«ستارلينك» كسلاحٍ أمريكي... مضادّاته وبدائله الشرقية

«ستارلينك» كسلاحٍ أمريكي... مضادّاته وبدائله الشرقية

برز في الآونة الأخيرة مزيد من التوظيف لمنظومة ستارلينك للإنترنت والاتصالات عبر الأقمار الصناعية التي يملكها الرأسمالي الأمريكي إيلون ماسك، في سياق عدة صراعات تتدخل فيها الولايات المتحدة الأمريكية. فبعد أوكرانيا وفنزويلاً، استخدمت مؤخراً في إيران. وكان لافتاً تعرُّض هذه المنظومة لتعطيل أو تشويش واسع بتقنيات مضادّة ، قالت تقارير فرنسية إنها تقنيات عسكرية روسيّة.

إعداد: د. أسامة دليقان

يعد انتشار استخدام ستارلينك في النزاعات من أوكرانيا إلى إيران، مثالاً إضافياً على الانخراط الكبير لشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى بشكل كبير فيما يسمّى «المجمَّع الصناعي العسكري» الأمريكي، والذي لا يضم التقنيات ذات الاستخدام العسكري الحصري، بل وذات «الاستخدام المزدوج» المدني والعسكري، ومنها قطاع الاتصالات والإنترنت، وما يتفرع عنه من مجال معلوماتي وسيبراني، عبر شركات مثل غوغل وميتا...


المزايا العسكرية التقنية لـ«ستارلينك»


تنبع فعالية ستارلينك من تصميمها التقني الفريد وتكامله المباشر مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية. على عكس الأقمار الصناعية الأحادية الثابتة، تتمتع ستارلينك بهندسة مرنة، مع آلاف الأقمار الصناعية ذات المدار المنخفض والتي تعمل كشبكة موزعة. ويتطلب التشويش عليها استهداف أقمار صناعية فردية متحركة عن قرب، مما يشكّل تحدياً تكتيكياً كبيراً.
في منظومة ستارلينك فإنّ المحطات نفسها المستخدمة للإنترنت المدني في المدارس والمستشفيات تستخدم لتنسيق الضربات العسكرية الجوية والاتصالات الميدانية، مما يطمس الخط الفاصل بين البنية التحتية المدنية والعسكرية.


أنماط الانتشار الاستراتيجية


تتبع خدمات ستارلينك المصالح الجيوسياسية الأمريكية عن كثب. ففي أوكرانيا تم تفعيلها بعد أيام من شن العملية العسكرية الروسية عام 2022، لتصبح ستارلينك عصب البنية التحتية للاتصالات الأوكرانية.
وفي إيران تم تقديم خدمات ستارلينك مجاناً خلال احتجاجات 2026، لتجاوز قطع الإنترنت الحكومي الإيراني والسماح بتبادل المعلومات مع الخارج.
وفي فنزويلا، تم الإعلان عن تأمين خدمة ستارلينك مجاناً بعد العمل العسكري-الاستخباراتي الأمريكي والعدوان الذي تعرّضته له البلاد وما جرى فيه من اختطاف واشنطن لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته.
تموّل وزارة الحرب الأمريكية الآن خدمة ستارلينك في أوكرانيا، وتعتبر وكالات مثل شركة الفضاء الأمريكية ناسا من العملاء الرئيسيين. وضمنت أعمال إيلون ماسك عبر سبيس إكس وستارلينك عقوداً حكومية أمريكية مربحة من هذا الانخراط في الحروب والنزاعات. إضافة إلى تحقيق توغّل تنظيمي وسياسي في التخطيط للأمن القومي الأمريكي. وهذا من أمثلة اندماج مصالح رأس المال الخاص بعمق داخل الدولة الأمريكية.


كيف تمكّنت إيران من تعطيل ستارلينك؟


تعمل بعض الدول المهدَّدة بهذا الشكل الجديد من السيطرة التكنولوجية على ابتكار تدابير مضادة متطورة من جهة، وأنظمة بديلة ومنافسة من جهة أخرى. ومن بين ذلك منظومات للحرب الإلكترونية والتشويش على GPS و«التداخل النشط»، من خلال غَمر قنوات الأقمار الصناعية بالضوضاء.
وفي إيران، تسبَّب التشويش في فقدان كبير للحزم، لكن تحديث برنامج ستارلينك الذي أعاد توجيه حركة المرور خفّف كثيراً من تأثير التشويش، فيما يصفه الخبراء بأنه مبارزة تقنية مستمرة.
قالت تقارير إعلامية فرنسية إنّ إيران استخدمت منظومة «كالينكا» الروسية لتشويش إشارات ستارلينك ضمن سعيها لتعطيل الإنترنت أثناء الاحتجاجات في كانون الثاني 2026. ولكن هذا الادعاء، رغم تداوله في وسائل إعلام عديدة، لا يزال من الصعب تأكيده بشكل قاطع في الوقت الحالي. وهو يستند إلى حد كبير إلى تحليلات خبراء وفرضيات تربط بين نجاح إيران الذي وُصِفَ بـ«المفاجئ» في التشويش وتعاونها التقني-العسكري مع روسيا. كما أن روسيا اختبرت «كالينكا» ميدانياً في أوكرانيا، ما يمنح الفرضية بعض المصداقية، لكن لا توجد إثباتات رسمية أو تقنية قاطعة حتى الآن.


معلومات عن منظومة «كالينكا» الروسية


بحسب ما ورد في تقارير مؤسسات بحثية ومراكز متخصصة مثل «سيكيور ورلد فاونديشين» (مؤسسة العالَم الآمن)، فإنّ كالينكا هي منظومة حرب إلكترونية متنقلة، يسهل نقلها وتوجيهها نحو مناطق محدَّدة (مثل الأحياء التي تشهد احتجاجات) بدلاً من كونها محطة ثابتة. وبعضهم يلقبّها بـ«قاتلة ستارلينك»، وهي مصمّمة خصيصاً لاكتشاف إشارات محطات ستارلينك الأرضية والتشويش عليها، خاصةً تلك المخصَّصة للاستخدام العسكري (ستارشيلد). ويبلغ نطاق تشغيلها 15 كيلومتراً تقريباً. وكانت روسيا لا تزال تختبر هذه المنظومة في 2024-2025، ويعتقد أن إنتاجها بدأ بكميات محدودة قبل الانتقال للإنتاج الواسع عندما أثبتت نجاحاً ميدانياً.
مع ذلك تقول بعض الخبراء إنّ إيران استخدمت استراتيجية متعددة الطبقات للتشويش على ستارلينك، وتفترض بأنّ «كالينكا» قد تكون جزءاً منها فقط. حيث قامت إيران باستهداف نقاط الضعف التقنية في ستارلينك، فتمكّنت من التشويش المكثف على إشارات نظام تحديد المواقع (GPS)، والذي تحتاجه أطباق ستارلينك بدقة للاتصال بالأقمار المتحركة. كما قامت بإغراق الترددات التي تستخدمها ستارلينك (Ku وKa bands) بموجات راديو قوية.
كما قامت السلطات الإيرانية بمصادرة المحطات الأرضية لآلاف أجهزة استقبال ستارلينك، مما قلل عدد المستخدمين الفعليين بشكل كبير. ومع حدوث «انسداد معلوماتي» بخروج أكثر من 80% من البلاد عن الإنترنت العالمي، أصبح من الصعب التحقق من فاعلية أي تقنية تشويش أو نطاقها الحقيقي.


«القَتل بالشظايا»


زعمت روسيا تطوير سلاح مضاد للأقمار الصناعية يسمى «تأثير المنطقة»، يهدف إلى شل كوكبة كاملة من الأقمار الصناعية في طبقة مدارية من خلال كمية كبيرة من الشظايا. وهذا ما وصف بسلاح «القتل القاسي» للأقمار.
وتخطط ستارلينك لخفض جميع أقمارها الصناعية البالغ ارتفاعها 550 كيلومتراً إلى 480 كيلومتراً بحلول عام 2026، وذلك من أجل تقليل خطر الاصطدام من جهة، وتقليل خطر التعطل الشامل لمرة واحدة بواسطة سلاح «تأثير المنطقة» من جهة أخرى.


البدائل الصينية والروسية لستارلينك


تدفع الصين وروسيا بقوة مشاريع كوكبات الأقمار الصناعية منخفضة المدار الخاصة بهما، في سباق تكنولوجي وامتداد للخريطة الجيوسياسية. وحتى الاتحاد الأوروبي خصص 2.4 مليار يورو لتطوير كوكبة أقمار صناعية سيادية للاستخدام المدني والعسكري، مدفوعاً جزئياً بمخاوف الاعتماد على ستارلينك، ولكن مع استمرار ضعف الطبقة الحاكمة الأوروبية وتبعيّتها الشديدة للولايات المتحدة الأمريكية، يبقى «الاستقلال» المنشود مثارَ شكّ كبير.
الصين لديها مشروعان رئيسيّان في هذا المجال: شبكة الأقمار الصناعية الوطنية الصينية (غوانغ/سات نت) وكوكبة (تشيان فان/سبيس سيل). ويُنظر إليهما كمشروعين متكاملين استراتيجياً، فأولهما يمثّل «فريق الدولة» والثاني «فريق العولمة» على الطريقة الصينية. حيث تركز الشبكة الوطنية الصينية على الأمن القومي والاتصالات المحلية، بينما تستهدف «تشيان فان» السوق الدولية، وتقدم حلولاً لمحطات أرضية.
والخطة الصينية ضخمة حيث يهدف المشروعان معاً إلى نشر ما يقرب من 28 ألف قمر صناعي. ولكنهما ما زالا في مرحلة مبكرة مع تقدم بطيء نسبياً. فاعتباراً من منتصف عام 2025، تم إطلاق نحو 124 قمراً صناعياً في المدار (34 للشبكة الوطنية، و90 لتشيان فان)، وهو ما يمثل تقريباً 1٪ فقط من إجمالي العدد المخطط له.
وتواجه الصين تحديات تقنية، وتعتبر العقبة الرئيسية عدم وجود صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام. كما أنّ معدل الفشل مرتفع نسبياً حتى الآن (نحو 14٪ من أقمار تشيان فان لم تصل إلى المدار المستهدف). والارتفاع المداري المخطط له أعلى من ستارلينك، مما يزيد من مخاطر الحطام الفضائي.

من حيث التوسع الدولي، أجرت «تشيان فان» مفاوضات تعاون مع ما لا يقل عن 30 دولة بما في ذلك البرازيل وتايلاند وماليزيا.
أمّا روسيا فأعلنت عن بديل أو «نظير ستارلينك» الخاص بها، وبدأت بالإنتاج التسلسلي للمحطات في عام 2026 ووضعت خطة لنشر كوكبة أقمار صناعية (عددها أكثر من 300) مستهدفة بحلول عام 2027.
ويحمل المشروع الروسي الرئيسي اسم «فجر» (راسفيت/زاريا) وهو بديل إقليمي عسكري واتصالاتي لستارلينك، يهدف إلى التحرر من الاعتماد على الغرب وتعزيز قدرات الطائرات دون طيار. لكن حجم الخطة الروسية صغير نسبياً، حيث تهدف إلى نشر 383 قمراً صناعياً (بما في ذلك الأقمار الاحتياطية) بحلول عام 2030.

وتدعم مؤسسة الفضاء الحكومية الروسية (روسكوزموس) المشروعَ بشكل مباشر، ويقال إنّ روسيا اختبرت نماذج أولية، وأنّه من المقرر أن تبدأ عمليات الإطلاق الأولى أواخر عام 2025 أو أوائل عام 2026، ولكن بالنظر إلى الوضع الحالي لصناعة الفضاء الروسية، فإن النشر في الموعد المحدد يواجه تحديات، بما فيها التقنية، حيث تعاني من القيود المفروضة بموجب العقوبات الغربية والأساس التكنولوجي.
المستقبل القريب جداً 2026-2027 يعتبر نافذة حاسمة، فإذا حققت الصين اختراقاً في تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، أو ابتكرت شيئاً آخر ناجحاً وغير متوقَّع، فقد يغير ذلك بشكل أساسي المشهد التنافسي في مجال الاتصالات والإنترنت الفضائي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1261