أسرع من أمريكا بـ 16 مرّة: اختراق صيني جديد في استخراج «الذهب الأبيض»

أسرع من أمريكا بـ 16 مرّة: اختراق صيني جديد في استخراج «الذهب الأبيض»

ذكرت صحيفة الشعب الصينية في 22 كانون الثاني الماضي 2026، أنَّ الصين حققت إنجازاً صناعياً هاماً يمثّل خَرقاً تكنولوجياً في استخراج الليثيوم، الذي يلقّب أيضاً بـ«الذهب الأبيض»، وهو المعدن الأساسي لكثير من البطاريات الحديثة، وخاصةً في السيارات الكهربائية، وذلك بإطلاقها أول خط إنتاج في العالم بسعة 20 ألف طن، يستخدم تقنية مبتكرة لاستخراج الليثيوم من محلول ملحي في بحيرة مالحة.

إنّ الليثيوم، الذي يُطلق عليه أيضاً اسم «الذهب الأبيض» عنصرٌ أساسي في بطاريات شوارد الليثيوم القابلة لإعادة الشحن، والتي تُستخدم لتشغيل المركبات الكهربائية والإلكترونيات الاستهلاكية وأنظمة تخزين الطاقة واسعة النطاق.
وفي البداية، ولأخذ فكرة سريعة عن أهمّية هذا الإنجاز الجديد، نَذكر أنّ مركز أبحاث «كاتوسا» الكَندي كان قد نشر تغريدة (قبل يومين من خبر صحيفة الشعب المشار إليه)، جاء فيها: «ازدهار البطّاريات الصينية يرفع أسعار الليثيوم؛ فبينما استغرقت الولايات المتحدة 365 يوماً وهي تكافح لبناء ما يقرب من 50 غيغاواط ساعيّ من تخزين الشبكة، حطّمت الصين هذا الرقم في 31 يوماً فقط في شهر كانون الأول الماضي. إنهم يعيدون كتابة خريطة الطاقة العالمية». وللدقة أكثر فإنّ الصين خلال شهر واحد بنت 65 غيغاواط ساعيّ وليس فقط 50، بحسب صورة الإنفوغراف التي أرفقها مركز الأبحاث الكندي بتغريدته التي أكدت أنّ الصين تصبح بذلك أسرع بـ 16 مرة من الولايات المتحدة في هذا المجال.
ولا يقتصر الأمر على السرعة والكفاءة، بل وتعتبر التقنية الجديدة نموذجاً أكثر استدامة وصداقة للبيئة، لأنها تستخدم كميات أقل من المياه العذبة، وتتجنب برك النفايات الكيميائية الكبيرة، مقارنةً بالطريقة التقليدية في استخراج الليثيوم بالتبخير الشمسي.


التقنية الجديدة مقارنةً بالتقليدية


يمثل خط الإنتاج الصيني الجديد تقدماً كبيراً في معالجة الليثيوم من البحيرات الملحية، وهو نوع من الموارد الوفيرة في الصين، ولكن تاريخياً كان استغلاله بكفاءة أمراً صعباً نظراً لارتفاع معدلات الفقد أثناء التبخير الشمسي التقليدي في أحواض الملح. ويضع هذا المشروع الصين في طليعة الدول في مجال تصنيع الليثيوم السائل، متنافسةً مع مشاريع كبرى أخرى في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية لتحديد مستقبل إمدادات الليثيوم.
إنّ التبخير الشمسي التقليدي يعتمد على ضخ المحلول الملحي إلى برك واسعة مكشوفة حيث تعمل الشمس والرياح على تبخير الماء على مدى 12–24 شهراً، مما يؤدي إلى تركيز أملاح الليثيوم تدريجياً. وهي طريقة بطيئة وتُضيِّع كمية كبيرة من الليثيوم (50-80%)، وتستهلك كميات هائلة من المياه، بما فيها المياه العذبة، وتتطلب مساحات شاسعة من الأراضي وتستهلك كميات هائلة من المياه العذبة (لكل 3 طن من الليثيوم تحتاج تقريباً إلى هكتار واحد من الأرض و1350 متر مكعب من الماء العذب). كما أنها تُعرّض التربة والمياه لخطر التلوث.

أمّا التقنية الصينية الجديدة فهي نوع خاص مطوَّر من تقنيات استخراج الليثيوم بالامتزاز DLE (ومصطلح الامتزاز adsorption يعني تراكم الذرات أو الجزيئات على سطح مادة صلبة أو سائلة). وتتم عبر عملية كيميائية مُوجَّهة تستخدم مواد ماصة مُصممة خصيصاً (مثل أكاسيد التيتانيوم أو الألومنيوم) تعمل كالمغناطيس، حيث تلتقط أيونات الليثيوم بشكل انتقائي من المحلول الملحي أثناء تدفقه عبر النظام. ثم يُغسل الليثيوم الملتقط عن المادة الماصة باستخدام حمض مخفَّف، مما ينتج عنه محلول ليثيوم نقي في غضون ساعات أو أيام. هذه الطريقة سريعة، ولا تضيّع سوى كمية أقل بكثير من الليثيوم (رفعت نسبة استخلاصه إلى 90%)، ولها تأثير بيئي أصغر.
بدأ تشغيل المنشأة، التي بنتها شركة «تشينغهاي سيتيك غوان» لتطوير التكنولوجيا المحدودة في مقاطعة تشينغهاي شمال غرب الصين، بكامل طاقتها الإنتاجية المستهدفة. وسيساهم التشغيل الناجح لخط الإنتاج هذا بشكل ملحوظ في تعزيز معدل الاستخدام الأمثل لموارد الليثيوم في البحيرات المالحة الصينية، وإطالة عمرها الإنتاجي. ويُنظر إلى هذا الإنجاز كخطوة محورية في بناء سلسلة إمداد ليثيوم أكثر اكتفاءً ذاتياً وأماناً للصين، مما يدعم الأمن الاستراتيجي لقطاع الطاقة الجديد المزدهر فيها.
ورفعت التقنية الأساسية معدل استخلاص الليثيوم من مرحلة أحواض الملح، حيث كان متوسط ​​المعدلات في الصناعة أقل من 50%، فأصبح أكثر من 78%. وارتفع معدل استخلاص الليثيوم الإجمالي في ورشة الإنتاج بأكملها من 75.38% إلى 90.41%.

إحدى ميزات الطريقة الجديدة أيضاً هو استخراج المزيد من بقايا الليثيوم في إحدى المراحل والذي كان يضيع كثير منه بالطريقة التقليدية، حيث تمت استعادة أكثر من 98% من الليثيوم المتبقي، مما يُضيف قيمة كبيرة ويُخفض التكاليف الإجمالية بأكثر من 30%.

وإلى جانب تحسين الإنتاجية، تُقلل الطريقة الجديدة بشكل كبير متوسط ​​دورة إنتاج كربونات الليثيوم المستخدمة في البطاريات، وتُقلل بشكل كبير من فقد الليثيوم مقارنةً بعمليات التبخير التقليدية.
وتضمن هذه التقنية أيضاً الاستخدام الأمثل للموارد المرتبطة بها، مثل البوتاسيوم والبورون، دون أي تأثير، مما يعزز التآزر بين كفاءة استخدام الموارد، والجدوى الاقتصادية، والاستدامة البيئية.
وتتغلب هذه التقنية على تحديات تاريخية محدَّدة في استخلاص الليثيوم من البحيرات الملحية، وأهمّها حلّ مشكلة فصله عن
المغنزيوم؛ فالبحيرات الملحية غالباً ما تحتوي على تركيزات عالية من المغنيزيوم إلى جانب الليثيوم، مما يجعل فصلهما صعباً ومكلفاً. ويُعدّ التبخير الشمسي التقليدي بطيئاً ويؤدي إلى فقدان كبير لليثيوم خلال عملية التركيز المطوّلة. أما التقنية الصينية الجديدة فتستخدم مادة ماصَّة خاصة لالتقاط أيونات الليثيوم بشكل انتقائي مباشرةً من المحلول الملحي المعالَج مسبقاً. وهذا يُغني عن الحاجة إلى التبخير المكثَّف والمعرِّض للفقدان في أحواض الملح، ويعالج بشكل جذري مشكلة ارتفاع نسبة المغنيزيوم إلى الليثيوم.
ومن خلال هذا التبكير في خطوة استخلاص الليثيوم ضمن سلسلة المراحل، يتم تقليص دورة الإنتاج من سنتين إلى أقل من شهرين في المشاريع المتقدمة.


مقارنة بالسياق العالمي


يُعدّ استخدام الصين الواسع النطاق لتقنية استخلاص الليثيوم المباشر بالامتزاز جزءاً من تحوّل صناعي عالمي، حيث يجري تطوير تقنيات مماثلة لاستخلاص الليثيوم المباشر، بما في ذلك الاستخلاص بالمذيبات، والترشيح النانوي، والتحليل الكهربائي الغشائي، لجعل إمدادات الليثيوم أسرع وأكثر استدامة.
وعلى الرغم من أنّ هناك مشروعاً أمريكياً مشابهاً، في بحيرة سالتون بولاية كاليفورنيا، يهدف بدعم من وزارة الطاقة الأمريكية إلى إنتاج 20 ألف طن من هيدروكسيد الليثيوم سنوياً (باستخدام تقنية الاستخلاص المباشر لليثيوم من المحلول الملحي الحراري الأرضي)، لكن خطة الإنتاج لن يبدأ تنفيذها قبل العام 2027، هذا عدا عن التحديات المتعلقة بالمحاليل الملحية المعقدة ومتانة المواد. كما أنّ الفائدة البيئية الكاملة لا تتحقق إلّا عند تحسين العملية برمتها، بدءاً من المحلول الملحي وصولاً إلى المنتج النهائي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1263