من داروين إلى بافلوف: الصدمات النفسية-الاجتماعية وتفاعل العقل-الجسد

من داروين إلى بافلوف: الصدمات النفسية-الاجتماعية وتفاعل العقل-الجسد

«حتى وقت قريب، تجاهَل العلم الغربي إلى حد كبير الاتصال الثنائي الاتجاه بين الجسد والعقل، على الرغم من أنه كان لفترة طويلة مركزياً في ممارسات الشفاء التقليدية في العديد من أرجاء العالَم الأخرى، ولا سيما في الهند والصين. وهذا الاتصال يغيّر اليوم فهمنا للصدمة والتعافي». هذه كانت إحدى الملاحظات التي سجّلها الطبيب النفسي الهولندي بيسيل فان دير كولك، والذي اشتهر بكتابه «جسمك يتذكّر كل شيء» ويعد من أكثر الأعمال تأثيراً في علم النفس والطب النفسي المعاصر.

يعيش فان دير كولك في الولايات المتحدة الأمريكية، ويحمل كتابه «جسمك يتذكّر كل شيء»، والصادر بطبعته الأولى عام 2014 عنواناً فرعياً «الدماغ والعقل والجسد في شفاء الصدمة النفسية». وهو مؤلّف يتحدى بشكل جذري الفهم التقليدي للصدمة النفسية باعتبارها مجرد ذاكرة نفسية. بدلاً من ذلك، يجادل بأن الصدمة النفسية تترك بصمات بيولوجية عميقة (بنيويّة) على كلٍّ من الدماغ والجسد.
ومن أبرز إسهامات الكتاب أنه شرح بشكل مفصل كيفية تأثير الصدمة النفسية على وظائف الدماغ. حيث يتناول المؤلِّف أدوار بنى تشريحية متخصصة في الدماغ مثل «اللوزة الدماغية» و«الحُصين» وقشرة الفص الجبهي، في تشكيل الخوف والذاكرة والتنظيم العاطفي. ويوضح أن التجارب الصادمة غالباً ما تُرهق قدرة الدماغ على التعامل مع اللغة، مما يجعل الناجين غير قادرين على التعبير بشكل كامل عما حدث لهم. هذا «الرعب الصامت» يُصبح إحدى السمات المميزة للصدمة النفسية.


نقد العلاج النفسي التقليدي والإفراط الدوائي


ينتقد فان دير كولك الاعتماد المفرط على العلاج النفسي التقليدي والأدوية النفسية. وبينما يُقرّ بفائدة المناهج المعرفية في الطب النفسي (أو ما يسمّى العلاج الاستعرافي)، فإنه يُجادل بأن الصدمة لا تُشفى بالفهم الفكري وحده. ولأنّ الصدمة تتجذر في الجهاز العصبي،
فإن التعافي يجب أن يشمل الجسد أيضاً. ويُشكّل هذا التمييز بين أساليب العلاج «من فوق إلى تحت» و«من تحت إلى فوق» إطاراً محورياً للكتاب.
يتناول قسمٌ بالغ الأهمية في الكتاب الصدمات التطوّرية وتجارب الطفولة المؤلمة. يُبيّن المؤلف كيف يُمكن أن تُؤثر العلاقات غير الآمنة والإهمال المبكر على الصحة النفسية للبالغين، وتنظيمهم العاطفي، وسلوكهم الاجتماعي. كما يُثير مخاوف هامة بشأن التشخيص الخاطئ للأطفال المُصابين بصدمات نفسية، حيث يُصنّف الكثير منهم باضطرابات مثل اضطراب «نقص الانتباه مع فرط النشاط» (ADHD) دون إدراك كافٍ للصدمة الكامنة.
تستكشف الفصول اللاحقة أساليب علاجية مبتكرة، بما في ذلك اليوغا، وإزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة، والارتجاع العصبي، والمسرح، والعلاجات القائمة على الحركة. تهدف هذه الأساليب إلى استعادة الشعور بالأمان الجسدي، والوعي الذاتي، والتوازن العاطفي. لا يقتصر مفهوم الشفاء عند فان دير كولك على مجرد استحضار الماضي، بل يتعداه إلى استعادة السيطرة على الجسد والجهاز العصبي.


أهمّية البعد الاجتماعي لمعاناة الفرد


يتجاوز الكتاب نطاق المعاناة الفردية ليتناول التداعيات الاجتماعية للصدمات النفسية غير المعالَجة، بما في ذلك العنف والإدمان والسجن وتفكك الأسر. ويدعو بذلك إلى فهم ثقافي أوسع للرعاية بعد الصدمات النفسية.
ورغم ما ينطوي عليه كتاب «جسمك يتذكّر كل شيء» من تأثير عاطفي عميق نظراً لدراسات الحالات الواقعية العديد التي يتضمنها كأمثلة، إلا أنه يبقى مرجعاً أساسياً لعلماء النفس والمعالجين والطلاب والقرّاء عموماً المهتمّين بفهم العلاقة المعقّدة بين العقل والجسد والمعاناة الإنسانية.


من داروين إلى بافلوف


يعود مؤلّف الكتاب إلى ما سبق
أن كتبه تشارلز داروين أيضاً عن اتصالات الجسد-المخ التي ما زلنا نستكشفها اليوم، وخاصةً في كتابه «التعبير عن المشاعر لدى الإنسان والحيوان» الصادر عام 1872. فالمشاعر الحادة لا تشمل العقل فحسب، بل تشمل أيضاً المعدة والقلب. كتب داروين: «يتواصل القلب، والمعدة، والدماغ بشكل وثيق عبر «العصب الرئوي المعدي»، وهو العصب الحاسم الذي يشارك في التعبير عن المشاعر وإدارتها في كل من البشر والحيوانات. عندما يكون العقل متحمساً بشدة، فإنه يؤثر على الفور في حالة الأحشاء؛ حتى إنه في ظل الإثارة سيكون هناك الكثير من العمل والتفاعل المتبادلين بين هذين العضوين الأكثر أهمية في الجسم».

يقول الدكتور فان دير كولك: «في المرة الأولى التي قابلت فيها هذا المقطع، أعدت قراءته بحماس متزايد. بالطبع، نختبر مشاعرنا الأكثر تدميراً كمشاعر موجعة للمعدة ومؤلمة للقلب. ما دمنا نسجل المشاعر في رؤوسنا بشكل أساسي، يمكننا أن نبقى متحكمين إلى حد كبير، لكن الشعور كما لو أن صدرنا يتقوض أو كما لو أننا تعرضنا للكم في المعدة أمر لا يُطاق. سنفعل أي شيء لإزالة هذه الأحاسيس الحشوية الفظيعة، سواء كان ذلك عن طريق التشبث بشدة بإنسان آخر، أو جعل أنفسنا غير مدركين عن طريق المخدرات أو الكحول، أو جرح أنفسنا لتستبدل بالمشاعر الغامرة أحاسيس محددة. كم عدد مشكلات الصحة العقلية، من إدمان المخدرات إلى السلوك المضر بالنفس، التي تبدأ كمحاولات للتأقلم مع الألم الجسدي الذي لا يُطاق لعواطفنا؟ إذا كان داروين على حق، فإن الحل يتطلب إيجاد طرق لمساعدة الناس على تغيير المشهد الحسي الداخلي لأجسامهم».
ويتابع إنه حتى وقت قريب، تم تجاهل هذا الاتصال ثنائي الاتجاه بين الجسد والعقل إلى حد كبير من قبل العلم الغربي، على الرغم من أنه كان لفترة طويلة مركزياً في الممارسات العلاجية التقليدية في العديد من الأجزاء الأخرى من العالم، ولا سيما في الهند والصين.


بافلوف يكتشف التناقض وراء الصدمة


كان العالم الروسي إيفان بافلوف عملاقاً مبكراً آخر قدم إسهامات كبيرة في فهم آثار الصدمة. في عام 1904 حصل بافلوف على جائزة نوبل لعمله حول «المُنعكس الشرطي» وهي ظاهرة غطيت في معظم مساقات علم النفس التمهيدية: يبدأ اللعاب يسيل عندما تسمع جرس الغداء، ما يشير إلى أن الطعام على وشك تقديمه. ومع ذلك، إذا أصبح رنين الجرس عشوائياً، واستمررت في العثور على طبق فارغ كلما ذهبت، ستتعلم تدريجياً تجاهل هذا الجرس، ورنينه لن يسيل لعابك.
يُعرف فقدان مثل هذه الارتباطات المدرّبة تلقائياً بين الجرس والطعام باسم «الانمحاء». هذا هو حجر الزاوية في العلاج السلوكي الإدراكي حيث يتعرض الأشخاص مراراً وتكراراً لإشارات تذكرهم بصدمات سابقة حتى يُدرك النظام التفسيري في أدمغتهم أنهم، في الواقع، آمنون، وأن كل ما يحدث هو مجرد ضوضاء، أو إحساس، أو صورة لم تعد تشكل تهديداً.
ما هو أقل شهرة أنه في عام 1924 توصَّل بافلوف إلى اكتشاف علميّ مهمّ آخر يتعلق بالصدمة. لقد تسبَّب ذوبان الجليد في سانت بطرسبرج خلال ربيع ذلك العام في إغراق نهر «نيفا» لمختبر بافلوف، ما أدى إلى غمر أقفاص كلاب التجارب التي حوصرت في المياه الجليدية بلا أي وسيلة للهروب. نجت الكلاب، ولكن بعد انحسار المياه استمرت الكلاب في الشعور بالرعب، على الرغم من أنها لم تصب بأذى جسدي. نسبة كبيرة منها، على الرغم من أنها سليمة جسدياً، انهارت عاطفياً، وسلوكياً، وفيزيولوجياً. استلقى العديد منها بلا حراك، وكانت بالكاد متنبهة لما يدور حولها.
فسَّر بافلوف هذا على أنه علامة على رعب مستمر قضى على أي فضول لدى الكلاب نحو محيطها. نعلم الآن أن الجمود الجسدي وفقدان الفضول من الأمور النموذجية أيضاً لدى الأطفال والبالغين الخائفين الذي تعرّضوا لصدمات.
جلست بعض كلاب بافلوف المصدومة في حالة ارتجاف في زوايا الأقفاص في حين قامت حيوانات أخرى، كانت مروَّضة في السابق، بالانقضاض بشراسة على مدربيها.
أظهر بافلوف أنه بعد التعرض لتوتر شديد، تجد الحيوانات توازناً داخلياً جديداً يختلف عن التنظيم السابق الداخلي. ظلت الكلاب المصابة بالصدمة تتصرف كما لو كانت في خطر شديد بعد فترة طويلة من انحسار مياه نهر نيفا. وعندما قام بقياس فيزيولوجيا الحيوانات وجد ارتفاعاً وهبوطاً ملحوظين في معدلات ضربات القلب استجابة لضغوط طفيفة، وعلامات على عدم استقرار الجهاز العصبي اللاإرادي، بالإضافة إلى ردود فعل مباغتة بشكل كامل استجابة لتغيرات طفيفة في بيئتها.

أرجع بافلوف هذه التغيرات الدراماتيكية إلى وجود دافعين جسديين متضاربين: ففي أثناء الفيضان تجمدت الكلاب المحبوسة في الأقفاص جسدياً (حوصرت في أقفاصها) بينما كانت أجسامها مبرمجة للركض والهروب في مواجهة خطر يهدد حياتها. نتج عن ذلك: «الاصطدام بين العمليتين المتعارضتين: عملية الإثارة وعملية التثبيط اللتين كان من الصعب استيعابهما في وقت واحد... مما تسبب في انهيار التوازن». ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي يصف فيها أحد العلماء ظاهرة الصدمة التي لا مفر منها، وهي حالة جسدية لا يستطيع فيها الجهاز العضوي فعل أي شيء للتأثير في المحتوم. إنّ المواجهة مع حقيقة أنه لا يوجد شيء يمكن للمرء فعله لدرء المحتوم تؤدي إلى العجز المكتسب، وهي ظاهرة ضرورية لفهم البشر المصابين بصدمات والمهانين ومعالجتهم. قد لا يكون عذاب الكلاب في أقفاصها على طول نهر نيفا مختلفاً كثيراً عن عذاب البشر الذين تعرّضوا لقمع شديد.


«أهمّ عامل في الحياة»


إن ملاحظات بافلوف حول ردود فعل كلابه تجاه الفيضان قادته إلى آخر دراسة رئيسية أنجزها في حياته: حول «الارتكاس للهدف» أيْ ردّ الفعل على الهدف، الذي سمّاه «أهم عامل في الحياة». إنّ جميع الكائنات الحية تحتاج إلى هدف، فهي تحتاج إلى تنظيم نفسها لتشق طريقها في العالَم، مثل إعداد مأوى لفصل الشتاء المقبل، والترتيب للتزاوج، وبناء عش أو منزل، وتعلم المهارات لكسب العيش.
من بين أكثر الآثار المدمرة للصدمة أنها تلحق الضرر في كثير من الأحيان بهذه الآلية «الارتكاس للهدف». فكيف تساعد الناس على استعادة الطاقة للانخراط في الحياة وتطوير أنفسهم على أكمل وجه؟ على غرار داروين، أدرك بافلوف أنّ الإحساس بالهدف يشمل الحركة والعواطف. تدفعنا العواطف إلى العمل، والمشاعر الإيجابية إلى حالات شهية مثل الطعام والجنس، والمشاعر السلبية إلى الدفاع عن أنفسنا (وذريتنا) وحمايتها. هذا يدعونا إلى التركيز على العواطف والحركات ليس فقط بوصفها مشكلات يجب إدارتها، ولكن أيضاً بوصفها أصولاً يجب تنظيمها لتعزيز إحساس المرء بالهدف وبالمعنى لوجوده وحياته.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1278