجحوا بتدشين عملية فرز وتفتيت قوى مجلس اسطنبول. وإذا كان ذلك يحمل شيئاً من الحقيقة إلا أنهم لا يرون الشق الأخر من هذه الحقيقة، وهي أنهم لوثوا أنفسهم  بهذا الاتفاق وبمن قد يعتلي موجة الاتفاق من مجلس اسطنبول اللاوطني بكل مكوناته، وزادوا من آلام المنعطف السوري بعرقلتهم الفرز الحقيقي بين المعارضة الوطنية والمعارضة اللاوطنية.

No Internet Connection