كيف نقاوم التلاعب بالوعي؟ (1)

كيف نقاوم التلاعب بالوعي؟ (1)

يلخّص العالم الروسي-السوفييتي سيرغي قره-مورزا في خاتمة كتابه الشهير «التلاعب بالوعي» مجموعة من الطرائق والتقنيات التي يلجأ إليها المتلاعبون بوعي الناس، وخاصّةً المتلاعبون سياسيّاً بالرأي العام، وكيفية كشف ومقاومة هذا التلاعب. المادة التالية مبنية على قراءة في نصّ قره مورزا في هذا المجال، وما يمكن أن يستنتج منه مع أمثلة تخص واقعنا. (أصدر قره-مورزا كتابه بالروسية عام 2000، محلّلاً خصوصاً عمليات التلاعب بالوعي لتفكيك الاتحاد السوفييتي. ولم يُترجَم للعربية سوى نصفه الأول فقط؛ «التلاعب بالوعي»، ترجمة عياد عيد، منشورات وزارة الثقافة – الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2012).

1- اللغة

قيِّمْ لغة المتحدث الذي يخاطبك. هل التعبيرات والأساليب اللغوية التي يستعملها توصل إليك أفكاراً ورسائل مفهومة أم تشعر وكأنه يحدثك بلغة أجنبية لا تفهمها؟ طالِـبْهُ بالتوضيح فهذا حقّك إذا كان هو يزعم حقاً أنه يريد إفهامك أو التأثير عليك إيجابياً. أما عندما يتكلم خطيبٌ ما -سياسيٌّ أو مثقّف مثلاً- بلغة غامضة أو ملتبسة وكأنها لغة أجنبية أو محشوة بالمصطلحات التي تبدو مقحمةً بشكل مصطنع ومتكلّف ويتم الإكثار منها على نحو مريب، فهذه قد تكون علامةً على أنّه يمارس التلاعب بوعيك. فالمتحدث الصادق وخاصةً إذا كان يخاطب جمهوراً واسعاً عامّاً إذا كان حريصاً حقاً على أن يفهم الناس ماذا يريد أو عن ماذا يتحدّث، وليس أن تعلق في وعيهم و«لاوعيهم» إشارات خفيّة، فيفترض به أن يستخدم لغة واضحة مفهومة والأفضل أن يكون كلامه حوارياً. ففي حياتنا اليومية -إذا استثنينا المجالات المهنية التخصصية كالعلوم والتكنولوجيا- يفترض ألّا توجَد مشكلةٌ أو قضية لا يمكن شرحها أو تقريبها بدرجة كافية لأذهان عامة الناس، والأمر هنا يعتمد على مهارة المتحدث وقدرته على الإفهام والتوضيح وإبداعه في التفسير والشرح. بالمقابل فإنّ الحديث الغريب أو الملتبس يميل إلى قمع السامعين أو الإيحاء لهم بأنه فوقيٌّ ونازلٌ مِن سُلطة «خبيرة» - أو يجعل منه أشبه بالساحر الذي يلقي التعاويذ المصمَّمة لجعل سامعيه يتسمّرون في أماكنهم وينكمشون على أنفسهم وهم يحاولون فكَّ طلاسم كلامه.

2- قاوِمْ المتلاعبين بعواطفك

إذا شعرت بأنّ المتحدث بدأ يمارس الضغط على حواسّك وعواطفك بشكلٍ يثير الريبة، فمن الأفضل هنا أن تتوقف برهةً وتتماسك، كي لا تنجرف عاطفياً تحت تأثير ما يمكن أن يكون خداعاً - مثلاً في الصوت المُتَهدِّج أو الدموع المتلألئة أو الصَّخَب أو العبوس أو التبسُّم أو القهقهة...إلخ. هذا لا يعني طبعاً بأنّ أيّ شخصٍ يُظهر العواطف والتأثر أثناء خطابه هو كاذب، المسألة تحتاج إلى تقدير صحيح، ولا يمكن الوصول إليه سوى عبر تقييم موضوعي اعتماداً على أن نبقي في أذهاننا في المقام الأول الإجابة على السؤال التالي، وخاصةً تجاه خطابات السياسييّن: ما هي المصلحة المحدَّدة التي ينطلق منها المتحدث في المكان والزمان والظرف الملموس (طبقية - وطنية – شعبية – حزبية – شخصية، إلخ...)؟

3- فكّر بما وراء التكرار؟

في القسم الأخير (الخلاصة) من كتابه، يصف قره-مورزا التكرار بأنه «الوسيلة الرئيسة للبروباغاندا غير العادلة». هذا الحُكم صحيح إذا كان المقصود التكرارات التي يستعملها المتلاعبون بوعي الناس بغرض الاستغلال والإخضاع والاستبداد أو الإساءة عموماً. فلنقلْ إنّ ما قصده قره-مورزا هنا «التكرار الخبيث». ولكن بالطبع يمكن أن يكون التكرار حميداً لا يهدف إلى التلاعب بالوعي، بل إلى استنهاض وعيٍ تحرّري وتقدّمي. يمكن أن نورد أمثلة على كلّ من النوعين: الخطاب الأمريكي-الصهيوني يركّز على تكرار صيغة «الدفاع عن النفس» ليحاول تبرير كلّ عدوان ومجزرة تُرتكَب بحق الشعب الفلسطيني، حتى أنّ جيش الاحتلال يسمّي نفسَه «جيش الدفاع الإسرائيلي»، وبالمقابل يكرّر نَعتَ المقاومين بأنهم «مخرّبون» و«إرهابيّون»، ويسمّي كيانه «دولة إسرائيل» رغم أنّه محتلّ وغير شرعيّ ولا يلتزم بحدود. بالمقابل يحرص الخطاب المقاوم على استعمال تكرارات حميدة، مثل «كيان الاحتلال الصهيوني» و«المستوطنين» وليس «مواطني/سكان إسرائيل»...إلخ. كذلك تكرر أنظمة التطبيع العربية وصف الشهداء الفلسطينيين بأنهم مجرّد «قتلى». ومن الأمثلة المتعلقة بالأزمة السورية: التكرار الخبيث لدى المتشدّدين في كلّ من النظام والمعارضة معاً لتعابير «الانتصار» و«السحق» و«الحسم/الإسقاط» وذلك بغرض الهروب من استحقاقات الحلّ السياسي والتفاوضي للأزمة وعرقلتها. وقد يكون التكرار الخبيث ليس لمصطلح بعينه بقدر ما هو تكرار لـ«ثيمة» أو فكرة مركَّبة من «اقتضاءات منطقية» قد تصاغ بعدة أشكال، على سبيل المثال نلاحظ لدى الرافضين للحل السياسي تكراراً خبيثاً لسلسلة الأفكار التالية: 1-«صدرت قرارات عن مجلس الأمن الدولي تخصّ منطقتنا والأراضي المحتلة منذ عشرات السنين وما زالت حبراً على ورق». 2- «القرار 2254 صادر عن مجلس الأمن الدولي أيضاً». 3- من (1) و(2) نستنتج منطقياً بأنّ الحل السياسي للأزمة السورية سيظلّ حبراً على ورق وسيبقى وَهماً لعشرات السنين القادمة.
نقطة الضعف الكبرى الأساسية في السلسلة «المنطقية» المزعومة أعلاه تكمن في أنها تنتمي إلى «المنطق الميتافيزيقي» أيْ السكونيّ الذي يرى التاريخ جامداً ثابتاً على حالة واحدة بخلاف المنطق الديالكتيكي الذي يرى التاريخ في حركته وتطوّره – والحالة التي يتوهّم ثباتَها المحتجّون بالمنطق السكونيّ الغشيم المذكور أعلاه (كلمة غشيم بالعربية الفصحى تحمل معنَيَين في آن معاً: الجهل والفظاظة – لاحظ «غاشم» مثلاً) هي حالة الهيمنة المطلقة للأحادية القطبية الأمريكية، والتي كانت بالفعل تعطّل تطبيق العديد من القرارات الأممية التي تقرّ بحقوق الشعوب الرازحة تحت الاحتلال وتنص على إنهاء الاحتلال. والمنطق الغشيم هذا يتجاهل تماماً كلّ التغيير الكبير الذي طرأ على ميزان القوى الدولي خلال السنوات الماضية، وأنّ واشنطن والصهاينة صاروا أضعف ولم يعودوا بالقوة السابقة حتى يعوّلوا عليهم لعرقلة تنفيذ القرار 2254 (لعام 2015) كما عرقلوا مثلاً تنفيذ القرار 242 (بشأن الأراضي المحتلة بعد عدوان 5 حزيران 1967)، كما ويتجاهلون أنّ قوى دولية على رأسها روسيا والصين تصعد بتسارعٍ وتناقضٍ مع مصالح الهيمنة الإمبريالية، وتدفعها التطورات والضغوط الموضوعية إلى أن تصطف أكثر فأكثر إلى جانب الشعوب المضطهَدة في العالَم بما فيها شعوب منطقتنا، وتضيفُ تطوراتُ مواقف هذه القوى تجاه العدوان الجاري على غزة والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، أدلة إضافية على ذلك.

4- تفكيك القضايا وانتزاعها من سياقها

إحدى الوسائل التي يلجأ إليها المتلاعبون بالوعي هي تفكيكُ القضايا المترابطة وكذلك انتزاع كلّ قضية من سياقها التاريخي أو نسيجها الملموس. وحول هذا كتب قره-مورزا: «المتلاعِب يقود تفكيرنا، وبالتالي تصرفاتنا بناءً على تأويل رسالته، إلى زقاقٍ ضيّق». وربما من الطرق المساعدة لتكتشف فيما إذا كان أحدٌ -أو جهةٌ- يتلاعب بوعيك بطريقة تفكيك القضايا، هي أن تتساءل عمّا أغفلَه المتلاعبُ ولم يذكره، وخاصةً عندما يحاول أن يحشر تفكيرك بالقضية التي يركّز عليها فقط وكأنها معزولة عمّا سواها ولا تتأثر أو تؤثر بباقي القضايا. يكتب قره-مورزا: «حالما يكون هناك شبهة بأنّ سياسيّاً أو دعائيّاً ما يلتزم الصمت بشأن الإطار الخارجي للمشكلة، فهذا كفيل بأنْ يثير حذرنا من أنّه يتلاعب». ويمكننا تحت هذا العنوان العريض استنتاج تقنيات «تفكيك» تلاعبيّة فرعيّة: مثلاً، يمكن أن يحاول المتلاعب بالوعي تفكيك قضية رئيسية عن قضايا رئيسية أخرى مترابطة معها، ومثال هذا في بلادنا من يحاولون عزل القضية الوطنية عن القضيتين الاقتصادية-الاجتماعية والديمقراطية، في حين أنّ القضايا الثلاث مترابطة بشكلٍ وثيق ومؤثرة في بعضها بعضاً. كذلك يجري فصل المشكلات الاقتصادية مثلاً وكأنّ لا صلة لها بالنظام السياسي. يمكن أيضاً أن يحاول المتلاعب تفكيك المكونات الداخلية للقضية الواحدة بعضها عن بعض وخاصّةً بهدف التعمية عن المكونات الأكثر جوهرية فيها، ومثال ذلك عندما يتم الحديث عن الفساد، كثيراً ما تجري محاولات حصر تفكير الناس بظواهر الفساد الصغير وكأنها مستقلة عن الفساد الكبير، بينما الحقيقة هي أنّ الفساد الكبير هو مكوّنها الأساسي وباقي مستويات الفساد الأصغر مشتقة منه.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1178