استراتيجية الدفاع الفسيفسائي الإيراني وتركيبها مع نظريات كلاوسفيتز وغيفارا وإنجلس (2)
قدّم الجزء الأول من هذه المقال تعريفاً بعقيدة الدفاع «الفسيفسائي» التي اعتمدتها إيران بوصفها صيغة خاصّة من العلاقة بين اللامركزية والمركزية في المجال العسكري، تمّ تصميمها من أجل الصمود أمام الضربات الخاطفة التي تقضي على القيادات العليا المركزية، أو ما يسمّى استراتيجية «قطع الرؤوس». نتابع في هذا الجزء الحديث عن كيف تتداخل هذه الاستراتيجية مع رفع التكاليف على المُهاجمين وتعزيز مواقع المُدافعين في الحرب، عبر الاستفادة من مفاهيم في النظرية العسكرية مثل «الاحتكاك» و«حرب التحالفات» وغيرها.
إذا نظرنا إلى «الدفاع الفسيفسائي» كمنظومة معاصرة تتمتع بقدرٍ من اللامركزية والمرونة، وخاصةً في أسلوب حرب غير متناظرة، نتذكّر كتابات غيفارا الذي أكّد أن المرونة والانتشار وتفويض السلطة للوحدات الصغيرة هي وحدها القادرة على مواجهة آلة حربية متفوقة في التكنولوجيا والتنظيم المركزي.
ومن الأفكار العسكرية الهامّة وذات الصلة لدى غيفارا، بناء القوة على «دعم الشعب» كبديل عن الدعم اللوجستي المركزي، حيث يقول: «يحتاج المقاتل في حرب العصابات إلى المساعدة الكاملة من شعب المنطقة، وهذا شرط لا غنى عنه». هذا الاقتباس يشير إلى أن البقاء والقدرة على الاستمرار لا تأتي من خطوط إمداد مركزية معرَّضة للقصف، بل من الاندماج في النسيج الاجتماعي، وهو ما يعادل في العقيدة الإيرانية الاعتماد على «حرس الثورة» و«الباسيج» كميليشيات شعبية متجذّرة في المجتمعات المحلّية.
«الاحتكاك»: بين الواقع و«الحرب على الورق»
ربما يكون مفهوم «الاحتكاك» أحد أهم إسهامات كلاوسفيتز في النظرية العسكرية، ويعرَّف الاحتكاك بأنّه: «الفرق بين الحرب على الورق والحرب في الواقع». ويقول كلاوسفيتز في كتابه «عن الحرب»: «كل شيء في الحرب بسيط، لكن أبسط الأمور صعب. هذه الصعوبات تتراكم وتنتج احتكاكاً لم يستطع أي كاتب عسكري حتى الآن وصفه... الاحتكاك هو المفهوم الوحيد الذي يميز الحرب الحقيقية عن الحرب الورقية».
نفهم من ذلك بأنّ كلاوسفيتز يقوم باستعارة من مفهوم الاحتكاك في الفيزياء، فعندما ينطلق جسم متحرك تحت تأثير قوة دافعة ما، أو ينزلق على منحدر تحت تأثير قوة الجاذبية، تكون المحصلة الواقعية مختلفة كثيراً عن النتيجة النظرية أو المثالية المتصوَّرة بلا احتكاك، كالتي تُدرس نظرياً بما يسمى الحركة «على وسادة هوائية» مثلاً. فالمسار الواقعي للأمور يتغيّر عند التطبيق العملي ودخول القوى الأخرى المؤثرة على الجسم المتحرك، ومن أهمّها قوى الاحتكاك بين الجسم والسطح الذي ينزلق عليه مثلاً، أو قوى الاحتكاك مع الهواء للجسم الساقط أو الطائر...إلخ. والمشكلة أنّ قوى الاحتكاك هذه قد لا يكون ممكناً في كثير من الأحيان التنبّؤ الكافي بها كمّياً على الأقل، إذا لم يكن نوعياً.
وفي العلم العسكري، يقصد كلاوسفيتز بالاحتكاك كلّ ما يعطّل التنفيذ السلس للخطط
العسكرية، والذي يشمل طيفاً واسعاً من العوامل المادّية والمعنوية أيضاً: سوء الأحوال الجوية، فشل الاتصالات، إرهاق الجنود، التأخير في وصول الإمدادات، المعلومات المضللة والخوف والحرب النفسية و«عدم اليقين».
كيف تستغل إيران الاحتكاك لصالحها؟
«الدفاع الفسيفسائي» الإيراني يسبّب عملياً تعظيم الاحتكاك لدى المهاجم - الولايات المتحدة و«إسرائيل» - بينما يقلل الاحتكاك لدى المُدافعين (الإيرانيين).
فعلى مستوى الاحتكاك المعلوماتي، يجعل انتشار القيادات الإقليمية المستقلة من المستحيل على الاستخبارات المعادية تتبع جميع «مراكز القرار» في وقت واحد أو على الأقل في الوقت المناسب. فكل قيادة محلية هي «مجهول» جديد في المعادلة يجب كشفه. بينما تعمل القيادات المحلية بمعلومات محلية أدقّ (من شبكات الحرس الثوري المتجذرة في المجتمع)، مما يقلل «ضباب الحرب» لديها.
وهناك الاحتكاك اللوجستي، حيث إنّ تخزين الأسلحة في آلاف المواقع الموزَّعة (مستودعات تحت الأرض في الجبال...إلخ) يجعل من المستحيل على القصف الجوي تدمير القدرات اللوجستية بالكامل. فلكل قيادة إقليمية مخزونها المستقل، مما يغنيها عن خطوط إمداد طويلة معرَّضة للقصف. حتى تصنيع الطائرات المسيّرة لا مركزي وموزّع على نقاط كثيرة في البلاد.
وهناك الاحتكاك العمليّاتي، حيث يشكّل تعدد الأهداف المحتملة لقصفها من العدو بسبب وجود 31 قيادة فسيفسائية وكثير من الوحدات الفرعية، إرباكاً للتخطيط العسكري للمُهاجم. فهجوم «قطع الرأس» لا يمكنه استهداف جميع القيادات في اللحظة نفسها.
وهناك المقاومة الشعبية كأهمّ عوامل الاحتكاك. ففي كتابه عن الحرب وبالحديث عن «الشعب المُسلَّح»، أشار كلاوسفيتز ضمنياً إلى أن حرب العصابات هي أداة مثالية لتوليد الاحتكاك: «المقاومة الشعبية لا يمكن سحقها في معركة واحدة حاسمة. إنها تشبه عملية تبخُّر بطيئة، حيث تختفي القوة في الفراغ وتظهر مجدداً في مكان آخر. كل محاولة لقمعها تزيد من اتساع رقعة التمرد». هذا الوصف ينطبق كذلك على الدفاع الفسيفسائي: القيادة التي تُقصف في طهران لا «تُهزم»، بل «تتبخر» لتظهر من جديد في أصفهان أو مشهد أو كرمانشاه.
«حرب التحالفات»: نقطة ضعف القوي
كلاوسفيتز، الذي عاش تجربة الحروب النابليونية التي شهدت تحالفات متعددة ضد فرنسا، كان مدركاً أن التحالفات العسكرية - كما هو الحال اليوم مع التحالف الأمريكي «الإسرائيلي»، أو التحالف الغربي مع دول المنطقة - تحمل في طياتها نقاط ضعف جوهرية يمكن استغلالها. فرغم أن التحالفات تجمع موارد أكبر، إلا أن كلاوسفيتز رأى فيها تحديات جوهرية:
1- اختلاف المصالح الاستراتيجية: كل حليف لديه أولويات مختلفة. وهذا الاختلاف يخلق «احتكاكاً سياسياً» يعيق التنفيذ العسكري.
2- مشكلة «الإرادة المشتركة»: يقول كلاوسفيتز: «عندما تجتمع عدة دول في تحالف، فإن إرادتها الجماعية في القتا-ل لا تكون أبداً بقوة إرادة دولة واحدة موحَّدة. التردد، التناقض، والانسحاب التدريجي للحلفاء هو القاعدة وليس الاستثناء».
3- التكلفة السياسية للهجوم: في الحرب غير المتماثلة، الخاسر الحقيقي ليس من يخسر الجنود، بل من تنهار إرادته السياسية أولاً. والتحالفات، بسبب تنوع المصالح، تكون أكثر عرضة لانهيار الإرادة مقارنةً مع الدول الموحَّدة. وإيران تستغل نقاط ضعف التحالف المعادي وتلعب على شقّ صفوفه، فهي لا تقاتل القوة العسكرية الأمريكية «الإسرائيلية» فقط، بل تقاتل الإرادة السياسية للتحالف، فإيران تدرك أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لحرب طويلة في المنطقة بعد تجارب العراق وأفغانستان. لذلك تصمم دفاعها ليكون حرب استنزاف طويلة، بحيث لا يمكن للرأي العام في مجتمع العدوّ تحمّلها، وقد بدأنا نشهد بالفعل على مشارف نهاية الشهر الأول من الحرب خروج مظاهرات حاشدة في الولايات المتحدة الأمريكية ضد الحرب، وحتى في «إسرائيل» أيضاً. كذلك تلعب إيران على التناقضات بين دول الخليج العربي من جهة والجانب الأمريكي-الصهيوني الذي يستغل هذه الدول ويدفعها إلى المحرقة ضد مصالح شعوبها.
الفرق الهامّ بين موقع المُدافع والمُهاجم
في تحليله للحملة النابليونية على روسيا (1812)، قدم كلاوسفيتز درساً خالداً: المُهاجِم يواجه دائماً مشكلة أنّ قوتَه تتناقص كلّما توغَّل في أراضي الخصم. خطوط الإمداد تطول، القوات تتفرق لتأمين المناطق المحتلة، والإرادة المحلية للمقاومة تزداد قوة. في المقابل، قوة المدافع تتركز وتزداد كلَّما اقترب المهاجم من المركز.
هذا هو بالضبط ما تواجهه «إسرائيل» والولايات المتحدة في أي مواجهة ليس مع إيران فقط، بل في جنوب لبنان وغزة أيضاً.
ومع قيام واشنطن بتوريط الجيش الأمريكي بإنزال أو محاولة توغّل برّي حتى ولو على الجزر، فإنّ أي هجوم من هذا النوع على إيران سيواجه تضاريس وعرة أو مساحات شاسعة، وتكون خطوط الإمداد الطويلة عبر العراق أو الخليج معرضة لهجمات الحرب غير المتناظرة من الجانب الإيراني.
«نِعمة الجغرافيا» والاستنزاف الاقتصادي
الجغرافيا عنصر أساسي في التخطيط البحري الإيراني. فالمساحة الضيقة للخليج، والتي يقل عرضها عن 100 ميل بحري في العديد من الأماكن، تحد من قدرة الأصول السطحية الكبيرة على المناورة، مثل حاملات الطائرات. لكنها بالعكس تلعب دوراً في تعزيز نقاط القوة لدى القوات البحرية الإيرانية. وتنتشر على الساحل الشمالي للخليج خلجان صخرية مناسبة بشكل مثالي لإخفاء التضاريس وعمليات القوارب الصغيرة، كما قام الإيرانيون بتحصين العديد من الجزر في الخليج التي تقع على طول ممرّات الشحن الرئيسية.
مضيق هرمز حسّاس استراتيجياً، حيث يبلغ عرض نقطة الاختناق البحرية الإستراتيجية هذه 29 ميلاً بحرياً فقط في أضيق نقطة لها. وإغلاق المضيق أثناء الصراع يقطع نحو 30% من إمدادات النفط العالمية. ونظراً لأهمية المضيق، فإن تعطيل حركة المرور البحرية فيه تشكل أداة فعالة لإيران للضغط الاقتصادي بالدرجة الأولى من أجل إيقاف العدوان، مما يعمّق تأثير الحرب اللامتناظرة والاستنزاف الاقتصادي لمعسكر العدوان الأمريكي-الصهيوني.
هدف إيران هو استنزاف المهاجم في حرب غير متناظرة حتى يصل إلى «نقطة التحول» ويضطر للانسحاب. وتعتمد على العمق الاستراتيجي والاستعداد الشعبي لها للتضحية مع استغلال نقاط ضعف أعداء إيران، الذين يكرهون المخاطرة ويخافون من الخسائر في صفوفهم وخاصةً البشرية منها، ويعتمدون بشكل مفرط على التكنولوجيا ومَرافق القواعد الإقليمية للوصول. وهنا ما تزال إحدى ملاحظات إنجلس في «ضدّ دوهرنغ» تحتفظ بأهمّيتها: «إنّ كلّ تنظيم الجيوش والأسلوب الذي تطبّقه في خوض القتال، وكذلك الانتصارات والهزائم، إنما تتوقف على الظروف المادية، أي الاقتصادية: العنصر البشري والسلاح».
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271