الحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» تهدّد بيئتنا وصحتنا لعقود قادمة

الحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» تهدّد بيئتنا وصحتنا لعقود قادمة

كانت المنشآت النفطية ضمن الأهداف التي قصفتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» في إيران، مما تسبب بتشكل سحاب أسود ملوَّث وأمطار حامضية تحمل مواد خَطِرة على البيئة الطبيعية والإنسان وبقية الكائنات الحية، بما فيها مواد مسرطنة، فضلاً عن تهديد المسطحات والمجاري المائية. وهذه الأضرار البيئية لا تعرف حدوداً سياسية، فهي تهدّد إيران وجيرانها في كل منطقة غربي آسيا، سواء البلاد العربية أو غيرها، الأمر الذي يجعل قصفها بمثابة استخدام غير مُعلَن لسلاح كيميائي وجريمة حرب.

تحدثت كثير من التقارير والشهادات عن مستوى من التلوث تلا تلك الضربات لدرجة أنّ الناس في بعض المدن والمناطق الإيرانية عندما خرجوا إلى الشارع وجدوا أسطح السيارات مثلاً مغطاة بطبقة زيتية (نفطية) ولا تكاد تستطيع التحرك دون أن تتلوث يديك بهذه المواد.
وهطل ما يسمى «المطر الأسود» الناجم عن تلوث الهواء الحاد، حيث تتصاعد أعمدة دخان هائلة تحتوي على جسيمات دقيقة ومواد مسرطنة. وصدرت تحذيرات من تلوث المياه الجوفية والأنهار بالأمطار الحمضية والمواد السامة، مما قد يؤثر على إمدادات مياه الشرب والزراعة داخل إيران وفي بلدان مجاورة أيضاً.
وتشمل التأثيرات الصحية مخاطر فورية كصعوبات التنفس والحروق الكيميائية، وأخرى طويلة الأمد مثل زيادة خطر الإصابة بالسرطان والأمراض المزمنة، استناداً لتحذيرات منظمة الصحة العالمية.


متلازمة حرب الخليج


وقارنت كثير من التقارير ما يجري الآن بما سبق أن حدث في حرب الخليج الثانية قبل 35 عاماً. وسبق أن تم نشر كثير من الدراسات التي تناولت تداعيات حرب الخليج تلك، بما فيها الأضرار الصحية والبيئية. خلفت حرب الخليج الثانية تداعيات بيئية خطرة استمرت لسنوات طويلة، وانعكست آثارها على صحة البشر، بما فيهم الجنود الذين شاركوا في تلك الحرب، والذين أصيبوا بما بات يعرف علمياً باسم «متلازمة حرب الخليج»، وهي مجموعة من أعراض مزمنة أصابت عدة أجهزة في الجسم، ولم يكن لها سبب واحد واضح في البداية.
وكان من أعراضها إرهاق شديد مزمن، وصداع متكرر، وآلام في العضلات والمفاصل، واضطرابات الذاكرة والتركيز، ومشاكل النوم، واضطرابات في الجهاز الهضمي، ومشاكل تنفسية، وطفح جلدي أحياناً.
ولا تزال تلك المتلازمة تشغل اهتمام الباحثين والأطباء إلى الآن، وربطت دراسة نشرتها دورية «علوم الدماغ» Brain Sciences في شباط من عام 2022 حدوث هذه المتلازمة بعدة عوامل محتملة، منها التعرض لدخان حرائق آبار النفط في الكويت، واستنشاق الجسيمات الدقيقة والملوثات مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، والتعرض للمطر الأسود المحمَّل بالجسيمات الملوثة.
الدراسات التي تناولت تلك المتلازمة ركزت على صحة الجنود الذين تواجدوا في محيط الأحداث، وأشارت إحدى الدراسات التي نشرتها دورية «الطب العسكري» Military Medicine في شباط 2020، إلى أن نحو 25–32% من الجنود المشاركين في الحرب ظهرت لديهم أعراض من «متلازمة حرب الخليج» بدرجات مختلفة، وكشفت دراسات وتقارير أخرى أن من بين مسبباتها «المطر الأسود»، وأنها كانت عابرة للحدود، ولم تقتصر على النطاق المحلي.


كيف يحدث المطر الأسود؟


يحدث «المطر الأسود» بسبب وجود جسيمات دقيقة عالقة في قطرات الماء، فتصبغها باللون الأسود الداكن، وتبدأ هذه الظاهرة بانبعاث الجسيمات في الهواء مثل سخام الكربون الأسود، والمركبات العضوية، والمعادن الثقيلة، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، نتيجة حرائق المنشآت النفطية أو حرائق الغابات أو حرق الوقود والمواد العضوية الأخرى، ثم تحمل الرياح هذه الجسيمات لمسافات طويلة، وتصل الخفيفة منها (مثل الدخان العضوي) إلى الطبقات العليا من الجو، بينما تبقى الثقيلة منها أقرب لسطح الأرض.


التركيب الكيميائي للمطر الأسود


بعد ساعات فقط من القصف الذي استهدف خزانات النفط في طهران، لاحظ السكان والمراسلون هطول أمطار سوداء وزيتية. هذه الظاهرة هي نتيجة مباشرة لتفاعل مياه الأمطار مع الملوثات الهائلة المنبعثة في الجو. وحرائق المنشآت النفطية لا تنتج الدخان فقط، بل تطلق مزيجاً معقداً من المواد شديدة السمية. وفقاً لتحليل البروفيسور غابرييل دا سيلفا، خبير الكيمياء الجوية، فإن هذا المطر يحتوي على المواد الآتية:
_ أحماض قوية: مثل حمض الكبريتيك H₂SO₄ وحمض النيتريك HNO₃، الناتجة عن تفاعل ثاني أكسيد الكبريت SO₂ وأكاسيد النيتروجين NOx مع الماء، وهي المكونات الأساسية للمطر الحمضي.
_ مواد مسرطنة: مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs) والتي تُعتبر من أخطر ملوثات الهواء.
_ جسيمات دقيقة وخطرة: سخام الكربون الأسود، والمعادن الثقيلة، والجسيمات الدقيقة PM2.5 التي تخترق الرئتين وتصل إلى مجرى الدم.
ويقول الدكتور أكشاي ديوراس من جامعة ريدينغ: «أدت الغارات الجوية على مستودعات النفط إلى انبعاث السخام والدخان وجزيئات النفط ومركبات الكبريت، وربما المعادن الثقيلة... وهيّأ نظام جوي منخفض الضغط الظروف الملائمة لهطول الأمطار».


من الحروق الفورية إلى السرطان


حذرت منظمة الصحة العالمية والهلال الأحمر الإيراني من مخاطر صحية جسيمة. وشملت المخاطر الحادة المباشرة صعوبة التنفس، والصداع، وحرقة العيون والحلق بين سكان طهران. وحذر الهلال الأحمر من أن الأمطار الحمضية قد تسبب حروقاً كيميائية في الجلد وأضراراً خطيرة في الرئتين.
أما المخاطر المزمنة طويلة الأمد فتنجم عن التعرض لمواد مثل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs) مما يزيد من خطر الإصابة بالسرطان. كما أن الجسيمات الدقيقة يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات لدى النساء الحوامل والأجنّة، واضطرابات عصبية، وأمراض قلب على المدى البعيد، ممّا يطرح تساؤلات جدّية حول نيّة إجرامية مسبقة وحتّى إباديّة عبر التأثير على الإنجاب واستهداف تشويه الأجيال اللاحقة.


هل الخطر محدود بإيران؟


الإجابة المستندة إلى التجارب السابقة هي أن الخطر لا يمكن حصره داخل الحدود الإيرانية. فسابقة حرب الخليج (1991) بيّنت أنّ سحب الدخان الناتج عن حرق آبار النفط في الكويت انتقلت لمسافات شاسعة. ووصل «المطر الأسود» إلى تركيا (محافظات أضنة وهاتاي وشانلي أورفا) واستمر تأثيره في الغلاف الجوي لنحو 15-20 عاماً. كما وصل التلوث إلى السعودية وقطر.
وتعتمد آلية الانتشار وسرعة واتجاه انتقال الملوثات على الظروف الجوية وسرعة الرياح في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. ويمكن لسحابة الدخان أن تنتقل آلاف الكيلومترات في غضون أيام قليلة إذا توفرت الظروف المناسبة.
بالنسبة للتهديد الحالي، يتحدث الخبراء عن احتمال تكرار سيناريو مشابه، وخاصة مع استمرار القصف واتساع رقعته.


تهديد الأنهار والمياه العابرة للحدود


يمثل تلوث المياه خطراً عابراً للحدود بامتياز. وحذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من تلوث المياه بالأمطار الحمضية. فعندما تتساقط الأمطار الملوثة على الأرض، فإنها تغسل الملوثات لتصل إلى الأنهار والمجاري المائية والبحيرات والمياه الجوفية.
إيران تتشارك أحواضاً مائية وأنهاراً مع عدة دول مجاورة (مثل تركيا والعراق وأرمينيا وأذربيجان وأفغانستان وباكستان). وبالتالي فإن أي تلوث شديد يصل إلى الروافد العليا لهذه الأنهار ينتقل حتماً إلى الدول الواقعة في مصب النهر. وهذا يشكل تهديداً خطراً للزراعة ومياه الشرب في تلك البلدان أيضاً.
وفي الجنوب، امتدت الهجمات لتشمل البنية التحتية النفطية في الخليج. فوجود أكثر من 68 ناقلة نفط عالقة في مضيق هرمز، واستهداف محطات التحلية والنفط في البحرين والإمارات، يهدد بكارثة تسرب نفطي واسعة في الخليج العربي، وهو نظام بيئي مغلق وحساس للغاية. هذا التلوث سيهدد فوراً الثروة السمكية والشعاب المرجانية ومصادر المياه المحلاة التي تعتمد عليها دول الخليج بأكملها.
يجمع الخبراء من منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة وغيرها على أن التداعيات البيئية لهذه الحرب لن تتوقف عند الحدود الإيرانية. فالتجارب السابقة والنماذج العلمية تؤكد أن التلوث النفطي والكيميائي، سواء في الهواء أو الماء، هو قوة عابرة للحدود. وعلى الدول المجاورة والعالم الاستعداد لسيناريوهات تلوث واسعة النطاق قد تطال الموارد المائية والهواء والأمن الغذائي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1269