العلم والتوليف: هل يُقيّد الرأسمالية المتأخرة التفكير النسقي الذي يتطلبه العلم؟

العلم والتوليف: هل يُقيّد الرأسمالية المتأخرة التفكير النسقي الذي يتطلبه العلم؟

في عصر تتسارع فيه وتيرة الأزمات البيئية والمناخية، وتتعقّد فيه التحديات الوبائية والتكنولوجية، يبرز سؤال جوهري يشغل بال المفكرين والعلماء على حدٍّ سواء: هل تتطلب العلوم المعاصرة، مثل علم البيئة وعلم الأوبئة، فلسفةً تكامليةً قادرةً على ربط الخيوط المتناثرة للمعرفة؟ وهل تُفاقم الأزمةُ البيئية الراهنَة بسبب غياب التفكير النسقي الذي يربط بين الظواهر بدلاً من عزلها؟

ترجمة وإعداد بتصرف: بناءً على مقالة لهيلينا شيهان، منشورة في موقع MR Online

تبدأ الكاتبة، هيلينا شيهان، مقالتها بتأكيد أن علم البيئة، أكثر من أي حقل معرفي آخر، يستدعي تفكيراً نظامياً شاملاً. فلفهم ظواهر مثل انبعاثات الكربون، وفقدان التنوع الحيوي، وتطور الفيروسات، لا يكفي الاعتماد على تخصصٍ واحد؛ بل يتطلب الأمر استدعاء علوم طبيعية متعددة—من الأحياء التطورية والكيمياء الحيوية الجيولوجية إلى علم المناخ وعلوم التربة—إلى جانب علوم اجتماعية كالاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع. لكن السؤال الأعمق هو: إلى أي مدى تتحقق هذه التكاملية فعلياً في الممارسة العلمية المعاصرة؟


مسار التخصص والانفصال


تُشير شيهان إلى أن مسار تطور العلم عبر القرون اتجه نحو التخصص المتزايد والتفتت المعرفي. فبدلاً من بناء رؤية شاملة، نجد أنفسنا نعرف «أكثر فأكثر عن أقل فأقل». ورغم أن لهذا التقسيم الفكري للعمل جوانب إيجابية تتيح التعمق التقني، إلا أن عواقبه السلبية تتمثل في فقدان القدرة على رؤية الصورة الكبرى. فبينما تتراكم البيانات وتتوالى التجارب، يظل السؤال الفلسفي حاضراً: كيف تتضافر هذه المعرفة المتناثرة؟ وماذا تعني في سياقها الكلي؟
وتُضيف أن النظم البيئية لا يمكن فهمها إلا من خلال تفكير نسقي يربط بين مكوناتها الحيوية واللا حيوية، وهي بدورها مُضمَّنة في أنظمة اجتماعية-اقتصادية-سياسية أوسع. غير أن العلماء، في غالبيتهم، لا يتلقون تدريباً على هذا النوع من التفكير التكاملي، ولا على تاريخ العلم أو فلسفته أو اقتصاده السياسي. ونتيجة لذلك، يمارسون عملهم ضمن إطار «وضعي» ضمني، دون وعي نقدي بالافتراضات المعرفية التي تحكم منهجهم، أو بالقوى الاجتماعية التي تشكّل أجندات البحث العلمي.


ارتباك معرفي وأزمة ثقة


تُسلط المقالة الضوء على حالة من «الارتباك المعرفي» العميق تحيط بمكانة العلم في الوعي العام. فليس هناك تنازع في الادعاءات العلمية فقط، بل تضارب في المعايير المستخدمة لتقييمها. بل إن بعض التيارات، تحت شعار «دراسات العلم النقدية»، تستخدم العلم نفسه لتبرير نزعات غامضة أو لا عقلانية. ومثال ذلك التفسيرات المشوّهة لمبدأ اللايقين لهايزنبرغ في فيزياء الكم، التي تُستغل للقفز إلى استنتاجات حول «عدم القابلية للمعرفة» أو حتى لتبرير معتقدات خارقة للطبيعة.

وتتفاقم هذه الأزمة مع تزايد تسليع المعرفة وخضوع البحث العلمي لمنطق السوق. فالشكوك حول نزاهة العلم وأخلاقياته لم تعد حكراً على تيارات هامشية، بل امتدت لتشمل أطيافاً واسعة من اليسار الجديد واليمين الشعبوي، الذي بات قادراً على تقويض البنى التحتية للصحة العامة والحماية البيئية على المستوى الدولي. وتؤكد الكاتبة أن جزءاً كبيراً من هذا التشكيك مبرر، لأن الرأسمالية قوةٌ جبارة في تشكيل أولويات العلم وتشويه نتائجه. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى موقف نقدي؛ الوقوف مع العلم، ولكن ضد الرأسمالية.


الفلسفة في عصر الرأسمالية...صعود وهبوط


تُقدّم شيهان تحليلاً تاريخياً لافتاً لمسار الفلسفة تحت ظل الرأسمالية. فبينما أخذت البرجوازية الصاعدة الفلسفة على محمل الجد في صراعها ضد الإقطاع، وسعت إلى بناء هيمنة ثقافية عبر نظريات معرفية وأنطولوجية وسياسية متجذرة في الفردية والتعددية، سرعان ما أدى تطور الرأسمالية إلى تناقضات داخلية لم تستطع حلها. ومع تحول الرأسمالية إلى طورها «المتدهور»، تضاءل نصف قطرها المعرفي، وفقدت الفلسفة مكانتها المركزية. وما تبقّى منها أصبح مشتتاً بين وضعية تجريبية ضيقة الأفق، وتفكيكية ما بعد حداثية تنكر للسرد الكلي وللمعنى.
وتُلاحظ الكاتبة أن الحوارات الفلسفية الكبرى التي كانت تحتدم في الأوساط الأكاديمية قبل عقود قد خفت صوتها، دون أن تُحلّ أسئلتها الجوهرية. وحلت محلها إما صمتٌ غريب، أو انتقائية هشة لا ترقى إلى مستوى التوليف الحقيقي. وفي هذا السياق، تبرز المفارقة المركزية لعصرنا؛ فبينما لم يسبق للرأسمالية العالمية أن كانت قوةً شمولية بهذا القدر، لم يسبق أيضاً أن وُوجه التفكيرُ الشمولي بمثبطاتٍ قويةٍ مثل تلك التي تفرضها اليوم. فالرأسمالية، بحكم بنيتها، تعيق التفكير النسقي وتخفي حقيقتها كنظام.


لماذا الماركسية؟


في مواجهة هذا المأزق، تطرح شيهان السؤال: هل توجد فلسفة مُثلى للعلم؟ وتُجيب بأن ليس أي فلسفة تصلح لهذا الغرض. فبعض الافتراضات الفلسفية تحجب الرؤية، وأخرى تنير الدرب. والفلسفة التي تحتاجها العلوم المعاصرة يجب أن تكون:
مادية/طبيعية: تفسر العالم من خلال العالم ذاته، دون اللجوء إلى قوى خارجية.
تركيبية معرفياً: تجمع بين عناصر التجريبية والعقلانية، مع إعطاء الأولوية للأدلة التجريبية وتعميمها نظرياً.
ناقدة للاختزالية: تؤكد على مستويات التكامل والانبثاق في النظم المعقدة.
تاريخية وزمنية: تدرك البعد التطوري والزمني للظواهر.
كلانية: ترى كل ظاهرة في سياق شبكة ديناميكية من التفاعلات، مع الإقرار المادي للوعي والإرادة.
ناقدة للاقتصاد السياسي: تحلل العلاقة الجوهرية بين العلم والبنية الاقتصادية.

وتخلص الكاتبة إلى أن هذه المواصفات تتجسد في شكل تطوري وتكاملي وانبثاقي للمادية، وهو في جوهره نقد للرأسمالية ورؤية للاشتراكية—أي: الماركسية.


الماركسية وفلسفة العلم:تقليد غني مُهمَّش


تُذكّر شيهان بأن الماركسية طورت تقليداً غنياً فيما سمّاه جون ديزموند برنال «علم العلم»، وقد تبنّى هذا التقليد أجيال من المثقفين في معارك الأفكار والنضال من أجل التغيير. وقد قدّمت الكاتبة نفسُها، في كتابها الماركسية وفلسفة العلم: تاريخ نقدي، سرداً شاملاً لهذا التقليد ودفاعاً عنه مقابل المواقف الأخرى في فلسفة العلم. كما تناول جون بيلامي فوستر هذا التاريخ بتركيز على البيئة في كتابه عودة الطبيعة: الاشتراكية والبيئة.
ورغم هذا الغنى، ظلّت فلسفة العلم الماركسية مُهمَّشة في الأوساط الأكاديمية السائدة، التي لا تزال أسيرة التوتر بين العلم كتجريب موضوعي والعلم كبناء اجتماعي. غير أن الماركسية، بحسب شيهان، قد حلت هذا التوتر عبر توليف يقرّ بالصلاحية المعرفية للعلم القائم على التحقيق التجريبي، وفي الوقت نفسه يربطه عضوياً بالاقتصاد والثقافة والفلسفة. وبهذا، ترتقي الماركسية فوق كل أشكال الوضعية وما بعد الوضعية وما بعد الحداثة، لأنها تستند إلى تدفق البيانات الملموس بينما تتطلع نحو الكلّ، في مواجهة مسار التفكيك الذي تفرضه الرأسمالية.


خاتمة: الماركسية كأفق لا يُستبدل


تختم هيلينا شيهان مقالتها بالتأكيد على أن الرأسمالية لا تولّد الظلم الاقتصادي والفساد السياسي فحسب، بل تسمم أيضاً الطبيعة والثقافة والتعليم والحياة اليومية. فهي لا تستعمر الاقتصادات والحكومات وحسب، بل تمتد إلى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وحتى إلى النفوس البشرية. وفي ظل هذه الهيمنة الشمولية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى فلسفة قادرة على كشف الترابطات الخفية وتقديم رؤية تحررية.
ففي عالم يخيّم فيه شبح الكارثة المناخية والأوبئة المستقبلية والتهديد النووي، تقدم الماركسية السياق والعمق والمنظور. فهي لا تقدم تحليلاً نسبياً للمشكلات وترابطاتها فحسب، بل ترسم أيضاً مساراً نحو حلول نسقية جذرية. وفي هذا، تظل الماركسية، كما تؤكد الكاتبة، الأفق الذي لا يُستبدل لفهم عالمنا وتغييره.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268