أمريكا تحاول عدم الانكفاء بممارسة سياسات عدوانية فائقة

أمريكا تحاول عدم الانكفاء بممارسة سياسات عدوانية فائقة

زعمت أمريكا مؤخراً، أن لها الحق في السيطرة على طرق الملاحة البحرية الدولية وحصارها في أعالي البحار على نطاق عالمي، بعيداً عن مياهها الإقليمية. إن خطاب السيطرة الأحادية على بحار العالم والتجارة الدولية لا يشكل ضربة مباشرة للدول الخاضعة للعقوبات الأحادية فحسب، بل يشكل أيضاً انتهاكاً مباشراً للدول الأخرى التي تستورد السلع من تلك الدول. فعلى سبيل المثال: يقطع الحصار الأمريكي على إيران إمدادات النفط الإيرانية إلى دول أخرى، بما يضر باقتصادات تلك الدول. ورغم أن محاولة أمريكا السيطرة الأحادية على بحار العالم تنتهك حقوق جميع الدول، فإن أمريكا تحاول كسر الدول واحدة تلو الأخرى، لأنها تدرك أن هذا النوع من المواجهة الثنائية هو الأكثر ملاءمة لها.

فيخاي بارشاد وجون روس


من منظور إطار السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة، فقد طرحت إدارة ترامب في هذا الصدد سياستين تبدوان، للوهلة الأولى، متناقضتين. من جهة، تنتهج أمريكا سياسة شديدة الصلابة وعدوانية تعتمد مباشرة على القوة العسكرية. فقد شنت حرباً شاملة على إيران، وفرضت حصاراً نفطياً بهدف إسقاط الحكومة الكوبية، وشنّت هجوماً عسكرياً على فنزويلا واختطفت رئيسها، كما احتجزت سفناً تابعة لدول أخرى بصورة اعتباطية في أعالي البحار، على بعد آلاف الكيلومترات من أمريكا.
ومن جهة أخرى، وفي الوقت نفسه، ألغت أمريكا الرسوم الجمركية البالغة 145 ٪ التي كانت قد فرضتها سابقاً على الصين، وخففت لهجتها السابقة المعادية للصين. وفي خطاب حالة الاتحاد الأخير، لم يذكر ترامب الصين مباشرة ولا مرة واحدة. أما في المسألة الروسية، فقد حاول ترامب الدفع نحو إنهاء الحرب في أوكرانيا، غير أن هذه الجهود لم تنجح حتى الآن.
هناك تفسيران محتملان لهذه المجموعة من السياسات والتحركات الأمريكية:

يرى التفسير الأول أن أمريكا تسعى فعلاً، على المستوى الاستراتيجي، إلى تحسين العلاقات مع الصين. وبحسب بعض القراءات، يعود ذلك إلى أن أمريكا قررت الانكماش إلى نصف الكرة الغربي، والتخلي عن الهيمنة العالمية.
أما التفسير الثاني، فيرى أن أمريكا لا تفعل سوى تبني استراتيجية تكتيكية، إذ أدركت أن تحدي الصين مباشرة منذ البداية، وهي التي تعتبرها «أقوى منافس»، كان خطأً.

إن التقييم الواقعي والدقيق لهاتين الإمكانيتين سيكون له، بلا شك، أهمية عملية كبرى في تقديرنا للأحداث التي تحتاج إلى توقعها والاستعداد لها. غير أنه لا يمكن إصدار حكم واضح بين هذين التفسيرين إلا من خلال ربطهما بالسياق العام لسياسات الإدارة الأمريكية، لا من خلال قراءة أحداث منفردة بمعزل عن غيرها. كما لا يمكن فهم مختلف القضايا الساخنة الراهنة فهماً دقيقاً إلا بوضعها ضمن هذا السياق. وسنعرض فيما يلي رؤية للمشهد العام تؤيد وجهة النظر هذه.


نصف الكرة الغربي لا يعني الانكفاء!


يذهب البعض إلى تفسير مفاده أن سياسة ترامب في ولايته الثانية تعني أن أمريكا تنكفئ إلى نصف الكرة الغربي. غير أن شنّ أمريكا حرباً شاملة على إيران في غرب آسيا قد أربك هذا الرأي. لكن هذا لا ينتقص من فكرة أن الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، تسعى للهيمنة على نصف الكرة الغربي. فقد نصّت «استراتيجية الأمن القومي» لعام 2025 بوضوح على أنّ: «الولايات المتحدة، بعد سنوات من الإهمال، ستعيد التأكيد على مبدأ مونرو وتطبّقه من أجل استعادة مكانتها المتميزة في نصف الكرة الغربي».
وقد أعادت إدارة ترامب التأكيد صراحة على مبدأ مونرو لعام 1823 «سيطرة أمريكا على القارة الأمريكية»، وأعلنت أنها ستطبّقه بكل الوسائل. لكن هذا ليس مجرد شأن ثنائي بين أمريكا وأمريكا اللاتينية. فـ «استراتيجية الأمن القومي» الجديدة، رغم أنها لم تسمِّ الصين صراحة، إلا أنها أوضحت بجلاء أن الهدف لا يقتصر على استقلال دول أمريكا اللاتينية، بل يشمل أيضاً الصين- التي تعد شريكاً رئيسياً في التجارة والبناء للعديد من دول المنطقة، وقد أسهمت علاقاتها معها في تعزيز قدرة هذه الدول على اتباع مسارات تنموية تتوافق مع ظروفها الوطنية.

ولهذا، تنص الاستراتيجية الجديدة عند تناولها لأمريكا اللاتينية على أن: «نرغب في أن تنظر إلينا الدول الأخرى باعتبارنا الشريك المفضل، وسنعمل على منعها من التعاون مع دول أخرى وينبغي أن نبذل كل ما في وسعنا لطرد الشركات الأجنبية التي تبني البنية التحتية في المنطقة». ومن الواضح أن عبارة «طرد الشركات الأجنبية التي تبني البنية التحتية» تشير مباشرة إلى الصين.


الصين الهدف الاستراتيجي الدائم


إن سياسة أمريكا تجاه أمريكا اللاتينية لا تتعلق بالقارة نفسها فحسب، بل تمثل أيضاً هجوماً على الصين. غير أن الهجوم الاستراتيجي الأمريكي على الصين لا يقتصر على نصف الكرة الغربي. ولتحديد ما إذا كان قرار ترامب بإلغاء الرسوم الجمركية البالغة 145٪ على الصين يعكس رغبة حقيقية في تحسين العلاقات، أم مجرد مناورة تكتيكية، لا بد من تحليل شامل ومعمّق لبقية سياساته.
فإلى جانب نصف الكرة الغربي، لم تنسحب إدارة ترامب من مناطق أخرى في العالم، بل على العكس، حدّدت الصين صراحة كهدف استراتيجي من خلال «استراتيجية الأمن القومي» لعام 2025 و«استراتيجية الدفاع» لعام 2026. فقد أشارت الأخيرة إلى أن الاستراتيجية الأولى وجّهت وزارة الدفاع إلى «الحفاظ على توازن عسكري مواتٍ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ». كما أوضحت الوثيقة أن تقليص الوجود العسكري في أوروبا يهدف إلى تركيز الموارد على مواجهة الصين. ورغم أن أمريكا تزعم أنها «ستواصل الانخراط في الشؤون الأوروبية»، إلا أنها تؤكد أن الدفاع عن الوطن واحتواء الصين يجب- وسيكون- على رأس الأولويات.

وفيما يتعلق بتايوان، شددت «استراتيجية الأمن القومي» لعام 2025 على استمرار تقديم الدعم العسكري: «إن الحفاظ على توازن عسكري تقليدي مواتٍ يظل عنصراً أساسياً في المنافسة الاستراتيجية. ويحظى ملف تايوان باهتمام واسع، جزئياً بسبب هيمنتها على إنتاج أشباه الموصلات، لكن السبب الرئيسي هو موقعها الذي يتيح الوصول المباشر إلى السلسلة الجزرية الثانية، مما يقسم شمال شرق آسيا وجنوب شرق آسيا إلى مسرحين منفصلين. إن ردع اندلاع نزاع في مضيق تايوان- ويفضل أن يتم ذلك من خلال الحفاظ على التفوق العسكري- هو أولوية قصوى».
وقد باعت أمريكا مؤخراً أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، وهي أكبر صفقة من نوعها في التاريخ. كما اقترح ترامب زيادة الميزانية العسكرية لهذا العام من تريليون دولار إلى 1.5 تريليون دولار- وهو مبلغ يتجاوز بكثير ما يلزم لإدارة شؤون نصف الكرة الغربي.
وأكدت «استراتيجية الدفاع» لعام 2026 على تطوير نظام دفاع صاروخي يُعرف باسم «القبة الذهبية»، وهو نظام لا يستهدف دولاً مثل: كوريا الشمالية التي تمتلك عدداً محدوداً من الصواريخ العابرة للقارات، بل يهدف إلى مواجهة دول، مثل: الصين التي تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى. وجاء في الوثيقة: «ستعطي وزارة الدفاع الأولوية لخطة “القبة الذهبية” التي اقترحها الرئيس ترامب، مع التركيز على تطوير حلول فعالة من حيث التكلفة لمواجهة هجمات صاروخية كثيفة وغيرها من التهديدات الجوية المتقدمة».

إن جوهر «القبة الذهبية» يتمثل في سعي أمريكا لامتلاك القدرة على تنفيذ ضربة نووية استباقية ضد دول مثل: الصين. ويأتي هذا المشروع بعد انسحاب أمريكا الأحادي من «معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى» و«معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية»، ورفضها تجديد «معاهدة ستارت الجديدة»، مما أدى إلى انتهاء صلاحيتها.
في الوقت الحالي، لا تجرؤ أمريكا على شن حرب نووية، لأنها تواجه احتمال رد نووي مدمر من الصين وروسيا. غير أن الاستراتيجية التي يعكسها مشروع «القبة الذهبية» تقوم على أنه إذا شنت أمريكا ضربة نووية أولى على الصين أو روسيا، فإن هذا النظام سيكون قادراً على اعتراض عدد محدود من الصواريخ التي قد تنجو من الضربة الأولى وتُطلق باتجاه أمريكا، وبالتالي حماية أراضيها. ورغم الشكوك التقنية حول إمكانية تطوير نظام دفاع صاروخي فعّال بالكامل، فإن استثمار أمريكا المكثف في هذا المشروع يكشف بوضوح عن نواياها العدوانية، بغض النظر عن قدرتها من عدمه على تحقيقها.

بالتالي، فإن الوقائع المتعلقة بصنع القرار الاستراتيجي الأمريكي تشير إلى أن الاعتقاد بأن أمريكا لن تهاجم الصين طالما أنها لا «تستفزها»- أي لا تدعم الدول الصديقة التي تتعرض لهجمات أمريكية- هو اعتقاد خاطئ. بل على العكس، إذا نجحت أمريكا في هزيمة أو إخضاع الدول الصديقة للصين، فإنها ستزداد جرأة على مهاجمة الصين، لأنها ستشعر بأنها أصبحت في موقع أكثر تفوقاً في المواجهة. أما إذا واجهت مقاومة من دولة أخرى، فإنها ستصبح أكثر تردداً في التفكير بشن هجوم على الصين.

 

----2_result


أمريكا بدأت الهجوم فعلاً على الصين!


كما ذُكر أعلاه، أعلنت أمريكا صراحة هدفها المتمثل في السيطرة على أمريكا اللاتينية وإقصاء الصين من القارة، وقد شنت بالفعل هجمات متعددة على الصين في هذه المنطقة. تُعد حالة بنما مثالاً نموذجياً على ذلك. فقد شنت أمريكا هجوماً مباشراً على الصين في بنما.
في كانون الثاني 2026، قضت المحكمة العليا في بنما- بناءً على طلب أمريكي- بعدم دستورية عقد تشغيل الموانئ لمدة 25 عاماً، الذي كانت تمتلكه شركة «تشونغ كونغ تشانغجيانغ»، ومقرها هونغ كونغ. وبحلول 23 شباط 2026، استولت حكومة بنما رسمياً على ميناء بالبوا الواقع على جانب المحيط الهادئ، وميناء كريستوبال الواقع على جانب المحيط الأطلسي. ويُعد هذا أول مثال على تنفيذ ما أعلنت عنه أمريكا في «استراتيجية الأمن القومي» لعام 2025 بشأن التعامل مع الصين في أمريكا اللاتينية.
وقد ردّت الصين على ذلك. ووفقاً للتقارير، استدعت وزارة النقل الصينية أكبر شركتين للشحن في العالم-مجموعة ميرسك، وشركة البحر الأبيض المتوسط للشحن. وتُسهم الصين بنسبة تتراوح بين 27 ٪ و32 ٪ من إيرادات ميرسك العالمية، في حين لا تتجاوز حصة سوق أمريكا اللاتينية 10 ٪ من إيراداتها.
وفي 11 آذار، أفادت التقارير أن شركة «كوسكو»- ثاني أكبر مستخدم لقناة بنما «تمثل نحو 20 ٪ من حجم الشحن و30 ٪ من إيرادات الرسوم» - علّقت عملياتها في ميناء بالبوا، وحوّلت مسار الحاويات الفارغة. وحتى هذا التعديل البسيط من جانب «كوسكو» أدى إلى خسارة بنما نحو 80 ألف دولار يومياً من رسوم العبور. وأطلقت وسائل الإعلام البنمية تحذيرات متكررة، حيث وصفت صحيفة «لا إستريا دي بنما» في عددها الصادر في 12 آذار انسحاب «كوسكو» بأنه قد يوجه «ضربة قاسية» لمركز بنما اللوجستي.

وردّت شركة «تشانغجيانغ» سريعاً، إذ أطلقت إجراءات تحكيم دولي وفق قواعد غرفة التجارة الدولية، مطالبة بتعويض لا يقل عن ملياري دولار، استناداً إلى مصادرة غير قانونية، وخسائر في الأرباح، وقيمة عقد تمتد لأكثر من 20 عاماً.
أما تقييم الخبراء للوضع في بنما فجاء واضحاً للغاية. فقد قال إدواردو لوغو: «الإشارة التي أرسلتها الصين واضحة: الوقوف إلى جانب واشنطن له ثمن». بينما وصف الممول آلان كوربيت تصرف الحكومة البنمية بأنه «متهور»، وتوقع أن يشهد العام المقبل انخفاضاً كبيراً في حجم الحاويات وأعمال إعادة الشحن، رغم أن تكاليف الوقود قد تحافظ مؤقتاً على بعض التدفقات. وأقرّت الأوساط التجارية بأن البلاد ستواجه صدمة هيكلية على المدى القصير، لكنها أعربت عن أملها في إيجاد بدائل لتعويض الخسائر.
يشبه هذا الوضع إلى حد كبير النزاع حول رسوم الموانئ بين الصين وأمريكا في تشرين الأول من العام الماضي. ففي 14 تشرين الأول 2025، أعلن مكتب الممثل التجاري الأمريكي فرض رسوم إضافية على السفن المرتبطة بالصين، وردّت الصين في اليوم نفسه بفرض رسوم خاصة على السفن المرتبطة بأمريكا. وبعد ذلك، وفي أعقاب محادثات رفيعة المستوى بين الجانبين، تم تعليق هذه الإجراءات.

وبسبب عدم قدرتها على المنافسة مع الصين في السوق المفتوحة، تلجأ أمريكا إلى وسائل الإكراه، محاولة الحفاظ على هيمنتها في المنطقة من خلال القوة وحدها. وقد بدأ هذا النهج مع قيام أمريكا في كانون الثاني من هذا العام بعملية اختطاف عسكرية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ويُعد هذا الفعل انتهاكاً صارخاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، وكان هدفه إرسال رسالة مخيفة إلى القارة الأمريكية بأكملها: تخلوا عن السيادة، وإلا فالعواقب وخيمة.
وكما أشار المحلل في شؤون أمريكا اللاتينية أوليفر فارغاس، فإن الضغوط الأمريكية في المنطقة تتصاعد على نطاق واسع. فقد فرضت إدارة ترامب قيوداً على تأشيرات دخول ثلاثة مسؤولين حكوميين من تشيلي، من بينهم وزير النقل والاتصالات، فقط لأن سانتياغو كانت تدرس مشروعاً لمد كابل بحري بقيمة 500 مليون دولار يربطها بالصين. وذهب السفير الأمريكي في سانتياغو، براندون جاد، إلى حد التحذير من أن تشيلي قد تفقد نظام الإعفاء من التأشيرة بالكامل، إذا لم تمتثل لمطالب واشنطن بمراجعة الاستثمارات الصينية.

إن هذا النهج الأمريكي يهدف إلى إجبار دول أمريكا اللاتينية على تقويض قدراتها الذاتية. فمنذ عام 2000، ازداد حجم التجارة بين الصين وأمريكا اللاتينية بمقدار 35 مرة. وكما أشار فارغاس، فإن فوائد هذه الشراكة واضحة في معظم دول المنطقة. فقد أدى ميناء تشانكاي العملاق في بيرو، الذي تموله الصين، إلى تقليص زمن الشحن إلى آسيا بنحو أسبوعين، وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية بنسبة لا تقل عن 20 ٪، وفتح ممراً جديداً لصادرات أمريكا الجنوبية من السلع المصنعة والمنتجات الزراعية والمعادن نحو المحيط الهادئ. وفي البرازيل، استثمرت الشركات الصينية مليارات الدولارات في مجالات الطاقة المتجددة، وتصنيع السيارات الكهربائية وتحديث الموانئ. ومن المفارقات أن شركة «بي واي دي BYD» أقامت مصنعاً كبيراً للسيارات الكهربائية في ولاية باهيا البرازيلية، في موقع كان قد تخلّت عنه شركة فورد خلال فترة تراجع الصناعة الأمريكية.

في المقابل، لا تقدم واشنطن لأمريكا اللاتينية سوى «العصا» دون «الجزرة». فهي لم تعرض خططاً بديلة للاستثمار في البنية التحتية، ولا شروطاً تجارية أفضل، ولا شراكات تنموية محدثة. والسبب في ذلك هو ببساطة أنها لا تملك القدرة على ذلك. وكل ما تملكه هو مطالبة دول المنطقة بقطع علاقاتها مع أهم شركائها الاقتصاديين، وتهديد الدول التي ترفض الامتثال بالعقوبات والحرب.
ويرى فارغاس، أن هذا السلوك العدواني يعكس حالة تراجع. فمع تدهور القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي، تحاول واشنطن إعادة عقارب الساعة إلى زمن الاستعمار الغربي. وخلال مؤتمر ميونيخ للأمن في شباط، عبّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بوضوح عن الأساس الأيديولوجي لسياسة الإدارة، حيث أعرب عن أسفه لانحدار «الإمبراطورية الغربية العظيمة» أمام «الشيوعيين الملحدين»، وهو ما يُعد دعوة صريحة للعودة إلى القرن التاسع عشر، وإنهاء مبادئ السيادة وتقرير المصير ونزع الاستعمار. ولم يبقَ للمستعمرين اليوم سوى الحنين إلى أمجاد الماضي.
تُنفذ أمريكا استراتيجية تقوم على تفكيك الخصوم، بينما ينبغي على الدول الأخرى أن تتكاتف. فعلى المستوى الاستراتيجي، يُظهر التاريخ أنه عندما تضعف قوة أمريكا، فإنها تميل إلى تقليص نزعتها العدوانية وتتجه نحو سياسات أكثر «سلمية». فعلى سبيل المثال: منذ عام 1972، تخلّت أمريكا عن محاولاتها لعزل الصين، ولم يكن ذلك نتيجة براعة دبلوماسية صينية فحسب، بل أيضاً بسبب إخفاقها في حرب فيتنام. وفي نيسان من هذا العام، وبعد أن واجهت ضغوطاً من إجراءات الصين المضادة في مجالات، مثل: المعادن النادرة، تراجعت عن خطتها لفرض رسوم جمركية بنسبة 145 ٪ على الصين. كما تسعى حالياً، في ظل التقدم العسكري الروسي في أوكرانيا، إلى إنهاء الحرب هناك.
وعلى المستوى التكتيكي، رغم القوة الهائلة التي تمتلكها أمريكا، فإنها لا تستطيع- وتدرك أنها لا تستطيع - مواجهة عدد غير محدود من «الخصوم» في الوقت نفسه. لذلك، تسعى إلى تطبيق استراتيجية «فرّق تسد»، أي مهاجمة الدول واحدة تلو الأخرى. وتأمل أن تظن الدول المستهدفة مستقبلاً أنه إذا لم تتدخل عندما تُهاجم دولة أخرى، فإنها ستنجو من الهجوم. غير أنه إذا نجحت أمريكا في هجماتها الأولى، فإن الدول التالية ستكون في موقع أضعف عندما يحين دورها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1275