أزمة رقائق «إنفيديا» في سياق التراجع الأمريكي والسّعي الصيني للاستقلال التكنولوجي

أزمة رقائق «إنفيديا» في سياق التراجع الأمريكي والسّعي الصيني للاستقلال التكنولوجي

أصبحت قصة رقائق إنفيديا الأمريكية للذكاء الاصطناعي من طراز H200 أكثر من مجرد نزاع تجاري بين أمريكا والصين، بل أحد تجلّيات الارتباك والتراجع الاستراتيجي والتكنولوجي الأمريكي أمام المنافسة والتقدم السريع الذي تحرزه الصين. التقلبات السياسية والانقسامات الداخلية الأمريكية في مقابل التحركات المضادة الصينية الواثقة ترسم صورة للولايات المتحدة كقوّة عظمى آفلة تعاني في كيفية الموازنة بين مصالحها الاقتصادية الفورية وضروراتها الأمنية طويلة الأجل.

شرائح (معالجات) إنفيديا الأمريكية من طراز H200 هي من أقوى الشرائح في العالم المُصمَّمة خصيصاً لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة ومراكز البيانات الضخمة. ولذلك وضعها تصميمها المتطور في قلب صراع تقني وسياسي كبير بين الولايات المتحدة والصين. وقد تأسست شركة إنفيديا عام 1993 بفكرة تطوير معالجات رسومات قوية لألعاب الفيديو. وفي عام 1999، اخترعت ما يُسمى «وحدة معالجة الرسومات» GPU، وهو اختراع غيَّر عالَم الحوسبة. لاحقاً، استثمرت الشركة مليارات الدولارات في تطوير برمجية CUDA التي حولت هذه المعالجات من مجرد عرض للألعاب إلى محرّكات لمجالات عِلمية وصناعية هائلة، خاصة الذكاء الاصطناعي. واليوم، تسيطر إنفيديا على أكثر من 80% من سوق شرائح تدريب الذكاء الاصطناعي في العالم. والطلب عليها من الصين «مرتفع جداً.


إنفيديا بين فكّي كمّاشة


يمثل سوق مراكز البيانات الصينية حجماً ضخماً تصل قيمته إلى 50 مليار دولار سنوياً. وكانت الصين تشكل 13% تقريباً من مبيعات إنفيديا قبل القيود التجارية التي فرضتها الولايات المتحدة على تصدير الشرائح المتقدمة مثل H200 إلى الصين، خشية استخدامها في تطبيقات عسكرية أو تعزيز التفوق التكنولوجي الصيني.
وفي شهر كانون الثاني الجاري 2026، أعلنت إدارة ترامب موافقتها على استئناف بيع شريحة H200 للصين، ولكن تحت شروط استثنائية تهدف لتحقيق مكاسب أمريكية: مثل اقتطاع رسوم إضافية بنسبة 25% من قيمة كل شريحة تباع، وفرض ضمانات محلّية على إنفيديا بأن تؤمّن أولاً احتياجات السوق الأمريكية بالكامل قبل التصدير إلى الصين، ويجب اختبار كل شريحة داخل الولايات المتحدة قبل شحنها، وعدم وألّا تتجاوز الكمية المصدَّرة إلى الصين 50% من الكمية المباعة للعملاء الأمريكيين.
يضاف إلى هذه الشروط من الإدارة الأمريكية، شروط صينية أيضاً، ولا سيما مع جهود الصين الحثيثة لتطوير شرائحها المحلية (مثل شريحة Ascend 910B من شركة هواوي) لتقليل اعتمادها على الغرب، حيث تفرض الجهات التنظيمية الصينية على شركات التكنولوجيا المحلية شراء نسبة مئوية معينة من الرقائق الصينية كجزء من أي موافقة على استيراد رقائق إنفيديا.
هذه الشروط من الجانبين عصرت إنفيديا بين فكّي كمّاشة.


السوق العالمي ومكانة الصين


على الرغم من قيود التصدير الأمريكية، استمر الطلب الصيني الذي لا يشبع على رقائق الذكاء الاصطناعي عالية الأداء. وأكد جنسن هوانغ (الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا وهو تايوانيّ يحمل الجنسية الأمريكية) أنّ الطلب مرتفع جداً في الصين، مما يشير إلى أن الواردات المعتمدة يمكن أن تولد أكثر من 50 مليار دولار من المبيعات السنوية للشركة الأمريكية. وتشير التقارير إلى أن عمالقة التكنولوجيا الصينيين مثل «علي بابا» و«تينسنت» و«بايت دانس» قد قاموا بالفعل بتقديم طلبات لشراء مليوني شريحة تقريباً من رقائق H200، بقيمة تصل إلى نحو 54 مليار دولار.


تخبُّط وانقسام أمريكي


تميّز نهج إدارة ترامب تجاه قضية إنفيديا بالتقلب السياسي والتناقض الداخلي، وهي قضية تمثل أحد التجلّيات العديدة التي تعكس انقساماً عميقاً داخل الحكومة الأمريكية حول كيفية مواجهة الصعود التكنولوجي للصين.
يحاول ترامب تصوير الموافقة على صادرات H200 بشروط صارمة على أنها «فوزٌ» للأعمال الأمريكية والخزينة، مشدّداً على الإيرادات من الرسوم الجمركية البالغة 25٪. ويبرّر المؤيدون داخل الإدارة، بما في ذلك مستشار البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة ديفيد ساكس، بأن السماح بهذه المبيعات يساعد في الحفاظ على الهيمنة التكنولوجية الأمريكية من خلال إبقاء الشركات الصينية معتمدة على الرقائق الأمريكية التصميم، ويعتقد هذا الرأي أنّ هذه الطريقة أفضل من القيود الكاملة التي ستعجل فقط من دفع الصين نحو الاكتفاء الذاتي.
ولاقت قضية إنفيديا ردود أفعال كبيرة من السلطة التشريعية عبر الطيف السياسي، حيث ينظرون إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة على أنها حاسمة للأمن القومي. فتقدمت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب (الكونغرس) بقانون «مراقبة الذكاء الاصطناعي»، يتطلب من لجان الكونغرس الموافقة على أي تراخيص شحن للرقائق المتقدمة، مما يعطي المشرّعين سلطة حظر
المبيعات. ويمثل هذا القانون تحدياً مباشراً للسلطة التنفيذية.
وكانت المخاوف عابرة للحزبين، حيث انتقد نائب رئيس لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ مارك وارنر (ديمقراطي عن فرجينيا) موافقة تصدير H200 للصين واعتبرها «نهجاً عشوائياً» يفتقر إلى استراتيجية متماسكة. وحذرت السناتور إليزابيث وارن (ديمقراطية عن ماساتشوستس) من أنّ الصين تطلب مثل هذه الرقائق للتحديث العسكري وتصميم الأسلحة.
كما أعرب مسؤولون سابقون في إدارة ترامب أيضاً عن معارضتهم. فقال مات بوتينغر، المستشار السابق لترامب لشؤون آسيا، إنّ الإدارة على «المسار الخاطئ» وأن السماح بمبيعات الرقائق للصين سيضر بالولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.


استراتيجية الصين: الاستيراد المضبوط مع الاعتماد على الذات


بينما تبدو السياسة الأمريكية منقسمة، كان نهج الصين مدروساً استراتيجياً، وإنْ كان معقداً أيضاً. فبعد أن وافقت الولايات المتحدة على صادرات H200، تحرّكت سلطات الجمارك الصينية في
البداية لحظر شحنات الرقائق. ويُفيد تقرير بأن المسؤولين الصينيّين حذّروا شركات التكنولوجيا ا
لمحلية من شرائها ما لم يكن ذلك ضرورياً للغاية. وهذا الرفض الظاهري يخدم أغراضاً إستراتيجية متعددة، من أهمها: نفوذ المساومة، حيث إنّ تهديد الصين بمنع وصل الرقائق الأمريكية يمنحها قوة تفاوضية في مناقشات التجارة والتكنولوجيا الأوسع مع الولايات المتحدة، وتعزيز الصناعة المحلية من خلال جعل الوصول إلى الرقائق الأجنبية غير مؤكَّد، مما يحفز الشركات الصينية على التطوير واعتماد بدائل محلية. ولنتذكر بأنّ موافقة السلطات الصينية مشروطة بإجبار الشركات الصينية على شراء نسبة مئوية من الرقائق المحلية. يضاف إلى ذلك أن الصين تريد الصين بشكل واضح وصولاً انتقائياً للتكنولوجيا الأجنبية بطريقة تمكّنها من دراستها واستنساخها
هندسياً لتطوير قدراتها الخاصة، ولكن دون خلق تبعيّة ساحقة.
تعكس هذه الإستراتيجية المركَّبة مسعى الصين الأوسع لـ«الاكتفاء الذاتي» في التكنولوجيات الحرجة، وهو هدف لا ينفكُّ يزداد كثافة تحت الضغط الخارجي.
إنّ الارتباك بشأن رقائق إنفيديا يُقرَأ كـ«عرضٍ تقديميّ» لضعفٍ أكبر في نهج أمريكا تجاه المنافسة التكنولوجية مع الصين. يقول أحد التقييمات الشاملة لاستراتيجية إدارة ترامب تجاه الصين، بأنه بعد عام واحد من إدارة ترامب فإنّ «الطموح والخطاب أكبر من النتائج الملموسة» عبر الأهداف الرئيسية بما في ذلك إعادة التصنيع، والقيادة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتقليل التبعيات الاستراتيجية.
تبعث السياسات الأمريكية المتقلّبة برسائل غير متسقة عن حالة من عدم اليقين، مما يعيق الاستثمار طويل الأجل والتخطيط الاستراتيجي لكل من الشركات الأمريكية وحلفائها. وعلى عكس ادعاءات استعادة الاحترام، تظهر بيانات الاستطلاع العالمية انخفاضاً في تفضيل الولايات المتحدة بين الحلفاء، مما يضعف قدرة واشنطن على تنسيق سياسة تكنولوجية موحّدة مع الشركاء. وفي هذه الأثناء، تعمل الصين بثبات على توحيد نظام تكنولوجي أكثر اكتفاءً ذاتياً وتوسيع اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي العالمية على الصين، من خلال عروض مدعومة من الدولة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262