كارثة الفرات: الطبيعة تثور ضدّ الأنانية الإقليمية والإهمال الداخلي

كارثة الفرات: الطبيعة تثور ضدّ الأنانية الإقليمية والإهمال الداخلي

شهد نهر الفرات في أواخر أيار المنصرم (2026) فيضاناً مفاجئاً وكارثياً على سورية، لم تشهد له المنطقة مثيلاً منذ عقود. وما جرى ليس «كارثة طبيعية» تخلو من المسؤولية البشرية. فرغم وجود ظرف طبيعي يتعلّق بغزارة الأمطار وذوبان الثلوج، لكن عدداً من العوامل البشرية تضافرت في المسؤولية، من أنانية القرار التركي بعدم تشارك المعلومات مع سوريا والعراق إلّا بعد إطلاق الكارثة بفتح بوابات مفيض سد أتاتورك، مما أدى إلى تدفق يصل إلى 2000 متر مكعب في الثانية من المياه نحو الأراضي السورية، وصولاً إلى الأولويّات المختلّة اختلالاً خطيراً للسلطات السورية تجاه ما ينبغي البدء بإصلاحه في البلد الهش، وإهمال البنى الحيوية كالسدود والجسور وتسريح آلاف العمّال والكفاءات العلمية والهندسية والخبرات، والتركيز المفرط على الاستعراضات الترفيّة. هذا المقال يجمّع معلومات وردت في تقارير علمية وصحفية عربية ودولية عن مخاطر السدود المتقادمة، ويبرز ضرورة تعاونٍ إقليمي يحترم سيادة وأمن بلداننا في غربي آسيا والشرق العظيم، التي جمعتها الطبيعة وتآخي شعوبها وحضاراتها العريقة وفرّقتها قوى الاستعمار، وأعوانه، من الأوروبي والأمريكي إلى الكيان المحتل.

عندما وصلت موجة المياه إلى الأراضي السورية، لم تكن هناك مهلة كافية. ارتفع منسوب نهر الفرات فجأة إلى أكثر من مترين فوق معدله الطبيعي، مما اضطر السلطات السورية إلى اتخاذ قرار نادر وخطير بفتح بوابات سد الفرات (سد الطبقة) لأول مرة منذ ثلاثة عقود. لكن ذلك لم يمنع وقوع الخسائر الفادحة. فغمرت المياه العشرات من القرى والبلدات في محافظتي دير الزور والرقة، مما أدى إلى تدمير آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية التي تُعتبر سلة غذاء سورية. كما تسببت السيول بانهيار البنى التحتية الحيوية؛ حيث توقفت محطات الضخ عن العمل، وانقطعت مياه الشرب عن مئات الآلاف، وتضررت شبكات الكهرباء، مما أثر على المستشفيات والمدارس والمراكز الصحية. واضطر الآلاف من العائلات إلى النزوح بشكل عاجل، تاركين منازلهم وممتلكاتهم للطين والمياه. مما كشف تراكم الهشاشة والإهمال في منظومة إدارة الموارد المائية في سورية عبر عقود واستمراره رغم تغيّر السلطات، وكذلك كشف تبعات خطيرة للقرارات الأحادية الجانب من دولة المنبع، تركيا.


لماذا فتحت تركيا مفيضات سد أتاتورك؟


سد أتاتورك هو العمود الفقري لمشروع جنوب شرق الأناضول التركي (GAP)، ويعد من أضخم السدود في العالم بسعة تخزينية تصل إلى 48 مليار متر مكعب. لكن بحسب تحليلات وبحوث منشورة، فإن هذا السد العملاق قد يتحول إلى قنبلة بيئية موقوتة.
الدكتور العراقي رمضان حمزة، حذّر في مقال كتبه في المنتدى العراقي للكفاءات (2023) من أن سدّ أتاتورك قد يكون «الأخطر في العالم»، مشيراً إلى أن أساساته الجيولوجية تقع على صخور كلسية قابلة للذوبان، مما يجعله عُرضة لخطر الانهيار، ولذلك تلجأ تركيا إلى عدم تخزينه بأكثر من نصف طاقته الاستيعابية كإجراء احترازي.
لكن ما الذي حدث في أيار 2026؟ يرجح الخبراء أن تركيا فتحت بوابات المفيض بشكل مفاجئ بدافع الخوف والذعر؛ حيث إنّ التغيرات السريعة والمفاجئة في مستويات المياه خلف السدود الضخمة يمكن أن تولّد هزّات أرضية تسمّى «مُحتَثَّة» (نشاط زلزالي ناتج عن فعل بشري)، مما يهدد استقرار السدّ ذاته. ولذلك فتحت تركيا البوابات لإنقاذ سد أتاتورك من الانهيار، حتى لو كان الثمن إغراق جارتها سورية.
وأكّد وزير الطاقة السوري أن الإنذار التركي بفتح البوابات وصل متأخراً جداً. وكان ذلك بعد أن دخل الفيضان بالفعل يومه الثالث. هذا السلوك يعكس غياباً خطيراً للتنسيق بين دول المنبع والمصب، وأيّ عاقل ومترفِّع عن التعصُّب القومي من أيّ طرف، سيدرك ببساطة بأنها معادلة خاسرة للجميع، اقتصادياً وسياسياً. حيث تتكبد سورية والعراق خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تلف المحاصيل والبنية التحتية. وسياسياً، يؤدي غياب التعاون إلى إثارة التوترات والشكوك والاتهامات باستخدام المياه كسلاح حرب (سواء بالتعطيش أو الإغراق) مما يزيد في زعزعة المنطقة بأكملها.


هل ما زال سد الطبقة آمناً؟


إذا كان سد أتاتورك يثير القلق، فإن حالة سد الطبقة (الثورة) على الفرات في سورية لا تقل خطورة، بل ربما تكون أكثر إلحاحاً. تم افتتاح هذا السد في عام 1973، بعد بنائه بمشاركة 1000 خبير ومهندس سوفييتي وآلاف العمّال السوريين. ولكنه من جهة تجاوز الخمسين عاماً، وهو العمر الاستثماري الافتراضي للسدود الكبيرة من هذا النوع، ومن جهة ثانية حدثت تغيّرات في النهر وجريانه بعد إنشاء سدّ أتاتورك عام 1983.
وبحسب تقرير نُشر في صحيفة «الشرق الأوسط» (تموز 2021) فإن نصف السدود حول العالم تتطلب إصلاحات واسعة، وقال التقرير آنذاك إنّ سد الفرات السوري هو مثال حي على ذلك، فالبنى الخرسانية تتآكل، والبوابات المعدنية يعلوها الصدأ، والطمي يملأ بحيرة السد مما يقلل قدرته التخزينية والتحكم في الفيضانات. يُقارن هذا الوضع بالسدود العراقية، حيث يتم اتباع نهج الصيانة الدورية عبر «الحَقن الجيوتقني» لإصلاح الشقوق ومنع التسربات، وهو إجراء ضروري كل 10 سنوات تقريباً لضمان السلامة وعدم التسريب (عبر حفر آبار عميقة داخل جسم السد نفسه أو عند أقدامه، وصولاً إلى الطبقات الصخرية الأساسية، ثم ضخ مادة إسمنتية خاصة بضغط عالٍ جداً).
لكن يضاف إلى ذلك الأضرار الحربية التي تعرض لها سدّ الفرات السوري، بسبب الاعتداءات الجوية التي شنها طيران التحالف الدولي بقيادة واشنطن على منطقة السد، وأصاب قصف التحالف منظومة صرف المياه الحيوية، مما عطل قدرة السد على خفض منسوب البحيرة عند الحاجة. كذلك المعارك مع تنظيم داعش التي أدت عام 2017 إلى خروج السد عن الخدمة بشكل كامل لبعض الوقت. ورغم الإصلاحات الطارئة التي تمت في حينه، إلا أنه لا توجد تقييمات مستقلة وموثَّقة حول الأضرار طويلة الأمد، وهذا يثير التساؤل حول مخاطر بنيوية تشكل خطراً وقد لا تكون مكشوفة حتى الآن. وبالتالي إذا بقي السد دون إعادة تقييم علمي وتأهيل شامل قد يصبح قنبلة موقوتة فوق رؤوس الملايين.


واجب سورية الوطني: إعادة الخبرات والعقول إلى العمل


في خضم الكارثة، يبرز سؤال جوهري: أين هم الخبراء السوريون؟ لقد تسببت 15 عاماً من الحرب في نزوح أكثر من 6.8 مليون سوري، وكان من بينهم نخبة من المهندسين المدنيين، والهيدرولوجيين (علماء المياه) والخبراء البيئيين. وتوثق تقارير دولية (مثل FM Review، 2025) أن الأكاديميين السوريين النازحين أصبحوا «أصواتاً غير مسموعة» وأنّ سورية فقدت عقولاً كانت قادرة على تقييم المخاطر ووضع خطط الطوارئ. ولذلك يصبح الاحتفاظ بمن تبقّى من عقول وخبرات وسواعد قادرة على العمل داخل البلد واجباً أكثر إلحاحاً، وعلى الحكومة السورية أن تتحمل مسؤوليتها المباشرة في هذا الملف الذي يمسّ الأمن القومي، مما يقتضي الوقف الفوري لسياسة تسريح الكفاءات والخبرات من مؤسسات الدولة والجامعات، وإعادتهم فوراً إلى العمل، وإطلاق مبادرة وطنية لإعادة استقطاب المهندسين والعلماء السوريين المغتربين والاستفادة من خبراتهم، وتشكيل هيئة وطنية مستقلة لإعادة تقييم سلامة السدود بواسطة خبرات محلية وكذلك خبرات دولية بشرط أن تقدم مساعدة حقيقية وليس مشاريع وهمية أو استغلالية. ويجب أيضاً العمل الدبلوماسي لإنشاء نظام إقليمي للإنذار المبكر وخاصةً مع تركيا والعراق، يتجاوز الخلافات السياسية، لأن المياه لا تعرف الحدود.
إن فيضان الفرات الأخير لم يكن مجرد تحذير عابر، بل كان جرس إنذار مدوٍّ. والاستمرار بإهمال سلامة السدود والجسور والبنى التحتية الحيوية، وغياب التنسيق الإقليمي، وسياسة تهميش الكفاءات والأيدي والعقول العاملة الوطنية وحرمانها من حقوقها، وتعطيلها عن الإنتاج وإعادة إعمار البلاد، لن تؤدي سوى إلى المزيد من الكوارث الإنسانية التي قد تتجاوز كلّ ما شهدناه في بلدنا حتى الآن.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1280