مدير معهد MIT يعترف بهزيمة أمريكا في سباق الابتكار ويتوقّع «مُستقبلاً صينيّاً» للعلم

مدير معهد MIT يعترف بهزيمة أمريكا في سباق الابتكار ويتوقّع «مُستقبلاً صينيّاً» للعلم

نشرت صحيفة الشؤون الخارجية الأمريكية «فورين أفيرز» في الأول من نيسان الجاري، مقالاً هامّاً ومطوّلاً للمدير السابق لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) الذي يعتبر من أهمّ المؤسسات العلمية الأمريكية، قال في عنوانه الصريح: «أمريكا تخسر سباق الابتكار، لماذا قد يكون مستقبل العلم صينياً». فيما يلي تلخيص لأبرز ما جاء في هذا المقال الذي دعمَ كاتبُه الحججَ الواردة فيه بالإحصائيات والأرقام.

ليو غرويسمان*
إعداد وتعريب: د. أسامة دليقان


لطالما اعتُبرَت الصينُ «مصنعَ العالم» ولكن بمعنى أنّها مجرّد دولة تتفوق في تصنيع تقنيات تم اختراعها في أماكن أخرى، وأنها عاجزة عن ابتكار أي شيء جديد جذرياً بنفسها. لكن الصين في الحقيقة أثبتت خلال العقد الماضي أنها قوة ابتكارية هائلة. فهي اليوم متقدِّمة بكثير على الولايات المتحدة في تصنيع ونشر تقنيات متقدمة مثل السيارات الكهربائية، والبطاريات، ومعدات الاتصالات اللاسلكية، والروبوتات شبه البشرية، والطاقة النووية من الجيل التالي. كما أن قطاع الأدوية الصيني كاد يلحق بأمريكا في طرح أدوية جديدة، وجيشها يمتلك قدرات تفتقر إليها واشنطن، بما في ذلك «الترسانة الرائدة عالمياً من الصواريخ فرط الصوتية» حسب البنتاغون.
يعود نجاح الصين إلى ضخ الموارد في كل جزء من نظامها البيئي للابتكار: من البحث العلمي الأساسي، إلى تعليم العلماء والمهندسين، إلى تسويق المنتجات الجديدة. في 2015، أطلقت بكين خطة طموحة بعنوان «صنع في الصين 2025» لتسريع هدفها في أن تصبح رائدة تكنولوجية عالمية. ومن خلال دعم حكومي ضخم للشركات في قطاعات رئيسية مثل تكنولوجيا المعلومات والروبوتات والفضاء، نجحت الصين إلى حد كبير. على سبيل المثال، ابتكاراتها في السيارات الكهربائية مبهرة لدرجة أن الرئيس التنفيذي لشركة فورد وصفها بأنها «أكثر شيء أذلَّني في حياتي». حتى في قطاع أشباه الموصلات، قامت الصين ببناء أكبر طاقة إنتاجية في العالم للرقائق العادية.
أما الولايات المتحدة، ففقدت تركيزها. بعد أكثر من 80 عاماً كقائدة ابتكارية بلا منازع، فشلت واشنطن في تقدير التهديد الذي تشكله الهيمنة الصينية المتزايدة على سلسلة الابتكار. وسياسات الإدارة الأمريكية الحالية تقوض نقاط قوة أمريكا وتفشل في معالجة نقاط ضعفها. تحتاج أمريكا إلى احتضان العلم والابتكار مجدداً، عبر الاستثمار في العلوم الأساسية، وجذب أفضل المواهب، واستكشاف طرق جديدة لتحويل الأبحاث المتطورة إلى منتوجات قابلة للتسويق.


العودة إلى الأساسيات


كان الالتزام بالعلوم الأساسية في قَلب الريادة التكنولوجية الأمريكية منذ منتصف القرن العشرين. الجامعات هي أكبر منفذ لهذا النوع من الأبحاث، والحكومة الفيدرالية هي أكبر مموِّل. شراكة الحكومة والجامعات خلقت أعظم مجموعة في العالم من جامعات البحث. تمويل المعاهد الوطنية للصحة ساهم في كل دواء وافقت عليه إدارة الغذاء والدواء بين 2010 و2019. وقانون «بيه-دول» 1980 سمح للجامعات بتملُّك وتسويق الاختراعات، مما أنتج شركات عالمية مثل Google وModerna.
لكن المزايا الأمريكية مهدَّدة. في عهد الرئيس ترامب، تحوَّلت الحكومة من شريك إلى خصم للجامعات، عبر تجميد المِنح وتعليق المشاريع. كما تحاول تفكيك نظام منح الأبحاث القائم على الجدارة واستبداله بمحاباة سياسية. بينما حدد القادة الصينيون الضَّعف النسبي في العلوم الأساسية كعقبة أمام الابتكار المحلي، وزادوا التمويل بنحو أربعة أضعاف بين 2013 و2023 ليصل إلى 57 مليار دولار. جامعات الصين تصدَّرت الآن ترتيبات جودة الأبحاث التي كانت أمريكا تهيمن عليها. في مؤشر مجلة «الطبيعة» لعام 2025، تسعٌ من أفضل عشر جامعات كانت صينية.


الصين تمتلك المواهب


من نقاط قوة النظام الأمريكي أنه يجذب كبار العلماء من جميع أنحاء العالم. 38% من شهادات الدكتوراه في العلوم والهندسة تذهب للطلاب الدوليين. 40% من الحائزين على جائزة نوبل في الكيمياء والطب والفيزياء خلال 25 سنة الماضية هم مهاجرون. لكن السياسات الفيدرالية تثبط إنتاج الجيل القادم من العلماء، عبر تجميد المنح مما يضطر الجامعات لتقليل عدد طلاب الدكتوراه، وتعقيدات في منح التأشيرات (الفيزا) تحبط الطلاب الدوليين.
حتى الباحثون المتمرِّسون يغادرون إلى أوروبا أو الصين. على الأقل 85 باحثاً أمريكياً من أصل صينيّ عادوا للعمل في الصين منذ 2024. وفي الذكاء الاصطناعي، بقي ثلثا الباحثين الصينيين في بلادهم عام 2025 مقابل ثلث فقط في 2019. الصين تجاوزت أمريكا في تدريب العلماء: في 2022، منحت أكثر من 53 ألف دكتوراه في العلوم والهندسة مقابل أقل من 45 ألفاً لأمريكا. وبسكّان أقل من ربع سكان الصين، لا تستطيع أمريكا منافستها إلا بجذب الطلاب الدوليين والاحتفاظ بهم.


الصبر فضيلة


تحتاج واشنطن أيضاً إلى معالجة نقطة ضعف قديمة: عدم وجود استراتيجية متماسكة لدعم التقنيات الحرجة من المختبر حتى تصبح قابلة للتسويق. العديد من التقنيات المخترَعة في أمريكا تُصنَع في النهاية على نطاق واسع في الصين، مثل بطاريات الليثيوم، والألواح الشمسية، وأنظمة الليدار. تمتلك الصين الآن احتكارات شبه كاملة لهذه التقنيات.
الشركات الأمريكية التي تأمل في تسويق تقنيات ناشئة لا تزال تمتلك ميزة أسواق رأس المال، لكن المستثمرين الخاصين غالباً ما يركزون على المكاسب قصيرة الأجل. هذا لا يناسب «التقنيات الصعبة» (الفيزيائية المبنية على اختراقات علمية) التي تحتاج إلى مليارات الدولارات والعديد من السنوات. في الصين، حيث الحكومة هي أكبر مُقرِض ومستثمر، هناك وفرة من «رأس المال الصبور». في كانون الأول 2025، أطلقت بكين صندوقاً جديداً ينوي توجيه مئات المليارات من الدولارات على مدى 20 عاماً للشركات الناشئة في التقنيات الصعبة.


محرّك التقدم


عندما كنتُ رئيساً لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، رأيت أن اكتشافات المختبرات كانت تفشل في الانتقال إلى السوق بسبب نقص رأس المال. لذلك أسّسنا شركة «المُحرِّك» The Engine، وهي حاضنة ومسرِّعة تقدم تمويلاً من مستثمرين صبورين. إحدى شركات محفظتها كانت «كومنولث فيوجن سيستمز»، التي اخترعت مغناطيساً فائق التوصيل عالي الحرارة للاندماج النووي. بفضل دعم «ذا إنجن»، جذبت الشركة 3 مليارات دولار، ووافقت Google على شراء نصف طاقة أول محطة اندماج لها.
للحكومة برامجها الخاصة، لكنها مجزَّأة ومُسيَّسة. منحة بقيمة 87 مليون دولار لشركة «سبلايم سيستمز» لإنتاج أسمنت منخفض الكربون ألغيت في عهد ترامب، مما أوقف بناء مصنعها الأول. كما أن التعريفات الجمركية، التي تدَّعي الإدارة أنها تشجِّع إعادة التصنيع، تقلل الابتكار على المدى الطويل.
ما تحتاجه أمريكا هو كيان واحد شامل يركّز على التنافسية ويموّل صناعات المستقبل. يمكن أن يكون هذا الكيان «مؤسسة حكومية» مستقلة ينشئها الكونغرس، بمهمة عامة لكنها قادرة على توليد الإيرادات. يمكنها تقديم استثمارات وقروض وضمانات في أكثر مراحل التطوير خطورة، وتنظيم ضمانات شراء حكومية، والمساعدة في تجاوز العقبات التنظيمية.
يجب أن تعمل هذه المؤسسة بعقلية رأس المال الجريء، متوقعة أن ليس كل الرهانات سوف تنجح، لكن القليل من النجاحات سيجني أرباحاً هائلة للتنافسية الوطنية. مثل هذه الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة لتطوير تقنيات جذرية جديدة لها تاريخ طويل في أمريكا: من إنشاء صناعة المطاط الصناعي أثناء الحرب العالمية الثانية، إلى برنامج تسريع لقاحات كوفيد (Operation Warp Speed).
لا تستطيع أمريكا اليوم الجلوس مكتوفة الأيدي وتعليق الأماني على أن تتعثَّر الصين. ما لم تتعلم الولايات المتحدة دروسَ تاريخها وتعبِّئ الموارد العامة والخاصة لإطلاق وتصنيع وتوسيع نطاق التقنيات الأكثر تقدّماً مرة أخرى، فإنها ستتخلف عن الركب. وفي هذه الحالة، فإن الصين مهيأة لبناء احتكارات جديدة على أساس نقاط الضعف الأمريكية.

* نبذة عن المؤلّف: ليو رافائيل ريف غرويسمان هو مهندس كهرباء وأكاديمي إداري ولد في فنزويلا لأبوين يهوديين من أوروبا الشرقية، وبعد تخرجه مهندساً من جامعات فنزويلا هاجر إلى الولايات المتحدة وحصل على جنسيتها، وترقّى في مناصب علمية وأكاديمية وصولاً إلى منصب الرئيس السابع عشر لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) من 2012 حتى 2022. كما انتُخب عضواً أجنبياً في الأكاديمية الصينية للهندسة عام 2017. ويشغل منصب مدير مستقل في مجلس إدارة شركة TSMC التايوانية الشهيرة لصناعة الرقائق الإلكترونية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1272