العلوم المفتوحة بين الحرّية والتبعية في عصر الاستعمار الرقمي

العلوم المفتوحة بين الحرّية والتبعية في عصر الاستعمار الرقمي

أصبحت المكانة والهيبة أهم من خدمة المجتمع في تقييم الأبحاث استناداً إلى عدد المنشورات ومعدلات الاستشهاد، وليس إلى مدى تحسين حياة البشر. وكردّ فعل ظهرت حركة «العلوم المفتوحة» التي تدعو إلى الشفافية والمساءلة والشمولية. مع ذلك ما زالت حركة العلوم المفتوحة غير محصَّنة تجاه إعادة إنتاج آليات الاستغلال نفسها الموجودة في الوسط الأكاديمي التقليدي. حول هذا الموضوع نشرت الدكتورة بتول المرزوق مقالاً بعنوان «إعادة التفكير في العلوم المفتوحة من خلال نظرية التبعية» في مجلة «الاقتصاد السياسي للعلم» لعدد الشتاء الماضي (2025–2026). وفيما يلي تلخيص لأبرز ما جاء فيه.

د. بتول المرزوق*
إعداد: د. أسامة دليقان


تشمل مبادئ حركة العلوم المفتوحة: إتاحة البيانات للجميع، والبرمجيات مفتوحة المصدر، ومراجعة الأقران المفتوحة، وإشراك المواطنين في البحث. في عام 2021، تبنّت 193 دولة توصية اليونسكو للعلوم المفتوحة، وحتى الولايات المتحدة أعلنت عام 2023 «عاماً للعلوم المفتوحة»، وتفرض التشريعات الأوروبية مشاركة البيانات والتعاون مع المواطنين. رغم هذه الوعود، لم تصل حركة العلوم المفتوحة بعد إلى إلغاء إنتاج آليات الاستغلال نفسها التي تعاني منها الأوساط الأكاديمية التقليدية. فالجنوب العالمي (دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) يُستبعد من قواعد اللعبة، وحتى عندما يُمنح تمثيلاً، لا يُسمح له بتغيير القواعد.


كيف يُستبعَد الجنوب العالمي من العلم؟


عندما أطلق يوجين غارفيلد مؤشر الاستشهاد العِلمي عام 1963، كانت 70% من المجلات المفهرسة من أمريكا وبريطانيا. لم تظهر أي مجلة أفريقية رغم وجود أكثر من 550 مجلة نشطة آنذاك. وما زال الإقصاء مستمراً: في عام 2023، لم يتجاوز عدد المجلات الصادرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء (ما عدا جنوب أفريقيا) ستين مجلة فقط من أصل 30 ألف مجلة مفهرسة. شركات عملاقة في مجال النشر مثل Elsevier وClarivate تفضّل المجلات الإنكليزية ذات التمويل الكبير، وتهمش المنشورات باللغات المحلية.

يشرح المفكر الراحل سمير أمين هذه الآلية من خلال «نظرية التبعية»: التخلف في دول الجنوب ليس حالة طبيعية، بل ينتج عن نظام رأسمالي عالمي يُبقي الجنوب تابعاً للشمال في العلم والاقتصاد والحكم. يرى أنطونيو نيغري ووالتر مينيولو أن أنظمة السلطة الاستعمارية ما زالت تؤثر على إنتاج المعرفة حتى اليوم. فالتحرر الحقيقي يتطلب «فك الارتباط» بهذه الأنظمة، وليس مجرد الاندماج فيها.
في شكله السائد، يفسر العلم المفتوح ضعف البحث في الجنوب العالمي على أنه نقص في البنية التحتية أو الموارد، متجاهلاً القضايا العميقة المرتبطة بالنظام الرأسمالي العالمي. ويختزل الإدماج والتنوع إلى مجرد «تمثيل»، بينما تبقى الهياكل الاستغلالية كما هي.
تقول الباحثة دولوريس أرمينتيراس: «عندما نرفض المشاركة في هذه المبادرات، يُقال لنا إننا حساسون جداً أو نضر بالتعاون. لكن في كل مرة نشارك فيها أو نلتزم الصمت، نساعد النظام الحالي على البقاء. لا أريد أن أُدعى مجدداً إلى غرف تُبقي السلطة على حالها».


الاستعمار الاقتصادي والرقمي والتبعية الأكاديمية


يصور الشمال العالمي نفسه كجهة مانحة سخية، مشيراً إلى مساعدات سنوية تتراوح بين 100 و200 مليار دولار. لكن دراسة جيسون هيكل تكشف أن الشمال يستحوذ على موارد لا تقل عن 2.2 تريليون دولار سنوياً من الجنوب عبر سداد الديون وإعادة الأرباح والتبادل التجاري غير المتكافئ. على مدى 60 عاماً، بلغت خسائر الجنوب العالمي نحو 152 تريليون دولار. وهذا يفسر لماذا تتسع فجوة الدخل بين الشمال والجنوب رغم عقود من «المساعدات».
يمتد هذا التبادل غير المتكافئ اليوم إلى الاستعمار الرقمي. تستخرج شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الشمال البيانات المفتوحة والموارد الطبيعية والعمالة الرخيصة من الجنوب دون أجر عادل أو سيطرة محلية. يعمل العمال في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في ترميز البيانات ومراقبة المحتوى في ظروف غير آمنة، بينما تهيمن الشركات الشمالية على البنية التحتية والملكية الفكرية.


تناقض الجامعات: علم مفتوح وتمويل للحروب


تعمل الجامعات التي تروّج للعلوم المفتوحة في تناقض صارخ. جامعة جونز هوبكنز الأمريكية تلقت عقوداً من وزارة الحرب الأمريكية بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار لأبحاث ذات تطبيقات عسكرية. وجامعات هولندية استثمرت صناديق تقاعدها أكثر من مليار يورو في شركات أسلحة تنتهك حقوق الإنسان. هذه الأسلحة دمرت الجامعات الإحدى عشرة في غزة، ومحت عقوداً من المعرفة الفلسطينية، وقطعت التعليم عن أكثر من 90 ألف طالب.
بعد الاستقلال في ستينيات القرن الماضي، سعت حكومات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط - من مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر إلى غانا تحت قيادة نكروما - إلى تحقيق السيادة الاقتصادية. سحقت الولايات المتحدة والقوى الأوروبية هذه الجهود عبر تدخلات سرية والتلاعب بالديون. كشف كوامي نكروما هذه الديناميكيات في كتابه «الاستعمار الجديد» أثناء رئاسته لغانا، فسحبت أمريكا على الفور 25 مليون دولار من «المساعدات».


العنصرية «الأنغلوفونيّة» تجاه لغات الشعوب الأخرى


من أعمق مظاهر الإقصاء التي تتجاهلها حركة العلوم المفتوحة السائدة هو احتكار اللغة الإنكليزية كلغة وحيدة للعلم. فبينما تُفتح المجلات والبيانات للجميع، تظل مشروطة بالنشر باللغة الإنكليزية، مما يحكم على ثروات هائلة من المعرفة المحلية بالاختفاء. الباحثون في أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط، الذين ينتجون أبحاثاً بلغاتهم الأصلية، يُستبعدون تلقائياً من قواعد البيانات العالمية. هذا ليس مجرد حاجز ترجمة، بل هو عنف معرفي حقيقي. فالعديد من الظواهر البيئية والطبية والاجتماعية تُفهم بشكل أفضل من خلال مفاهيم محلية لا يوجد لها مقابل دقيق في الإنكليزية. عندما تُرفض هذه الأبحاث من مجلات «مرموقة» أو تُعتبر «غير علمية» لأنها لم تكتب بلغة الإمبراطورية، تفقد البشرية جمعاء معرفة قيّمة. العلم المفتوح الحقيقي لا يعني فقط فتح الأبواب أمام من يتحدث الإنكليزية، بل يعني تفكيك هيمنة اللغة ذاتها، والاستثمار في ترجمة المعرفة بشكل متكافئ، والاعتراف بأن العلم يمكن إنتاجه بأيّ لسان. ودون ذلك، يظل الوعد بالشمولية مجرد ترجمة سيئة لنظام استعماري قديم بثوب جديد.


الحاجة إلى تخليص الحركة من عيوبها


ظهرت حركة العلم المفتوح بنوايا نبيلة، لكنها تحولت إلى واقع معيب. العلم المفتوح الحقيقي ليس مجرد إتاحة بيانات، بل هو إعادة توزيع للسلطة في إنتاج المعرفة. يتطلب التغيير الحقيقي «فك الارتباط» بالمحركات الاقتصادية الاستغلالية: سحب الاستثمارات من شركات التكنولوجيا التي تستغل عمالة الجنوب العالمي، ومن صناعات الأسلحة.
المجلات ذات الوصول المفتوح التي تستفيد من شبكات استغلالية لا يمكننا اعتبارها «منفتحة» بشكل حقيقي، بل تعمل على حراسة عدم المساواة تحت قناع «التقدمية». الانفتاح والحرية الحقيقية يعني طرح أسئلة صعبة وقطع العلاقات مع شبكات القمع والاحتلال، بدلاً من قبول أو تطبيع بنية قائمة على الاستغلال.
كما قال الاقتصادي ها-جون تشانغ مقتبساً: «عندما أُطعم الفقراء، يُسمّونني قديساً؛ وعندما أسأل لماذا لا يجد الفقراء طعاماً، يُسمّونني شيوعياً». لقد حان الوقت للعلوم المفتوحة لإعادة النظر في أولوياتها والوفاء بوعودها الحقيقية.

* نبذة عن الكاتبة: بتول المرزوق باحثة سعودية تحمل درجة الدكتوراه في العلوم الطبية الحيوية من جامعة ليفربول البريطانية، وباحثة في مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية في السعودية. أسست «مجتمع العلوم المفتوحة» في السعودية، وناشطة في عدة جمعيات عالمية. مقالها الأصلي منشور بالإنكليزية في مجلة Political Economy of Science.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279