النظرية وأهمية بناء المعرفة المستندة إلى الممارسة
«الماركسية هي علم القوانين التي تحكم تطور الطبيعة والمجتمع، وعلم ثورة الجماهير المضطهَدة والمستغَلة، وعلم انتصار الاشتراكية في جميع البلدان، وعلم بناء المجتمع الشيوعي. وكعلم، لا يمكن للماركسية أن تبقى جامدة، بل تتطور وتتطور. وفي تطورها، لا بد أن تُثرى الماركسية بتجارب ومعارف جديدة، وبالتالي لا بد أن تتغير بعض صيغها واستنتاجاتها بمرور الزمن، ولا بد أن تُستبدل بصيغ واستنتاجات جديدة تتناسب مع المهام التاريخية الجديدة. لا تعترف الماركسية باستنتاجات وصيغ ثابتة، ملزمة لجميع العصور والفترات. الماركسية عدوٌ لكل جمود عقائدي».
جيف كوروليف
تعريب وإعداد: د. أسامة دليقان
بهذا الاقتباس من مؤلّف ستالين «الماركسية ومشكلات علم اللغة»، افتتح جيف كوروليف، المحرّر الإلكتروني في موقع مجلة «السلام والأرض والخبز» الماركسية الناطقة بالإنكليزية، مقاله المنشور في المجلة (آب 2023). وفيما يلي تعريب لأبرز ما جاء فيها، بتصرُّف. ويجدر بالذكر بأنّ مجلة «السلام والأرض والخبز» التي تستوحي أحد شعارات البلشفية، تصدر بالتضافر مع دار نشر «كتب إسكرا» التي تنشط من جديد في إعادة طبع كلاسيكيات الماركسية، وأعمالاً أخرى حديثة. كذلك يسترعي الانتباه بأنّ العديد من مقالات المجلة في خطها العام مؤيّدة بشكل صريح للقضية الفلسطينية ومعادية للصهيونية.
ترسيخ الفكرة
يُعتقد غالباً أنّ لكل فرع علمي راسخ مؤسساً، قائداً رمزياً. فلعلم الأحياء التطوري هناك تشارلز داروين، وللعلاج الكيميائي بول إرليخ. وبالطبع للماركسية كارل ماركس. يدرك القراء أن ما يُسمى بـ«نظرية الرجل العظيم» مثالية، وأن جذور كل اكتشاف ثوري عميقة ومتشعبة. نعلم أن داروين (1809–1882)، على سبيل المثال، لم يكن أول من درس التطور؛ فقد بحث كلٌّ من بينوا دي ماييه (1656–1738)، وجورج لويس لوكلير (1707–1788)، وجان باتيست لامارك (1744–1829) في هذه المسألة قبل سنوات من ولادة داروين.
وقد استوعب داروين الاكتشافات والأفكار السابقة، ودمجها مع ملاحظاته الخاصة. في هذه العملية، حقق داروين تقدماً نوعياً بوضع نظرية التطور على أساس مادي ملموس... لكن هذا لا ينفي حقيقة أن الخطاب الشعبي ينظر إلى داروين على أنه وحيد، صاحب علم الأحياء التطوري، بدلاً من كونه أحد المساهمين في بنائه. إن مغالطة «الرجل العظيم» خطأ مثالي، فإذا ما صدقناها، ستمنعنا من فهم كيفية تطور المعرفة في الواقع، والميل إلى اعتبار «العظماء» وحدهم هم من يساهمون في بناء المعرفة. وينتج عن ذلك تشاؤمٌ في قدرة الفرد على إحداث التغيير، وإيمانٌ ضمني بأننا نستطيع ببساطة انتظار داروين جديد، أو ماركس جديد، أو لينين جديد.
وينطبق الأمر نفسه على التصور الشائع لنشأة الماركسية. حتى عناوين أعمال ماركس وإنجلس تدعم هذا المفهوم، وإن كان ذلك في الغالب بصورة سلبية وجدلية، مثل «نقد برنامج غوتا»، و«الباكونينيون في العمل»، وما إلى ذلك. لولا الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني واللاساليين الذين كتبوا مسودة برنامج غوتا، أو لولا باكونين والباكونينيين، لما تمكن ماركس وإنجلس من شرح الاشتراكية العلمية بوضوح من خلال المقارنة ونقدهما لهؤلاء الخصوم للماركسية. لم تكن الماركسية مجرد نتاج عقول ماركس وإنجلس اللامعة، بل انطوت على دوافع متعددة ومتنوعة، ومنها:
تحسين الأوضاع المادية في ظل رأسمالية ناشئة وناضجة.
بذور مادية بروليتاريّة مزدهرة، ونظرية ديالكتيكية بشكل عام، استفادت من أعمال كانط، وفيخته، وهيغل، وفويرباخ.
الأعمال النظرية للطوباويين - باكونين، وبرودون، وسميث، وريكاردو، وشتيرنر، وبابوف، وكومونة باريس، وغيرهم الكثير ممن طواهم النسيان.
التطور النوعي للفكرة
في أي مجال من مجالات المعرفة، لا تُعزى الإنجازات الرائدة اللاحقة إلى «العظماء» وحدهم، بل إلى جهود مجتمعات فكرية بأكملها. فالقفزات النوعية تتطلب خطوات كمية يساهم بها المئات، أو حتى الآلاف، من الآخرين. وبينما غالباً ما تُحقق قفزات نوعية جوهرية على يد أفراد استثنائيين، لا يستطيع أي فرد تحقيق اكتشاف ثوري حقيقي دون الاعتماد على عمل وإسهامات أسلافه وأقرانه.
لم تُترك مهمة فهم التغيير المجتمعي النوعي للينين وحده. أي أنّ الانتقال من الماركسية إلى الماركسية-اللينينية لا يُنسب إليه وحده. ولا يكفي إضافة إسهامات ستالين وغيره... فقد انخرط لينين في حياته في أمميتين وثورتَين. وعاش في بلدان عديدة، وكان لا بد له من التأثر بظروفها المادية.
يتحسن الفهم العلمي عند دمج الفرضيات الصحيحة واستبعاد الفرضيات الخاطئة. وينطبق الأمر نفسه على الفهم الثوري. فقد كانت تأثيرات الانتهازية، والتحريفية، والتعصب الاجتماعي، والشوفينية الرجعية، بالإضافة إلى جهود الرفاق الآخرين لمكافحة هذه الأخطاء، جوانب مهمة في هذه العملية.
مثلاً، ساهمت المقارنات التي أجراها لينين وغيره من البلاشفة في صياغة البلشفية النهائية، وذلك في مواجهة أخطاء الأممية الثانية، والمناشفة، والاشتراكيين الثوريين، والتروتسكيين. ولم تتطلب صياغة الماركسية اللينينية لينين وحده، بل تطلبت أيضاً مساهمات وتناقضات وصراعات عدد لا يُحصى من الرفاق.
«في ظل الظروف الجديدة لعصر الإمبريالية، والحروب الإمبريالية، والثورات البروليتارية، طوّر قادتها تعاليم ماركس وإنجلس، ورفعوها إلى مستوى جديد.» - جوزيف ستالين، كرّاس موجز لتاريخ الحزب الشيوعي السوفييتي (البلاشفة) 1938.
«نشأ الحزب الشيوعي السوفيتي (البلشفي) على أساس حركة الطبقة العاملة في روسيا ما قبل الثورة؛ وانبثق من الدوائر والجماعات الماركسية التي أقامت صلة بحركة الطبقة العاملة وغرست فيها وعياً اشتراكياً. لطالما استرشد الحزب الشيوعي السوفيتي (البلشفي) بالتعاليم الثورية للماركسية اللينينية. وفي ظل الظروف الجديدة لعصر الإمبريالية والحروب الإمبريالية والثورات البروليتارية، طور قادته تعاليم ماركس وإنجلس ورفعوها إلى مستوى جديد. [...] ينظر أصحاب النزعة النصوصيّة [...] إلى الماركسية، واستنتاجاتها وصيغها المنفصلة، على أنها مجموعة من العقائد التي (لا) تتغير أبداً، بغض النظر عن تغيرات ظروف تطور المجتمع. ويعتقدون أنهم إذا حفظوا هذه الاستنتاجات والصيغ عن ظهر قلب وبدأوا في الاستشهاد بها عشوائياً، فسيكونون قادرين على حل أي مشكلة، معتبرين أن الاستنتاجات والصيغ المحفوظة ستخدمهم في جميع الأزمنة والبلدان، وفي جميع مناسبات الحياة. لكن هذا لا يمكن أن يكون قناعة إلا لدى من يرون ظاهر الماركسية دون جوهرها، من يحفظون نصوص استنتاجاتها وصيغها عن ظهر قلب، دون فهم معناها» (ستالين، المرجع السابق نفسه).
كان من بين إسهامات لينين إصراره على ضرورة ربط كل شيء بسياق مادي، ودراسته ضمن سياقه المادي الكامل. وتؤيد اللينينية هذا المنهج، مدركةً أن البحث المستمر ضروري لفهم التغيرات المتواصلة. وقد استلزم الفهم الكامل للماركسية استيعاب ما قبل الرأسمالية الاحتكارية، والاستعمار، والعسكرة، وتجربة كومونة باريس. أما اللينينية، فقد استوعبت الإمبريالية العالمية، وتوطيد الرأسمالية الاحتكارية والمالية، والحرب الإمبريالية العالمية، والصراع بين الأحزاب والأطراف المختلفة. ومنذ ذلك الحين، استوعبت اللينينية معارف ظواهر جديدة كالبناء الاشتراكي، والتجميع الزراعي، والصراع الطبقي. بعد إرساء أسس الاشتراكية، انصبّ التركيز على الفاشية، والتهديد النووي، والظواهر التاريخية الجديدة في العالم، مثل جمهورية الصين الشعبية، والديمقراطيات الشعبية، وغيرها. ومؤخراً، تناولت الماركسية اللينينية مشاكل الليبرالية الجديدة، والمراجعة التاريخية، والانهيار، والواقعية الرأسمالية، ومجتمع ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أنها لا تزال تكافح من أجل دمج هذه القضايا بنجاح وتماسك. لقد وُجد المجهر قبل أن يتمكن علماء الأعصاب من الاستفادة الكاملة من هذه التقنية لوصف الدماغ. وكما يسعى العلماء إلى دمج جميع التقنيات لتعزيز فهمهم، سعت الماركسية اللينينية إلى فهم الظواهر المذكورة أعلاه على أساس مادي ملموس. فقط من خلال الكفاح والبحث المستمرين يمكن لفهمنا أن يواكب العصر الحديث.
تطوُّر الرفاق
«غالبًا ما لا يُمكن الوصول إلى المعرفة الصحيحة إلا بعد تكرار عملية الانتقال من المادة إلى الوعي ثم العودة إلى المادة، أي من الممارسة إلى المعرفة ثم العودة إلى الممارسة. هذه هي نظرية المعرفة الماركسية، نظرية المعرفة المادية الديالكتيكية. يوجد بين رفاقنا الكثير ممن لم يفهموا هذه النظرية بعد. فعندما يُسألون عن مصادر أفكارهم وآرائهم وسياساتهم وأساليبهم وخططهم واستنتاجاتهم، وخطاباتهم البليغة ومقالاتهم المطولة، يجدون الأسئلة غريبة ولا يستطيعون الإجابة. كما أنهم لا يدركون أن المادة يُمكن أن تتحول إلى وعي والوعي إلى مادة، على الرغم من أن هذه القفزات ظاهرة من ظواهر الحياة اليومية. لذلك، من الضروري تثقيف رفاقنا في نظرية المعرفة المادية الديالكتيكية، حتى يتمكنوا من توجيه تفكيرهم بشكل صحيح، وإتقان البحث والدراسة واستخلاص الخبرات، والتغلب على الصعوبات، وتقليل الأخطاء، وتحسين أدائهم، والنضال بجد لبناء الصين دولة اشتراكية عظيمة وقوية، ومساعدة جماهير المضطهدين والمستغلين في جميع أنحاء العالم، في سبيل الوفاء بواجبنا الأمميّ العظيم» - (ماو تسي تونغ، من أين تأتي الأفكار الصحيحة، 1963).
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1260