الثمرة الحامضة ... غزة والباحثون «الحياديون»

الثمرة الحامضة ... غزة والباحثون «الحياديون»

أثناء البحث عن العواقب الصحية الكارثية التي تخلّفها حرب الإبادة التي يشنّها كيان الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة، تَعثّر كاتبُ هذه السطور بمقالٍ صغير في أحد المواقع السوريّة، وكان كما يُقال في لغة الكيمياء (عديم الطعم واللون والرائحة).

لم يكن ما كُتِب في المقال المذكور، من تعدادٍ لبعض الأوبئة وأرقام انتشارها في غزة اليوم، هو مبعث التساؤل والانتقاد، بل بالتحديد ما لم يُكتَب فيه؛ حيث تمّ عَرض الموضوع وكأنّ سبب هذه الأوبئة (كارثة طبيعية) ضربت (جزيرةً هانئة)! فلا ذِكر على الإطلاق للاحتلال ولا الحرب ولا لأيّ إشارة للكيان الصهيوني أو «إسرائيل» ولا للدعم الأمريكي الغربي لها.
وتَسقط هنا أيّ ذرائع واهية حول أنّ الموضوع (علميّ بحت) وليس (سياسياً). بل مِن باب (الأمانة العِلميّة) بالذات، كيف يمكن لأحدٍ أنْ يزعم كتابة شيءٍ ذي فائدة عن (الأمراض المُعدية والأوبئة بين سكان غزة) - ناهيك عن تقديمه في إطار (عِلميّ) - دون أنْ يتطرّق ولو بكلمةٍ واحدة إلى السبب العِلمي الجوهري والعَملي الحقيقي الذي أنتج هذه المعاناة؟! والمتمثّل طبعاً بجرائم الاحتلال الصهيوني. أفلا يقتضي الوفاء بأحد أهمّ شروطِ العِلم، تمييزاً له عن العِلم الزائف، أنْ يتمّ كشف الأسباب الحقيقية للظواهر وبيان ولادة النتائج مِن أسبابها؟!
كيف يمكن لأيّ جهةٍ تدّعي (البحث العلمي) أو حتى (التبسيط العِلمي) أنْ تَفهم أو تعرض الكارثة الصحية والإنسانية في قطاع غزة، مع تجاهل حصار الاحتلال المزمن والمتواصل؟ وذلك قبل وبعد عملية المقاومة (طوفان الأقصى) في 7 أكتوبر، وصولاً لجرائم الحرب والإبادة الجماعية المستمرّة. مقالُ (الباحثين الحياديّين)، الذي نُشِر بعد 98 يوماً على بدء العدوان الحالي على غزة، لم يجد بين سطوره مكاناً حتى لذكر هذا السبب العِلميّ الأساسي للنتيجة التي اكتفى بتوصيفها وكأنّها أوبئة على المرّيخ! علماً بأنّ أوّل مَصدرٍ ذَكره المقالُ نفسُه لمعلوماته كان منظمة الصحة العالمية، التي لم تستطع إلّا أنْ تقرّ بتدمير الاحتلال للبنية التحتية الصحّية والخدمية بما فيها المستشفيات والمراكز الصحية وقتله للكوادر الطبية والمسعفين كسببٍ رئيسيّ في انتشار الأوبئة بغزّة.
بحثاً عن تفسيرٍ لهذا الصَّمت (العِلمي) في مقالهم عن غزّة، وأملاً بأنّه (خطأ فرديّ) مثلاً، حاول كاتب هذه الزاوية استكشاف فيما إذا كان الكلام في «السياسة» أو عن «إسرائيل» محظوراً عموماً على (الباحثين الحياديّين)؟ فوَجد سابقةً على الأقل لقيام موقعهم نفسه (عام 2017) بنشر مقالٍ احتفى استباقياً بمشروع (السنكروترون الضوئي للعلوم التجريبية وتطبيقاتها) أو (سمسم) SESAME الذي أقيم في الأردن، ذاكراً أنه ينطلق «في ظلّ الاضطراب السياسيّ الحاصل اليوم في الشرق الأوسط». ورغم معرفتهم التامّة بمشاركة «إسرائيل» فيه وذكرهم اسمها إلى جانب «متعاونين» عرب وإقليميين آخرين، لكنّ (الحيادية العِلمية) لم تمنعهم من وصف «سمسم» في مقالهم بـ«الإعجاز العلمي الحضاري بكل معنى الكلمة»!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1160
آخر تعديل على الأربعاء, 14 شباط/فبراير 2024 13:47