الجفاف الزراعي في آسيا الوسطى مرشَّح للتفاقم
Nature Geoscience Nature Geoscience

الجفاف الزراعي في آسيا الوسطى مرشَّح للتفاقم

اجتاح جفاف زراعي حاد آسيا الوسطى عام 2021 في موسم النموّ المبكر للمحاصيل، مما تسبب في هلاك جماعي للمحاصيل التي ذبلت بسبب نقص إمدادات المياه، كما نفقت الآلاف من الأغنام والأبقار والخيول بسبب نقص المياه والأعلاف. وساهم ذلك بارتفاع أسعار المواد الغذائية. ركّزت دراسة حديثة نشرت في كانون الثاني الجاري 2023 في مجلة «الطبيعة لعلوم الأرض»، على محتوى «رطوبة التربة السطحية» في أشهر نيسان وأيار وحزيران، وهو الوقت المبكر لنموّ المواسم في آسيا الوسطى، حيث تعتمد النباتات في هذه المنطقة بشكل أساسي على مياه التربة الضحلة والمياه الجوفية الضحلة للبقاء على قيد الحياة، علماً بأنّ انخفاض رطوبة التربة السطحية في جنوب آسيا الوسطى لوحظ منذ خمسينات القرن الماضي.

تعريب وإعداد: د. أسامة دليقان

هناك قلق متزايد فيما يتعلق باكتشاف ومعرفة أسباب التغيرات طويلة الأجل في رطوبة التربة على المستويات الإقليمية أو العالمية. ففي حين يُعزى نقص رطوبة التربة إلى الاحترار ذي المنشأ البشري في أمريكا وأوروبا ونصف الكرة الأرضية الشمالي، يُقترح أيضاً أنْ تتسبب التقلّبات المناخية الطبيعية في حدوث جفاف زراعي شديد على النطاقات الإقليمية.
هذا الجفاف القاسي ليس حدثاً مستقلاً بل هو تكثيف لاتجاه مستمر منذ التسعينات. ما إذا كان الجفاف الزراعي المتفاقم سيستمر في المستقبل هو مصدر قلق كبير لكل من عموم الناس والمجتمع العِلمي.
كان العجز برطوبة التربة في عام 2021 من أشدّ حالات الجفاف خلال 70 عاماً الماضية. حيث سجّلت انخفاضاً بنسبة 11.79% دون المتوسط المناخي (1995–2014). ويرتبط الجفاف الزراعي بتغيرات العوامل الجوية، بما في ذلك درجة الحرارة وهطول الأمطار.
وبحسب الدراسة، تأثرت رطوبة التربة السطحية عبر جنوب آسيا الوسطى بشكل سلبي بدرجة حرارة الهواء السطحي. حيث يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى زيادة معدّل التبخر والنتح واستنزاف رطوبة التربة السطحية. وشهدت آسيا الوسطى اتجاهاً كبيراً نحو «الاحتباس الحراري» في نصف القرن الماضي. كان اتجاه الاحترار ملحوظاً بقوة أكبر بعد العام 1992، كما يتضح من معدل الاحترار 0.36 درجة لكلّ عَقد للفترة 1950–1992، و0.49 درجة لكل عَقد للفترة 1992–2020. وأوضح معدّل الاحترار المعزَّز بعد عام 1992 جزئياً اتجاه التجفاف المتفاقم في رطوبة التربة.
يرتبط الجفاف الزراعي أيضاً بنقص هطول الأمطار، وارتبط محتوى رطوبة التربة السطحية ارتباطاً وثيقاً بالتهطال المبكر في الفترة من آذار إلى أيار. ويمكن أنّ يؤدي نقص هطول الأمطار على مدى فترة طويلة من الزمن إلى نقص المياه للتربة والبيئة، وعادة ما يحدث تأخّر بين الجفاف الجوي وتمظهره كجفاف زراعي.

«تذبذب المحيط الهادي بين العقود»

بحسب الدراسة فإنّ تفاقم حالات الجفاف الزراعي عبر جنوب آسيا الوسطى في أوائل موسم نموّ المحاصيل منذ عام 1992 كان سببه مزيجاً من التأثير البشري والتنوع الداخلي المرتبط بظاهرة «التذبذب بين العقود في المحيط الهادئ» أو ما يعرف اختصاراً بـIPO. والمقصود التذبذب الطبيعي طويل الأمد لدرجات حرارة سطح المياه في المحيط الهادئ، الذي يتضاءل ويتلاشى كل 20 إلى 30 عاماً، ويؤثر على فترات الجفاف في آسيا الوسطى. واستنتجوا أيضاً أنّ الانخفاض الذي يسببه الإنسان في رطوبة التربة سيتفاقم في المستقبل بسبب ارتفاع درجة حرارة المناخ بسرعة. على سبيل المثال، أدت دورة IPO منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى جعل سطح البحر الأكثر دفئاً من المعتاد في المناطق الاستوائية في وسط شرق المحيط الهادئ، وإلى انخفاض هطول الأمطار في الربيع عبر جنوب آسيا الوسطى وانخفاض لاحق في رطوبة التربة في أوائل موسم النمو.

الأسباب بشرية المنشأ

إنّ مدى مساهمة انبعاثات غازات «الاحتباس الحراري» في التغير المناخي يظلّ محلّ جدال علمي واسع، بين اتجاهات تنسبه بشكلٍ متطرّف وكامل إلى عوامل بشرية بحتة مع إهمال عوامل طبيعية طويلة المدى محتملة، واتجاهات أخرى أقل انتشاراً، لا تنكر الدور البشري ولكن تدعو أيضاً إلى عدم تجاهل إمكانية وجود أسباب طويلة المدى على مستوى طبيعي وكوني مثل تبدل علاقة الأرض مع الشمس وتغير النشاط الكهرومغناطيسي للمنظومة ككل.
بالنسبة للدراسة الحالية، فإنها ذكرت «الأنشطة البشرية، ولا سيما انبعاث غازات الاحتباس الحراري»، بأنها تعزز اتجاه الاحترار الكبير في نصف القرن الماضي، وأدت إلى تسارع معدل الاحترار بعد التسعينات. وبحسب الدراسة «يؤدي الاحترار الذي يسببه الإنسان إلى زيادة التبخر النتح وانخفاض رطوبة التربة. بالإضافة إلى ذلك... كبح هطول الأمطار في فصل الربيع فوق جنوب آسيا الوسطى، مما قلل محتوى رطوبة التربة في أشهر نيسان وأيار وحزيران».

التأثير على الأمن الاقتصادي والاجتماعي

يعدّ إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية المساهم الرئيس في الناتج المحلي الإجمالي وتشغيل اليد العاملة في آسيا الوسطى، كما في كثير من بقاع العالَم التي يشكل النشاط الزراعي جزءاً مهماً من اقتصادها. فالتأثير الخطير للجفاف الزراعي لا يتوقف على الإضرار المباشر بالمحاصيل والثروة الحيوانية، بل يمثل أيضاً تحدياً للإنتاج والمعيشة والاستقرار الاجتماعي وحتى الأمن الإقليمي.
كشف الجفاف الكارثي الذي حدث خلال الفترة 2000–2001 أنه بسبب العوامل الهيكلية، بما في ذلك الفقر الريفي والإدارة غير المستدامة للموارد الطبيعية، من المرجّح للغاية أنْ يؤدي الجفاف الزراعي في آسيا الوسطى إلى مزيد من الأضرار الاجتماعية والاقتصادية.

تأثيرات مستقبلية

إذا تحوّل التذبذب بين العقود في المحيط الهادئ (IPO) إلى مرحلته الدافئة في العقود القليلة القادمة، كما افترضت بعض الدراسات السابقة، فإنّ زيادة بمقدار انحرافَين معياريَّين فوق اتجاه هذا التذبذب العام كفيلة بأنْ تنقص محتوى رطوبة التربة السطحية بنسبة مؤثّرة حتى عام 2040. وبحسب نتائج الدراسة، فإنّ الاتجاه التنازلي في رطوبة التربة السطحية منذ التسعينات سيتواصل في القرن الحادي والعشرين ما لم يجد البشر الإجراءات والحلول المناسبة. وسلّطت الدراسة الضوء على الحاجة الملحّة لتطوير خطة شاملة لإدارة المخاطر على المستويات القطاعية والمحلية والقطرية وحتى التعاون والتنسيق الإقليمي والدّولي ومتعدّد البلدان، للتكيّف والتخفيف من حدة الجفاف الزراعي.

المصدر:
دراسة بعنوان «تفاقُم الجفاف الزراعي عبر آسيا الوسطى الشحيحة بالمياه بفعل تغيّرات المناخ الداخلية»، منشورة في مجلة «الطبيعة لعلوم الأرض» Nature Geoscience بتاريخ 12 كانون الثاني الجاري 2023 من تأليف الباحثَين «جي جيانغ» و«تيانجون جو» من مختبر الدولة المركزي للنمذجة الرقمية لعلوم الجو وديناميك السوائل الفيزيائي-الأرضي، التابع لأكاديمية العلوم الصينية. واستندت الدراسة إلى أدلة متعدّدة، بما في ذلك الملاحظات ونماذج محاكاة قدّمها المركز الوطني الأمريكي لأبحاث الغلاف الجوي، ومعهد ماكس بلانك الألماني، ومنظمة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية في أستراليا.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1105