كوبا تحوّل الحصار الأمريكي إلى حافز للانتقال الطاقي بمساعدة الصين

كوبا تحوّل الحصار الأمريكي إلى حافز للانتقال الطاقي بمساعدة الصين

منذ نيسان 2026، وفي ظلّ الحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» على إيران، كثّفت واشنطن أيضاً عقوباتها ضد كوبا، حيث يستهدف الحصار الأمريكي شلّ قطاع الكهرباء في الجزيرة الكاريبية عبر منع وصول الوقود الأحفوري الرخيص إليها من جهة، ومنعها من شراء البطاريات والألواح الشمسية من الشركات الغربية من جهة أخرى. لكنّ القرار السياسي لدولة تريد حماية شعبها من التوحّش الرأسمالي جاء بخفض الطلب على الوقود الأحفوري والتحول السريع إلى الشمس والرياح مستفيدة من صداقتها مع العملاق الصيني. وقفزت حصة الطاقة الشمسية في مزيج الكهرباء الكوبي من 5.8% فقط قبل عام واحد إلى أكثر من 20% في بداية 2026، ويتوقع أن تصل إلى 26% بحلول نهاية العام.

بحسب بيانات تم جمعها في آذار 2026 ونشرتها منصة Clean Energy Wire ومركز سيداري للتنمية الإقليمية (CEDARE)، فإن الحصار الأميركي منع بشكل متعمد وصول نحو 40% من احتياجات كوبا من زيت الوقود الثقيل (الفيول) المستخدم في محطات التوليد القديمة.
في أي اقتصاد رأسمالي، كان هذا العجز سيترجم فوراً إلى انهيار أسعار الأسهم، وهروب رؤوس الأموال الخاصة، وجشع شركات الطاقة التي كانت سترفع الأسعار بشكل جنوني على المستهلكين، وربما فرض حالة من الفوضى والظلام التام. ولكن في كوبا، حفّز هذا النقص الدولة على وضع هدف وطني واضح: رفع كفاءة الطاقة والتحول السريع إلى مصادر طاقة بديلة ومتاحة محلّياً مثل الشمس والرياح، أمّا من حيث التكنولوجيا والجدوى الاقتصادية اللازمة لذلك والمخرج لكسر الحصار والعقوبات، فهنا تبرز الفائدة المُنقِذة في قرارك السياسي بأن تكون صديقاً للصين.

في هذا السياق، جاء التعاون الكوبي-الصيني على أساس الاحترام المتبادل ومصالح الشعوب، ليضرب مثالاً على فشل علاقات التبعية والإذلال التي تفرضها واشنطن والغرب الرأسمالي عادةً على بلدان وشعوب العالم. فبينما كان الحصار الأميركي يمنع كوبا من شراء بطاريات وألواح شمسية من شركات غربية بسبب العقوبات التي تحكم الشركات متعددة الجنسيات الخائفة على أرباحها، تقدّمت الصين لسد الفراغ. ووفقاً لمعلومات صدرت في 10 نيسان 2026، قفزت صادرات الصين من تكنولوجيا الطاقة الشمسية إلى كوبا من 5 ملايين دولار فقط في عام 2023 إلى 117 مليون دولار في عام 2025 (أي بأكثر من 23 ضِعفاً). هذا ليس استثماراً رأسمالياً تقليدياً، بل هو شكل جديد من التعاون بين بلدان «الجنوب العالمي»، حيث قدمت بكين التكنولوجيا والتمويل دون تلك الشروط السياسية والاقتصادية التي تفرضها حزم التمويل الأمريكي والغربي ومؤسساته مثل صندوق النقد والبنك الدوليين والتي تكون مُذلّة للبلد «المُستفيد» وشعبه -وبالأحرى البلد الضحّية- وتفرض عادةً مطالب نيوليبرالية متوحّشة مثل خصخصة القطاع العام أو استباحة البلد للشركات الأجنبية أو شروطاً سياسية تمسّ السيادة الوطنية للبلدان المستهدَفة.
النتائج الميدانية فاجأت حتى المحللين الغربيين، حيث صدر مؤخراً عن منظمة «سيداري» في 10 آذار 2026 تقرير وصف الحصار الأمريكي بأنه فشل في تحقيق هدفه بإغراق كوبا في الظلام، بل أسهم في تسريع انتقالها الطاقي، بينما كان الحصار عائقاً للدول الرأسمالية الأخرى التي تخلت عن الطاقة المتجددة تحت ضغط التضخم. وصدرت في 27 آذار 2026 بيانات فارقة: حصة الطاقة الشمسية في مزيج الكهرباء الكوبي قفزت من 5.8% فقط قبل عام واحد إلى أكثر من 20% في بداية عام 2026، ويتوقع أن تصل إلى 26% بحلول نهاية العام.


«حوافز» السوق الرأسمالية لا تنفع بوجه الحصار


هذا النمو الهائل للبدائل الطاقية في كوبا لم يتحقق عبر حوافز سوقية رأسمالية، بل عبر توجيه حكومي مباشر تقوده الدولة الكوبية وقطاعها العام وليس «اليد الخفية للسوق»: إعفاءات ضريبية للمشاريع الشمسية المنزلية، وتركيب ألواح على أسطح المدارس والمستشفيات والمصانع المملوكة للدولة، مروراً ببناء مجمَّعات شمسية ضخمة في مقاطعات مثل سانتياغو دي كوبا، وسييغو دي أفيلا.
هنا يبرز الفرق الجوهري بين نموذجين. فالدولة الرأسمالية أسيرة لقوانين السوق: شركات الطاقة الخاصة تسعى للربح، وهي لن تستثمر في مشاريع الطاقة المتجددة ما لم تكن أكثر ربحية من الوقود الأحفوري. كما أن هذه الشركات لا يمكنها «تحمُّل» خسائر مؤقتة من أجل أمن وطني طويل الأجل. على النقيض تماماً، تعمل الدولة الكوبية الاشتراكية على مبدأ «الأمن الطاقي كحق وحاجة إنسانية وليس كسلعة». وبالتالي، حين حرمتها الولايات المتحدة من الوقود، لم يكن أمامها سوى خيارين: إما الاستسلام، أو تسريع مشاريع الطاقة البديلة التي كانت مؤجَّلة. واختارت كوبا الخيار الثاني بسرعة قياسية.


فشل ما يسمّى «الرأسمالية الخضراء»


ما يجعل هذه القصة أكثر إدانةً للرأسمالية هو الوجه الآخر للعملة: بينما تتسارع كوبا نحو الشمس، كانت أوروبا -مهد الرأسمالية الصناعية- تتراجع عن أهدافها الخضراء تحت ضغط أزمة الغاز الروسي، عائدةً إلى الفحم والحلول قصيرة الأجل التي تقدمها شركات الطاقة الخاصة التي لا تريد سوى التربح من الأزمة دون حلول جذرية. أصدرت مجلة الطبيعة (Nature) في 14 نيسان 2026 تقريراً عن أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب على إيران، استخدمت فيه مصطلح «التضخم الأحفوري» (Fossilflation) لوصف الحلقة المفرغة للرأسمالية: توقف إمدادات الطاقة يؤدي إلى رفع شركات الوقود الأحفوري لأسعارها، مما يؤدي إلى مزيد من التضخم الاقتصادي، ويزداد الوضع سوءاً مع إلغاء الحكومات دعم الطاقة المتجددة بما في ذلك تقليص أو إغلاق مفاعلات الطاقة النووية، وتصبح الشركات الخاصة أكثر تردداً في الاستثمار. بينما في كوبا، حيث لا وجود لشركات طاقة خاصة تحرّكها المطامع بالأرباح، فإنها لم تشهد هذا «التضخم الأحفوري» بالحدة نفسها، لأن الدولة تكفّلت بامتصاص الصدمة، وأعادت توجيه كل مواردها الوطنية نحو قطاع طاقة عام تتحكّم به الدولة لصالح الشعب، ولا تتركه في مهبّ تقلبات السوق.


سؤال النجاح والفشل يتجدّد: الرأسمالية أم الاشتراكية؟


كوبا تضيف إثباتاً عَمليّاً وعِملياً جديداً بأن الاشتراكية الحقيقية ليست كما يُزعَم «نظام لتوزيع الفقر»، بل هي نظام قادر على التخطيط الاستراتيجي للموارد وتحويل لعنات الجغرافيا السياسية إلى نعمة، ونقاط الضعف إلى فرص لابتكار نقاط قوّة مُضادّة.
عجزت الرأسمالية عن توفير الطاقة النظيفة للعالم بأسعار عادلة لأنها رهنت مصير الكوكب لشركات خاصة لا تفكّر أبعد من أنفها، بينما أثبتت الاشتراكية الحقيقية حتى في ظلّ شح الموارد أن إرادة الدولة التي تخطّط لصالح كادحيها وأوسع طبقاتها الشعبية هي السلاح الأقوى في مواجهة الحصار وكذلك إعادة تعريف مفهوم «الأمن القومي» ليشمل الاستدامة البيئية.

إن المستفيد الحقيقي من هذه السياسة هو المواطن الكوبي الذي كان سيدفع فواتير كهرباء باهظة تكسر الظهر لو تُرِكَ الأمر لشركات طاقة خاصّة أو مطامع رأسمالية. استطاعت هذه الدولة الاشتراكية أن تدير مرحلة الانتقال الصعبة بمشاركة مجتمعية واسعة، يلعب فيها الشعب دور إنتاج مباشر للكهرباء أيضاً عبر آلاف الأسطح الشمسية الصغيرة. بهذا النموذج قدمت الدولة حلاً عادلاً بتقاسم العبء وليس بتحميل الفاتورة للفقراء.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1276