استراتيجية الدفاع الفسيفسائي الإيراني وتركيبها مع نظريات كلاوسفيتز وغيفارا وإنجلس (1)
تشير كثير من التحليلات العسكرية والأكاديمية إلى أنّ مبدأ «الدفاع الفسيفسائي»Mosaic Defense هو ابتكار إيراني محلّي، نشأ من رحم التجارب بعد غزو الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق. ويتلخص هذا المبدأ فيما يمكننا اعتباره صيغة خاصّة من العلاقة بين اللامركزية والمركزية في المجال العسكري، عبر تفويض الصلاحيات بشكل كامل إلى 31 قيادة إقليمية (في كل محافظة إيرانيّة) لتتمكن من شن حربٍ بشكل مستقل إذا تم تدمير القيادة المركزية في طهران. بعد 3 أسابيع من الحرب يتجلّى بوضوح أكبر نجاح هذه الاستراتيجية، كما يتبيّن تكاملها مع التحالف الأوسع للمقاومات في المنطقة، في تركيب لعدة دروس من تاريخ العلوم العسكرية، من كلاوسفيتز وإنجلس مروراً بغيفارا ووصولاً إلى أحدث نظريات وممارسات الحرب اللامتكافئة والاستنزافية، في وقتٍ ما زال فيه الأمريكي و«الإسرائيلي» عالقاً في إخفاقات الهجوم القصير السريع مع وهم «الحسم» عبر «قطع الرؤوس» وهو أسلوب تمتد جذوره بشكلٍ أو بآخر إلى «الحرب الخاطفة Blitzkrieg» النازيّة، وينسجم مع الجوهر الفاشيّ الذي يحرّك العدوان الأمريكي-الصهيوني المعاصِر، ولا سيّما تحت ضغط الهامش الزمني الضيّق على شفا الانهيار الاقتصادي.
يتفق عدد من الخبراء على أن الجذور الفكرية لمبدأ «الدفاع الفسيفسائي» أو «الموزاييكي» تعود إلى أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، وتحديداً بعد العام 2003. حيث استخلصت إيران العبر من الانهيار السريع لنظام صدّام حسين في العراق الذي كان يتصف بتركيزه الشديد للقيادة والسيطرة، مما جعله ينهار عند التعرض لضربات «قطع الرأس» الأمريكية.
تمت صياغة مبدأ الدفاع الفسيفسائي وتحويله إلى هيكل عسكري رسمياً عام 2009 على يد الجنرال محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني آنذاك، كخطة دفاعية استباقية. وفلسفة هذا المبدأ هي تفادي الوقوع في «نقطة فشل مفردة» (Single Point of Failure) من خلال تفويض الصلاحيات بشكل كامل لـ 31 قيادة إقليمية (في كل محافظة إيرانية) لتتمكن من شن الحرب بشكل مستقل تماماً إذا تم تدمير القيادة المركزية في طهران.
وبحسب ما كتب راهول باوا في 9 آذار 2026 (وهو مدير مركز الدراسات المتكاملة والشاملة في نيودلهي): «إنّ ما يُخطئ مهندسو هذه الحملة الجوية في تقديره هو أنّ إيران لم يتم بناؤها لتنجو من هذه الحرب من الأعلى، لقد تم بناؤها للبقاء على قيد الحياة من الأسفل. هذا هو الدفاع الفسيفسائي، ويمكن القول إنه الإطار العسكري الأكثر أهمية الذي ظهر في الشرق الأوسط في العقدين الماضيين».
الهندسة المعمارية للفسيفساء العسكرية
ويتابع الباحث الهندي راهول باوا موضحاً: «يعمل كل من قادة الحرس الثوري الإيراني الإقليميين البالغ عددهم 31 قائداً، كلّ منهم بترسانة أسلحته الخاصة، وسلاسل الخدمات اللوجستية، وأجهزة الاستخبارات، وميليشيات الباسيج، المدربين بشكل واضح على اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة، والتخطيط للهجمات، وشن حرب العصابات دون استشارة طهران. تشير اللغة الرسمية داخل الثقافة التشغيلية للحرس الثوري الإيراني إلى هذا باسم (بروتوكول الاستقلال التشغيلي)، الذي يتم تشغيله تلقائياً عندما تصبح القيادة المركزية غائبة. وأكد نائب وزير الدفاع الإيراني رضا تالاينيك علناً أن كلّ شخصية في هيكل القيادة قامت بتسمية خلفاء يمتدون ثلاث مراتب إلى الأسفل. إذا قتلت الجنرال، فإن عميده لديه أوامر مسبقة بالفعل. أنت تقتل العميد، ثم يستمر العقيد بالعمل...«.
وفي الأول من آذار 2026، بعد أن أدت الضربات «الإسرائيلية» إلى مقتل المرشد الأعلى، علي خامنئي، نشر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصةX : «التفجيرات في عاصمتنا ليس لها أي تأثير على قدرتنا على شن الحرب. يتيح لنا الدفاع الفسيفسائي اللامركزي أنْ نقرّر متى وكيف ستنتهي الحرب».
دور «الباسيج» والتوليف بين كلاوسفيتز وغيفارا
الباسيج هو «النسيج البشري الذي يجمع هذا الكائن معاً» بحسب وصف باوا. أنشأها آية الله الخميني عام 1979 كقوة تطوعية شعبية، وتعمل الآن كذراع فرعي للحرس الثوري الإيراني، ويشكل أعضاؤها الذين يقدر عددهم بمليون عضو العمود الفقري شبه العسكري تحت قوات الحرس الثوري المحترفة البالغ عددها 150 ألف جندي. وفي المقاطعات الساحلية، يتم تنظيم كتائب «عاشوراء» و«الإمام الحسين» في المدن للعمل بشكل مستقل، والدفاع عن المناطق الجغرافية المحددة، والاستفادة من القرب من المراكز اللوجستية وشبكات الطرق الساحلية لضمان حركة مرنة وسريعة للأصول القتالية بين القطاعات. هذه ليست جيوشاً مجندة تنتظر أوامر عبر الراديو، بل لديهم حزم المهام المعينة مسبقاً. إنهم يعرفون تضاريسهم بالطريقة التي يعرف بها المزارع حقله، ويعزّزون وجود 31 جيشاً منفصلاً ومتحمساً (ومعبّأً أيديولوجياً) ومدمجاً جغرافياً في وقت واحد.
إذا بحثنا عن قراءة لتنظيم الباسيج من منظور كلاوسفيتز، ربما يكون أقرب لمفهومه عن «الشعب المسلَّح». إنّ كلاوسفيتز، في تحليله للحرب الأهلية الإسبانية ضد نابليون، رأى أنّ الشعب المُسلّح يمكن أن يكون قوة فعالة إذا توفرت شروط محددة: 1- أن تكون الحرب دفاعية وليست هجومية. 2- أن تغطي مساحات شاسعة من الأراضي. 3- أن يكون الطابع الوطني للشعب متحمساً للقتال. 4- أن تكون التضاريس وعرة وصعبة على جيشٍ نظامي.
الباسيج يحقق هذه الشروط الأربعة: فالباسيج يُستدعى للدفاع عن إيران، لا للهجوم. وينتشر في كل المدن والقرى الإيرانية. ولديه طابع وطني وأيديولوجي حماسيّ، حيث إنّ أعضاءه مدفوعون بولاية الفقيه والأيديولوجية الثورية المرتبطة بها. كما أنّ جبال زاغروس والمناطق الوعرة هي بيئة طبيعية لعملياته.
لكن كلاوسفيتز في زمانه أضاف تحذيراً مهماً: «لا يمكن الاعتماد على حرب العصابات كبديل عن الجيش النظامي. فدورها مساعد وليس أساسياً». وهنا يكمن اختلاف، حيث في العقيدة الإيرانية، الباسيج ليس مجرد «مساعد» للجيش النظامي، بل هو جزء لا يتجزأ من الهيكل الدفاعي الأساسي، ويُعتبر في بعض السيناريوهات (مثل الدفاع الحضري) العنصر الأكثر أهمية.
هل يمكن قراءة دور الباسيج من منظور تشي غيفارا عن «الطليعة الشعبية المقاتلة»؟ لقد رأى غيفارا أن حرب العصابات تعتمد على «النواة المسلحة الطليعية» التي تنبثق من الشعب وتقوده. قد يكون في الباسيج شيء من هذا ولكن هناك فروقاً جوهرية: فالباسيج رغم الانتشار ليس مستقلّاً عن أيّ سلطة مركزية، فهو تابع للحرس الثوري، منضبط في هيكل قيادة مركزي (رغم اللامركزية التكتيكية)، وهنا نلاحظ توليفة خاصة بين المركزية واللامركزية. إنه يعمل في المناطق الريفية والنائية، ومنتشر في المدن والأرياف، لكن تركيزه الأكبر في المراكز الحضرية والمناطق الفقيرة. من حيث التسليح يحمل الباسيج أسلحة غير ثقيلة، ويمتلك ترسانة متنوعة (صواريخ، طائرات مسيرة، أسلحة خفيفة) بدعم من الحرس الثوري. وباختصار يمكن اعتبار الباسيج أحد التطبيقات العملية لفكرة غيفارا عن «اندماج المقاتل في الشعب»، لكنه للحفاظ على النظام وليس للانقلاب عليه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1270