الصين تتوّج 250 عاماً من ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال والغرب يتخلّف استثمارياً

الصين تتوّج 250 عاماً من ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال والغرب يتخلّف استثمارياً

هل تساءلت يوماً لماذا تنمو الصين اقتصادياً بسرعة تفوق نمو الغرب ضعفين على الأقل؟ ولماذا يصر بعض المحللين الغربيين على أن الصين «تستثمر أكثر من اللازم». في مقال مهم أعاد نشره موقع مونثلي ريفيو بعد نشره في موقع «المَرقب» الصيني، في السادس من نيسان 2026، يقدم الخبير الاقتصادي جون روس تحليلاً تاريخياً يقلب الطاولة على المفاهيم السائدة. فبينما يروج البعض لفكرة أن نسبة الاستثمار المرتفعة في الصين (40% من الناتج المحلي) تمثل «تشوهاً» أو «اختلالاً»، يكشف روس أن هذه النسبة ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة تمتد لـ250 عاماً، منذ الثورة الصناعية في بريطانيا وحتى يومنا هذا.

جون روس*


عندما انطلقت الثورة الصناعية في بريطانيا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كانت نسبة الاستثمار الثابت في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 3%. كان المصنعون يبنون أولى الآلات البخارية، وتُمدد خطوط السكك الحديدية الأولى، لكن الاقتصاد كان لا يزال يعتمد بشكل كبير على الزراعة والتجارة التقليدية. وبحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وبعد عقود من التطور الصناعي، ارتفعت النسبة إلى 10%. وكانت بريطانيا آنذاك أسرع اقتصاد نمواً في العالم، بمعدل سنوي بلغ 2.3% – وهو رقم يبدو متواضعاً بمعايير اليوم، لكنه كان ثورياً في عصره.
ثم جاء دور الولايات المتحدة. فبعد الحرب الأهلية، قفزت نسبة الاستثمار إلى ما يزيد على 20% من الناتج المحلي. ونتيجة لذلك، حققت أمريكا نمواً سنوياً بلغ 4.8% خلال فترة صدارتها للاقتصاد العالمي، متجاوزة بريطانيا لتصبح القوة الاقتصادية العظمى الأولى في التاريخ الحديث.
وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت ألمانيا الغربية بنسبة استثمار بلغت 30%، تلتها اليابان بأكثر من 35%، ثم كوريا الجنوبية بنسبة مماثلة. ومع كل قفزة في نسبة الاستثمار، جاءت قفزة مقابلة في معدلات النمو: ألمانيا 5.3%، اليابان 6.4%، كوريا الجنوبية 8.4%، وأخيراً الصين بنسبة استثمار 40% ونمو سنوي 8.9%.


ماذا تعني نسبة استثمار 40%؟


لنفهم الأرقام بشكل أعمق: الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة هو مجموع الاستهلاك والاستثمار. عندما نقول إن الصين تستثمر 40% من ناتجها، فهذا يعني بالضرورة أن الاستهلاك يشكل 60%. في المقابل، تستثمر الولايات المتحدة 20% فقط وتستهلك 80%.
لكن المفارقة المذهلة – كما يوضح روس – أن معدل نمو الاستهلاك نفسه في الصين يفوق نظيره في أمريكا. فالنمو الاقتصادي السريع يولّد دخلاً أسرع نمواً، وبالتالي استهلاكاً أسرع نمواً، رغم أن حصة الاستهلاك من الناتج أصغر نسبياً. وهذا يدحض الجدل السطحي الذي يروج أن «خفض الاستثمار يزيد الاستهلاك» – فالأمر معكوس تماماً.


ماركس وسميث وكينز


يقول روس في مقاله إن ثلاثة من أعظم الاقتصاديين في التاريخ – رغم اختلافاتهم الجذرية – اتفقوا على هذه الحقيقة الأساسية: رأس المال الثابت (الاستثمار في الآلات والمعدات والبنية التحتية) يميل إلى الارتفاع كنسبة من الاقتصاد مع التطور، وهو الأمر الذي تفرد ماركس وحده في أخذه إلى منتهاه الأنضج نظرياً باكتشافه أن هذه الزيادة في التركيب العضوي لرأس المال تسبب ميلاً تاريخياً لانخفاض معدّل الربح في ظل الرأسمالية.
آدم سميث، أبو الاقتصاد الكلاسيكي، لاحظ ظاهرة ارتفاع نسبة الاستثمار في مؤلفه «ثروة الأمم». كارل ماركس، الذي كان يكتب في ستينيات القرن التاسع عشر عندما كانت نسبة الاستثمار لا تتجاوز 10%، تنبأ بجرأة أن «قانون التقدم المطرد لرأس المال الثابت بالنسبة إلى رأس المال المتغير» سيكون سمة أساسية للرأسمالية. وجون ماينارد كينز، الذي أحدث ثورة في الاقتصاد بعد الكساد الكبير، بنى نظرياته جزئياً على إدراك الدور المتزايد للاستثمار.
الأكثر إحراجاً للمناهضين للماركسية، كما يذكر روس، أن الاقتصادي روبرت بارو – أحد مؤسسي «نظرية التوقعات العقلانية» وأكثر المنتقدين شراسة لكينز وماركس – اضطر بعد دراسة البيانات إلى الاعتراف بأن «نسبة الاستثمار تميل إلى الارتفاع مع تطور الاقتصاد». الحقيقة أقوى من الأيديولوجيا.


لماذا يرفض الغرب هذه الحقيقة؟


هنا يطرح روس سؤالاً محرجاً: إذا كان ارتفاع نسبة الاستثمار حقيقة مثبتة بالأرقام والتاريخ والنظرية، فلماذا يصر بعض المحللين الغربيين على وصف النموذج الصيني بـ«الخاطئ»؟
الجواب، بحسب روس، هو «الغطرسة الغربية» – الواعية وغير الواعية. الفرضية الضمنية التي يعمل بها هؤلاء المحللون هي: «إذا كان هناك اختلاف بين الصين والغرب، فلا بد أن الصين هي المخطئة». ولا يخطر ببالهم أبداً أن يسألوا السؤال المعاكس: «ماذا لو كان الغرب هو المتخلف عن الركب؟».
يضرب روس مثلاً صارخاً بتقرير صادر عن بنك غولدمان ساكس. فقد تنبأ التقرير أن نمو الصين سينخفض إلى 3.4% سنوياً، مستنداً إلى افتراض أن الصين ستخفض استثماراتها من 42% إلى 35% لتتماشى مع «متوسط الدول ذات الدخل المتوسط». يعلق روس بسخرية: «تخيل أن شركة تريد دخول صناعة جديدة، فاستشارت غولدمان ساكس، فأخبرها البنك: هناك شركة واحدة تنمو أسرع من البقية، لذا يجب أن تقلد الشركات البطيئة النمو!». الجميع سيضحكون على هذه النصيحة – لكن عندما يتعلق الأمر بالدول، تصبح «حكمة تقليدية».


ماذا يعني هذا للصين والعالم؟


الخلاصة التي يصل إليها روس حاسمة: المستوى العالي للاستثمار في الصين ليس «مرضاً» يحتاج إلى علاج، بل هو دليل على تقدمها التاريخي. فالصين اليوم تفعل ما فعلته أمريكا قبل 150 عاماً، وما فعلته ألمانيا واليابان بعد الحرب – لكنها تفعله على نطاق أوسع وبنتائج أسرع.
إذا أرادت الصين الحفاظ على تفوقها، فعليها أن ترفض النصائح الغربية التي تدعوها إلى «التطبيع» مع النماذج البطيئة النمو. وعليها أن تواصل الاستثمار في البنية التحتية والصناعات المتطورة والتكنولوجيا، لأن ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق أهداف 2035 و2049 التي رسمها الاقتصاد الصيني المخطّط والذي يقدم نجاحاته للعالم بوصفه «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية».
أما الغرب، فمشكلته ليست في أن الصين تستثمر «أكثر من اللازم»، بل في أنه يستثمر «أقل من اللازم» بالنسبة لعصره التاريخي. وطالما استمر هذا العجز الاستثماري، سيستمر تباطؤ النمو، وتزايد عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.


خاتمة: دروس من 250 عاماً


يختتم روس مقاله بتذكير قوي: «إن ارتفاع نسبة الاستثمار في الناتج المحلي ليس شذوذاً. إنه المرحلة الأحدث من عملية اقتصادية مستمرة منذ 250 عاماً، منذ الثورة الصناعية. وهو علامة على الطابع المتقدم تاريخياً للاقتصاد الصيني».
وهكذا، فإن الأرقام التي ظنها البعض دليلاً على «خلل» في الاقتصاد الصيني، هي في الحقيقة دليل على أنه الأكثر انسجاماً مع قوانين التطور الاقتصادي. وقريباً جداً، كما يتوقع روس، سنرى دولاً تستثمر أكثر من 40% من نواتجها – والسؤال الوحيد هو: هل ستكون الصين هي الرائدة في تلك المرحلة أيضاً، أم سيتفوق عليها آخرون؟ الإجابة، كما يقول، تعتمد على خيارات السياسة الاقتصادية التي تتخذها الصين اليوم.

*نبذة عن الكاتب: جون روس هو زميل أول في معهد تشونغ يانغ للدراسات المالية بجامعة رنمين الصينية، وحائز على جائزة الكتاب الخاص في الصين، وهي أعلى جائزة حكومية صينية للمؤلفين الأجانب. شغل سابقاً منصب مدير السياسة الاقتصادية لعمدة لندن.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275