فنزويلا: النفط والذهب والعناصر النادرة تثير حيوانيّة الوحش الأمريكي المأزوم
إضافةً إلى امتلاكها أكبر احتياطيات نفطية في العالم، تتمتع فنزويلا باحتياطيات هائلة من الغاز (سادس أكبر احتياطي عالمياً)، واحتياطيات ضخمة من الذهب، هي الأهم في أمريكا اللاتينية، والحديد (في المرتبة 12 عالمياً)، والماس والخام الرئيسي للألمنيوم (البوكسيت).
إعداد: د. أسامة دليقان
تقع فنزويلا في شمالي قارة أمريكا الجنوبية، ويحدها البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي شمالاً، وكولومبيا غرباً، والبرازيل جنوباً، وغويانا شرقاً. وتتميز فنزويلا بكونها دولة كبيرة المساحة ذات تنوع تضاريسي استثنائي يتراوح بين جبال الأنديز الشاهقة وسهول اللانوس الواسعة والهضاب القديمة في الجنوب.
وتبلغ مساحة البلاد الكلية 912 ألف كيلومتر مربع تقريباً، أي ما يعادل مجموع مساحتي فرنسا وألمانيا معاً، أو ضعف مساحة ولاية كاليفورنيا الأمريكية.
أعلى قمة في البلاد هي «بيكو بوليفار» بارتفاع 4,978 متراً ضمن سلسلة جبال الأنديز. وأطول أنهارها «نهر أورينوكو»، أحد أطول أنهار أمريكا الجنوبية، ويشكل مع روافده شبكة مائية رئيسية.
التضاريس الجغرافية لفنزويلا
يمكن تقسيم تضاريس فنزويلا إلى أربع مناطق طبيعية رئيسية:
1- السهول الشمالية المنخفضة (حوض بحيرة ماراكايبو)، في الشمال الغربي، وهي منطقة منخفضة، وبحيرة ماراكايبو هي أكبر بحيرة في أمريكا الجنوبية، وتشكل قلب المنطقة المنتجة للنفط في البلاد.
2- الجبال الشمالية (امتداد جبال الأنديز)، تمتد على شكل قوس واسع بمحاذاة الساحل الشمالي من الغرب إلى الشرق، وتضم أعلى قمم البلاد. تحتوي الوديان الخصبة بين هذه السلاسل الجبلية على معظم سكان البلاد وصناعاتها ومدنها الرئيسية مثل العاصمة كاراكاس.
3- سهول أورينوكو الوسطى (اللانوس)، تمتد عبر وسط البلاد، جنوب الجبال الشمالية، وهي عبارة عن سهول عشبية شاسعة ومنبسطة، تعد تقليدياً منطقةً لرعي الماشية. وتتميز بمواسم متطرّفة ما بين الجفاف والأمطار الغزيرة.
4- مرتفعات غويانا الجنوبية الشرقية، الواقعة جنوب شرقي البلاد، وتغطي أكثر من نصف مساحة فنزويلا. وهي واحدة من أقدم التكوينات الجيولوجية في القارة، وتتميز بهضاب مسطحة القمة تسمى «تبوي» Tepuis يصل ارتفاع بعضها آلاف الأمتار. وتقع فيها شلالات آنجل، أعلى شلالات في العالم.
السكان والخصائص الديموغرافية
عدد سكان فنزويلا وفق تقديرات حديثة (عام 2025) يبلغ قرابة 28.5 مليون نسمة، مع وجود تقديرات أخرى (عام 2023) بأنهم نحو 30.5 مليون نسمة. الكثافة السكانية منخفضة نسبياً، حيث تبلغ تقريباً 32 نسمة في الكيلومتر المربّع.
تبلغ نسبة التحضر في فنزويلا نحو 100% وفقاً لإحصاءات حديثة (والمقصود بنسبة التحضر نسبة السكان الذين يعيشون في المناطق الحضرية كالمدن والبلدات من إجمالي سكان الدولة). وتتركز الكثافة السكانية بشدة في مدن الشمال والوسط مثل كاراكاس وماراكايبو وفالنسيا.
أما التركيبة العرقية لشعب فنزويلا، فهم مزيج متنوع نتيجة الهجرة التاريخية، يشمل خليطاً من أصول أوروبية (إسبانية، إيطالية، برتغالية)، وأفريقية، وسكان أصليين.
اللغة الإسبانية هي اللغة الرسمية والسائدة في البلاد، كما يعترف الدستور الفنزويلّي بلغات السكان الأصليين. دينيّاً، الغالبية العظمى من السكان مسيحيون كاثوليك، مع وجود أقليات بروتستانتية وديانات أخرى.
على الرغم من حجمها، فإن سكانها ليسوا بكثافة عالية ويتوزعون بشكل غير متساو، مع تركيز كبير في المدن الشمالية. اقتصادها تاريخياً معتمد على الموارد النفطية الوفيرة في مناطق مثل بحيرة ماراكايبو.
فنزويلا غنية بالذهب والعناصر النادرة
تمتلك فنزويلا مخزوناً كبيراً من العناصر الأرضية النادرة، وخاصة الكولتان والثوريوم، وهما عنصران كيميائيان يتميزان بخصائص مغناطيسية وموصلة ضرورية للتكنولوجيا الحديثة - كالهواتف المحمولة والمركبات الكهربائية والأسلحة والطاقة المتجددة. تقع هذه الثروات في منطقة جغرافية غنية بالتنوع البيولوجي، وموارد مائية وفيرة، وإمكانية الوصول المباشر إلى البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي.
بين عامي 2014 و2015، عندما بلغ قطاع النفط أدنى مستوياته وعانت البلاد لسنوات من نقص حاد في الغذاء والدواء، اعتمد نظام شافيز على موارد التعدين جنوب نهر أورينوكو للبقاء. أحد الانتقادات لإدارة الاقتصاد في تلك المرحلة هو عدم إنعاش شركات الحديد والبوكسيت والألومنيوم والصلب، والتي يقال إنها عانت من نقص الاستثمار وسوء الإدارة.
في عام 2016، وقّع الرئيس نيكولاس مادورو مرسوم إنشاء منطقة أورينوكو للتعدين، وهي منطقة تبلغ مساحتها نحو 112,000 كيلومتر مربع - أي ما يعادل 12% من مساحة البلاد - وتقع جنوب نهر أورينوكو. وتُعتبر هذه المنطقة استراتيجية لاستخراج الذهب بشكل أساسي، بالإضافة إلى الماس والكولتان والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، في ظل أسعار عالمية مواتية. وقد أكدت الحكومة أن منطقة أورينوكو للتعدين تحتوي على أكثر من 8,000 طن من الذهب، مما يمكن أن يضع فنزويلا ضمن الدول التي تمتلك أكبر احتياطيات من الذهب. وتحدثت حكومة مادورو أيضاً عن إمكانية استغلال ما يصل إلى مليون قيراط من الماس، و12 ألف طن من النيكل، و35 ألف طن من الكولتان، ورواسب نحاسية كبيرة.
ولكن تم توجيه انتقادات واتهامات لحكومة مادورو بعد عقد من الزمن، في أنها بدلاً من أن تجعل المنطقة مركزاً للتنمية، حوّلت منطقة أورينوكو للتعدين إلى بؤرة خطيرة للجريمة والفساد السياسي والعسكري والتهريب، وأضرار بيئية كبرى، وأنه لم يتم فيها تعدين واسع النطاق، بل استغلال وصف بأنه «فوضوي وغير منضبط».
في عام 2023، أعلنت الحكومة الفنزويلية أن الكاسيتريت والنيكل والروديوم والتيتانيوم وغيرها من المعادن الأرضية النادرة موارد استراتيجية لاستكشافها واستخراجها وتسويقها، باعتبارها مادة خام أساسية لصناعة التكنولوجيا. وتُعدّ ما يُسمى بالرمال السوداء -وهي سوق تهيمن عليها الصين إلى حد كبير- جائزة أخرى يأمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهبها.
تصريحات ترامب الاستعمارية حول نفط فنزويلا
عندما قال ترامب: «أتذكرون، لقد سلبوا منا جميع حقوقنا في مجال الطاقة. استولوا على نفطنا منذ وقت ليس ببعيد، ونريد استعادته»، فإنه يشير على الأقل إلى نزاع فنزويلا تحت قيادة هوغو شافيز مع شركة إكسون موبيل، والذي أدى إلى انسحاب الشركة من فنزويلا عام 2007. وفي إطار أوسع يبدو أنه يشير إلى حرمان رأس المال الأمريكي وشركاته النفطية من المستوى الذي كانت تطمح إليه من أرباح الاستيلاء على نفط فنزويلا، منذ أن تعرضت لضربة هامّة بفعل التوجهات الوطنية والشعبية الثورية التي أدّت إلى تأميم الصناعة النفطية في فنزويلا في عام 1976، رغم أنه تم تعويض الشركات الأمريكية في ذلك الوقت.
وشنّت القوات الأمريكية بإدارة ترامب في 3 كانون الثاني 2026 عدواناً عسكرياً على فنزويلا وقامت باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، واقتيادهما أسيرَين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتبع ذلك تصريحات تتبجّح بكل وضوح بخطط الولايات المتحدة لإدارة ونهب ثروة فنزويلا النفطية.
فقال ترامب إن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا «حتى نتمكن من إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم» على حد زعمه، دون تفاصيل واضحة. وأكد ترامب أن «شركات النفط الأمريكية الكبرى - الأكبر في أي مكان في العالم - ستدخل وتنفق مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية النفطية المتدهورة بشدة» في فنزويلا، بحسب وصفه، وأن هذه الاستثمارات ستتم لبدء «جني الأموال للبلاد».
وذكر ترامب أن تكاليف إعادة الإعمار «سيتم دفعها مباشرة من قبل شركات النفط»، مع تعويضها لاحقاً، وأن جزءاً من ثروة النفط سيذهب إلى الولايات المتحدة «على شكل تعويض عن الأضرار التي تسببها لنا تلك البلاد» بحسب تعبيره.
وقال ترامب إنّ «الحظر على النفط الفنزويلي سيظل سارياً بالكامل»، لكنه أشار إلى أن الولايات المتحدة تخطط «لبيع كميات كبيرة من النفط إلى دول أخرى»، وأن الشركات الأمريكية ستسعى لجعل النفط «يتدفق بالطريقة التي يجب أن يكون عليها».
ووصفت صحيفة نيويورك تايمز تصريحات ترامب بأنها جعلت نفط فنزويلا «عاملاً محورياً» في قراره بشن العملية العسكرية على فنزويلا. كذلك أعرب سياسيون أمريكيون بشكل صريح عن أهمّية الأطماع الأمريكية في ثروات فنزويلا وخاصةً النفط كسبب رئيسي وراء العدوان. على سبيل المثال قالت كمالا هاريس نائبة الرئيس السابق جو بايدن: «هذا لا يتعلق بالمخدرات أو الديمقراطية. إنه يتعلق بالنفط ورغبة دونالد ترامب في لعب دور الزعيم الإقليمي القوي».
بالمثل أشار خبراء إلى أن فنزويلا تلعب دوراً ثانوياً نسبياً في تهريب المخدرات التي تصل إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي يتناقض مع مزاعم ترامب التي يستخدمها كذريعة للعدوان والغزو.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1259