الثورة الصخرية والإمبريالية الطاقية الأمريكية: تبعية المكسيك وإعادة تشكيل الهيمنة العالمية
الملخص: تشكل التحولات في قطاع الطاقة العالمي محوراً أساسياً لإعادة إنتاج الهيمنة الجيوسياسية. تبحث هذه الدراسة في التحول الاستراتيجي للإمبريالية الأمريكية المرتكزة على الوقود الأحفوري، مع التركيز على نقطة التحوّل الحاسمة المتمثلة في «الثورة الصخرية» (التكسير الهيدروليكي). تزعم الورقة أن هذه الثورة لم تُعِد للولايات المتحدة درجة من الاكتفاء الذاتي فحسب، بل أعادت أيضاً تسليح قدرتها الجيوسياسية من خلال هندسة تبعيات إقليمية جديدة، وإعادة تشكيل تحالفات الطاقة. يُفحص هذا التحول من خلال دراسة حالة مفصلة للمكسيك، التي تتحول من رمز للسيادة الطاقية في القرن العشرين إلى فضاء حيوي تابع في الشبكة الطاقية المهيمنة أمريكياً. تخلص الدراسة إلى أن هذا النموذج الجديد للهيمنة، الذي يجمع بين الابتكار التكنولوجي والإخضاع الجيوسياسي، يُعمق التبعية البنيوية، ويُهدد الاستقلال الطاقي للدول التابعة، وسط تنافس عالمي متصاعد وتفاقم الأزمة البيئية.
ماتيو كروسا، أستاذ باحث في معهد مورا، مدينة مكسيكو.
مقدمة: الوقود الأحفوري وعصب الإمبريالية الأمريكية
تاريخياً، ارتكزت القوة الإمبريالية للولايات المتحدة على سيطرتها على موارد الوقود الأحفوري العالمية، مستخدمة إياها كآلية مركزية للنفوذ الجيوسياسي. مع تراجع الاحتياطيات المحلية منذ منتصف القرن العشرين، انتقلت واشنطن من هيمنة قائمة على الاستخراج المباشر إلى نمط يركز على السيطرة على تدفقات الطاقة العالمية، معتمداً على آليات قسرية في المناطق الغنية بالنفط.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، أعادت «الثورة الصخرية» إحياء الطموحات الإمبريالية الأمريكية، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي. فمن خلال طفرة في التكسير الهيدروليكي، أعادت الولايات المتحدة تموضع نفسها كمنتج ومصدر عالمي رائد، مؤكدةً اكتفاءً ذاتياً جديداً. والأهم، أن هذا الانتعاش عزز القوة الجيوسياسية الأمريكية، حيث وظفت واشنطن سيطرتها على الغاز لهندسة تبعيات إقليمية جديدة، وتعزيز هيمنتها العالمية.
ويظهر هذا- إعادة التنظيم الإمبريالي المدعوم بالوقود الأحفوري بأوضح صورة منه- في الهيمنة الأمريكية على المكسيك، الدولة التي عُرِفت بسعيها التاريخي نحو السيادة الطاقية. لقد تم تفكيك هذا الإرث مع اندماج المكسيك بنيوياً في النظام الطاقي الأمريكي، لتصبح مستورداً رئيسياً للغاز الطبيعي، وممراً استراتيجياً للصادرات الأمريكية إلى آسيا. تعكس إعادة التشكيل استراتيجية هذه، أوسع دمج للابتكار التكنولوجي مع التبعية الجيوسياسية. ومن الضروري استجواب تشابك التقدم التكنولوجي، والتوسع الاحتكاري، والسيطرة الإمبريالية في التطور المستمر للقوة الأمريكية.
الفصل الأول: الثورة الصخرية وإعادة تشكيل الإمبريالية الأمريكية
شهد إنتاج النفط الأمريكي تراجعاً مطولاً حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، في ظل مفهوم «ذروة النفط». غير أن الإمبريالية الأمريكية شهدت تحولاً استراتيجياً بحلول العقد الثاني من القرن، مدفوعاً بالتوسع العدواني لتكنولوجيا التكسير الهيدروليكي. أتاح الجمع بين التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي استغلال تكوينات الصخر الزيتي، محفزاً مرحلة جديدة في استخراج الطاقة الأحفورية، ومعمقاً نموذجاً استخراجياً، يُخرج التكاليف البيئية من حساباته.
سار هذا التحول التكنولوجي جنباً إلى جنب مع ارتفاع أسعار النفط والغاز بعد أزمة 2008، مما حفز تحولاً دراماتيكياً. فلم يُتح فقط لنمو التكسير، بل شُجّع بنشاط من قبل إدارة أوباما تحت خطاب «التحول الطاقي النظيف»، في التزام أعمق بالممارسات الاستخراجية، متخفياً وراء خطاب «الغسيل الأخضر». وفي غضون سنوات، قلبت الولايات المتحدة دورها في الأسواق العالمية إلى منتج مهيمن، خاصة في الغاز الطبيعي، فيما أصبح يعرف بـ «الثورة الصخرية».
وتتجلى المنطقية الإمبريالية للسيطرة على الطاقة الأحفورية بشكل أوضح عبر الغاز الطبيعي، وليس النفط. فبالرغم من صعودها كمنتج رائد للنفط، يحول ارتفاع تكاليف إنتاج نفط الصخر الزيتي دون سيطرتها على السوق النفطية العالمية. أما في حالة الغاز الطبيعي، فيظهر الدور القيادي للقوة الأمريكية بوضوح، حيث جرى تعزيز هيمنتها بسرعة عبر التكسير، في مهمة تعيد هيكلة التبعيات العالمية.
بين عامي 2010 و2022، قفز الإنتاج الأمريكي من الغاز الطبيعي من 652 مليار إلى 1.1 تريليون متر مكعب، وهو توسع دراماتيكي أتى بالكامل تقريباً من التكسير. أعاد هذا تشكيل ديناميكيات القوة العالمية. فالغاز تحكمه بنى تحتية مجزأة وإقليمية، مما يخلق توترات جيوسياسية تصبح فيها السيطرة على سلاسل التوريد أداة للهيمنة الاستراتيجية. مع احتياطياتها الهائلة وتكنولوجياتها منخفضة التكلفة، تحتفظ الولايات المتحدة بميزة تسمح لها بممارسة نفوذ غير متناسب، معززة دورها كمدير إمبراطوري لأسواق الغاز.
ولا يخلو هذا النموذج من ثمن بيئي باهظ. فالتكسير مدمر بيئياً، يستهلك كميات هائلة من المياه ويهدد جودة المياه الجوفية، ويساهم بشكل كبير في أزمة المناخ عبر انبعاثات الميثان. ومع ذلك، مكنت ضغوط اللوبي النفطي من تسويق الغاز الصخري كطاقة «نظيفة»، في عملية غسيل أخضر.
كما شهدت صناعة الصخر الزيتي تحولاً نحو سيطرة احتكارية متزايدة مع دخول الشركات الكبرى بقوة، وتعكس موجة الاندماجات عهداً جديداً من الإنتاج الاحتكاري. والأهم، أن عملية التركيز تنعكس في دوامة التمويل المالي، حيث يتركز جزء كبير من ملكية شركات الطاقة الكبرى في أيدي رأسمال مالي. وهذا يؤكد أن المستفيدين الرئيسيين ليسوا شركات النفط فحسب، بل أيضاً المجموعات المالية الكبرى التي تتحكم في الأسواق والإنتاج.
وفي التجارة العالمية، كان لعملية إعادة التموضع الأمريكية أهمية بالغة، إذ جعلت الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً في سوق الغاز، ووضعتها على رأس مصدريه عالمياً. وساعد استغلال الصراع في أوكرانيا في تسريع هذا التحول بشكل حاسم، حيث زادت الواردات الأوروبية من الغاز المسال الأمريكي بشكل كبير، معززةً الهيمنة الأمريكية على حساب الاستقرار الاقتصادي الأوروبي.
الفصل الثاني: المكسيك: الفضاء الحيوي الطاقي للولايات المتحدة
تظل المكسيك الفاعل المركزي في التحول الطاقي الذي قادته الثورة الصخرية. إذ تفوق وارداتها من المنتجات البترولية والغاز الطبيعي الأمريكي واردات أي دولة أخرى. وتلعب دوراً حاسماً في توسيع السوق الطاقي الأمريكي وتعزيز النفوذ الأمريكي. في هذا السياق، تخدم المكسيك كفضاء حيوي تابع يضمن القوة الإمبريالية الأمريكية.
ويناقض هذا المشهد تاريخ قطاع الطاقة المكسيكي، الذي شهد تحولات عميقة. فمن تأميم النفط في ثلاثينيات القرن الماضي، شهدت المكسيك موجة عدوانية من الخصخصة والتفكيك ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، بلغت ذروتها في إصلاح الطاقة لعام 2013، الذي مثل الخسارة النهائية لاحتكار الدولة، ومحاذاة كاملة مع المصالح الأمريكية.
وفي حالة النفط، تنعكس التبعية المتزايدة في الارتفاع المستمر لواردات النفط المكرر والتآكل المطرد للصناعة المحلية. أصبحت المكسيك أكبر سوق للولايات المتحدة، مما يكشف عن تحول مقلق يضعف استقلاليتها الطاقية.
وتصبح هذه العلاقة أكثر وضوحاً في تجارة الغاز الطبيعي. منذ 2008، نمت واردات المكسيك بشكل مطرد، لتصبح الوجهة الرئيسية للغاز الأمريكي، وتمتص نحو 31% من إجمالي صادراته. وقد سهلت توسعة البنية التحتية للأنابيب هذا التدفق. وفي الواقع، تستورد المكسيك 70% من الغاز الذي تستهلكه، 96% منها من الولايات المتحدة، مما يكشف عن تبعية كاملة وتآكلاً عميقاً للسيادة.
وقد غذى إصلاح 2013 تحول المكسيك إلى معبر للواردات، مدفوعاً بمشاريع أنابيب كبرى تربطها بإنتاج الغاز الأمريكي. ويسيطر رأس المال الاحتكاري على هذه البنية التحتية، حيث تهيمن شركات أمريكية وكندية مدعومة من عمالقة التمويل، مما يبرز تركيز السلطة.
والأهم، أن الاستيراد المتزايد لا يهدف في الأساس للتنمية المحلية، بل يرتبط بتحول المكسيك إلى معمل تصديري (ماكيلادورا). يتركز الطلب على الطاقة في الشركات متعددة الجنسيات التي تستغل قوة عمل أرخص. وبذلك تصبح خطوط الأنابيب ركيزة للتكامل الاقتصادي القائم على التبعية الطاقية.
ويظهر هذا النموذج أن تحول المكسيك إلى منصة تصديرية، يتسم بالاستغلال المفرط للعمل، يسير جنباً إلى جنب مع تبعية متزايدة للوصاية الطاقية الأمريكية. فالبنية الإنتاجية أعيد تشكيلها لضمان الاستهلاك الجماعي للغاز الأمريكي.
وتعزز هذا الاتجاه مشاريع بنية تحتية ضخمة جديدة تهدف لجذب الاستثمار الأجنبي إلى جنوب المكسيك، وستزود بالغاز عبر خطوط أنابيب قيد الإنشاء.
ولم تتحول المكسيك إلى أكبر مستورد للغاز الأمريكي فحسب، بل تلعب دوراً محورياً كمنصة لتصدير الغاز المسال إلى آسيا. وقد أصبحت السواحل الشمالية الغربية منطقة استراتيجية لبناء محطات تسييل، حيث تقدم ممراً أكثر كفاءة من حيث التكلفة. ويُروّج لمشاريع، مثل: مشروع سونورا كاستدامة بيئية، بينما يخدم في الواقع الأجندة الجيوسياسية الأمريكية، مع تركيز السيطرة في أيدي شركات أمريكية.
الفصل الثالث: الاستمرارية والتغيير: السياسة الأمريكية والمنطق الأحفوري الإمبراطوري
يجب فهم الخطاب السياسي القومي الحاكم كمشروع يهدف إلى تعزيز التفوق الأمريكي في سياق تنافس عالمي حاد، خاصة مع صعود الصين. وهذا يشكل تكوين «الطبقة الحاكمة الأمريكية» ذات النظرة الإمبريالية التاريخية.
وفي هذا السياق، يبرز التنافس على السيطرة على موارد الطاقة كسمة محورية، حيث يسلط الضوء على دور الطاقة في تشكيل الهيمنة الاحتكارية على التحولات التكنولوجية. فكل ثورة صناعية يحفزها أساس طاقي جديد.
وفي هذه المرحلة، سيؤدي التحول نحو نموذج كهرو-معلوماتي إلى زيادة كبيرة في الطلب العالمي على الكهرباء، في تحول يعيد تشكيل أسس تراكم رأس المال نفسه وسط تفاقم الكارثة البيئية. وتكشف تحذيرات النخب التكنولوجية من أزمة طاقة عن مخاوف من أن تتجاوز الاحتياجات التكنولوجية الجديدة القدرة الحالية، في تحذيرات تعمل كأدوات أيديولوجية تمهد لتعزيز سيطرة النخب.
وفي هذا المشهد، تبرز السيطرة على موارد الطاقة كمحور استراتيجي في السباق العالمي. فالتوجيه الحالي لتوسيع الهيمنة الأمريكية في السوق الأحفوري العالمي ليس عرضياً؛ إنه مغروس في منطق إمبراطوري أوسع. يؤكد السعي نحو «الهيمنة الطاقية» على مركزية التحكم في الطاقة لضمان النفوذ الجيوسياسي وتراكم رأس المال.
ويعيد المنطق الإمبراطوري تأكيد نفسه بالعودة إلى سلالة أحفورية راسخة، مستبعداً بدائل الطاقة المتجددة. ففي القلب يكمن رفض أي تباطؤ ذي معنى في الإنتاج، أو انتقال حقيقي، الذي سيُنظر إليه كنقطة ضعف استراتيجية في مواجهة الصين الصاعدة.
وكما بيّن باحثون، إن الوقود الأحفوري خدم تاريخياً كشريان حياة لرأس المال الاحتكاري. والتخلي عنه سيؤدي إلى تباطؤ هيكلي في دورات الربح، وربما تراجع استراتيجي. باختصار، التمسك بالوقود الأحفوري هو مسألة الحفاظ على الهيمنة الجيوسياسية ذاتها، بغض النظر عن الانهيار البيئي.
ويشكل الخطاب الحالي تعبيراً عن الإرادة الجماعية للأوليغارشية الأحفورية الأمريكية التي ترتبط أرباحها بالاستغلال الأحفوري. إن إحياء الشعارات العدوانية يشير إلى عودة أجندة استخراجية متجذرة في مصالح الطبقة المسيطرة.
وتعبر الإيماءات الاستفزازية عن بلورة اندفاع إمبراطوري متجدد وطموح رأس المال الاحتكاري الأحفوري لتأكيد السيطرة على مستقبل الطاقة العالمي. وتتجمع الكتل الأساسية لرأس المال الأمريكي حول رهان عالي المخاطر على قطاع الطاقة كمحرك للتراكم الاستثنائي في العقود المقبلة، في استراتيجية محسوبة لتحويل السيطرة على الطاقة إلى ركيزة للتوسع والهيمنة.
وبالتالي، تمثل الإدارة الحالية جهداً جريئاً لإحياء الإمبريالية الطاقية كركيزة مركزية للقوة الأمريكية، في وقت يصبح فيه الهيكل الأوسع للهيمنة متآكلاً. وهذا مشروع عالمي التوجه يهدف إلى فرض السيطرة الأمريكية على تدفقات الطاقة. إن السعي للسيطرة على موارد جديدة، والعسكرة المتزايدة لسلاسل التوريد، هي ركائز في تصميم استراتيجي أوسع لتأمين الهيمنة الأمريكية في النظام الطاقي العالمي.
وفي هذا السياق، تُستخدم تهديدات التعريفات الجمركية كأداة لإكراه الحلفاء على الانحياز إلى الأجندة الطاقية الأمريكية. وتواجه المكسيك ودول أخرى ضغوطاً لزيادة مشترياتها من الغاز الطبيعي الأمريكي من خلال ابتزاز اقتصادي يعزز التبعية.
وفي حالة المكسيك، حولت السيطرة الطاقية الأمريكية البلاد إلى أكبر مستورد للغاز ومنصة تصدير استراتيجية. والأكثر من ذلك، تشير أدلة إلى أن الدولة تروج الآن للتكسير الهيدروليكي داخلياً على الرغم من المخاوف المؤكدة. ويمثل هذا تعميقاً للمحاذاة مع الأجندة الإمبريالية الأمريكية المتجذرة في الطاقة الأحفورية، ونكسة للسعي نحو استراتيجيات طاقية ذات سيادة.
خاتمة: التبعية في عصر التحول
تؤكد الدراسة، أن «الثورة الصخرية» كانت أداة استراتيجية أعادت تشكيل الإمبريالية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين، محوّلة الوفرة الطاقية إلى نفوذ جيوسياسي عبر هندسة تبعيات إقليمية جديدة.
وتكشف حالة المكسيك عن الآليات الملموسة لهذه الهيمنة. فمن خلال تفكيك السيادة الطاقية التاريخية، تحولت المكسيك إلى فضاء حيوي تابع، يخدم كسوق استهلاكية وممر تصديري، ومعمل تصنيعي يعتمد على الطاقة الأمريكية. ويعكس هذا اندماجاً بين الإخضاع الجيوسياسي والتبعية الاقتصادية.
ويجري تعزيز هذا المسار في الظروف الجيوسياسية الحالية، حيث توظف المنافسة العالمية- والأزمة البيئية- لتبرير تشديد القبضة الأحفورية. ويواجه الانتقال الطاقي الحقيقي عقبات هائلة بسبب مقاومة القوى الاحتكارية، وإدماج اقتصادات، مثل: المكسيك في دوائر التبعية.
وبالتالي، فإن مستقبل السيادة الطاقية والاستدامة مرتبط بقدرة هذه الدول على فك الارتباط التدريجي عن الشبكات المهيمنة، وتنويع شركائها، وإعادة بناء قدراتها المحلية. وهذا يتطلب مشروعاً تنموياً وطنياً يُعيد تعريف علاقة الدولة بالسوق وبالقوى الإمبريالية، في سياق عالمي تتقاطع فيه الأزمات بشكل غير مسبوق.
عن مجلة المراجعة الشهرية
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262
