الحرب في الشرق الأوسط: حبلٌ آخر حول رقبة الإمبريالية

الحرب في الشرق الأوسط: حبلٌ آخر حول رقبة الإمبريالية

بينما لم ينهِ عصر الذكاء الاصطناعي الرأسمالية، فقد دفعها إلى مفارقة غير مسبوقة: كلما تحررت قوى الإنتاج أكثر، ازداد تعطل التوزيع. وكلما أصبح النظام أكثر ذكاءً، ازدادت فائضية الدور الذاتي للإنسان. تتسلسل الأسئلة المنطقية بعد ذلك: لماذا لا تُعد عسكرة الذكاء الاصطناعي مجرد ترقية تقنية بسيطة، بل نوعاً من الخنق الذاتي الاستراتيجي؟ ولماذا تحول «البترودولار» من «أداة هيمنة» إلى «قيد ركودي تضخمي»؟ وعندما تبدأ «القوى المتوسطة» بتشكيل تحالفات، ويختار الجنوب العالمي جماعياً «عدم الاصطفاف»، إلى متى يمكن للنظام الأحادي القطبية أن يصمد؟

تساو دونغبو


في 28 آذار 2026، خلال الندوة الأكاديمية التي نظمتها مجلة «الثقافة والاتجاهات الأفقية» الصينية بعنوان «أزمة الرأسمالية المعاصرة ومستقبل العالم»، ألقى أستاذ جامعة شنغهاي للاقتصاد والمال، تساو دونغبو، محاضرة بعنوان «الاستبصار الاستراتيجي لماو تسي تونغ والشكل المعاصر لـ«الحبل المشنوق»: حرب أمريكا و«إسرائيل» وإيران في ظل أزمة الرأسمالية العالمية»، أشار فيها إلى أن «نظرية الحبل المشنوق» التي طرحها الرئيس ماو في حينه قد تطورت اليوم، عبر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وهيمنة الطاقة والمال، والسياسة الطبقية لتمويل الحروب، وصحوة الجنوب العالمي، إلى أربعة «أحبال» جديدة، وأن الهيمنة باتت تتعرض للارتداد العكسي بفعل منطق توسعها نفسه. نقدم إليكم عرضاً لأبرز ما جاء في المحاضرة، بما يحاول الإجابة عن الأسئلة:
الشخصيات العظيمة في التاريخ غالباً ما «تموت وتعود إلى الحياة». وخلال هذه السنوات، سواء لأجل التدريس أو البحث، كنت أحتفظ دائماً بين يديّ بالسنوات المفصلة والسير والمنتخبات والمجموعات الكاملة لماو، وتشو، ودنغ، وتشن وغيرهم. وكلما مضى الوقت ازداد شعوري بأنهم ما زالوا معاصرينا، وأن كثيراً من استبصاراتهم الاستراتيجية وأحكامهم البعيدة النظر، ما تزال حتى اليوم تثير الدهشة.

في المؤتمر الصحفي لمكتب شؤون تايوان بتاريخ 18 آذار، سأل أحد الصحفيين: «إذا استمرت أمريكا في القتال في الشرق الأوسط، فهل يمكن أن يغتنم البر الصيني الرئيسي الفرصة لاتخاذ إجراءً ضد تايوان؟» وهذه في الحقيقة ليست مسألة جديدة. وقد عدت أخيراً، أثناء مطالعتي لقضية الشرق الأوسط، إلى «السجل الزمني لماو تسي تونغ»، فوجدت أنه تحدث عن هذا الموضوع 45 مرة بين عامي 1950 و1975، منها: 16 مرة في عام 1958 وحده.
في تموز 1958، اندلعت الثورة العراقية، ونزلت القوات الأمريكية والبريطانية على نحو عاجل في لبنان والأردن. وكان ماو تسي تونغ، الموجود في بكين البعيدة، قد أدرك قانوناً استراتيجياً بالغ الأثر. فاتخذ قراراً هزّ العالم: قصف كنمن. وعندما تحرك الأسطول السادس الأمريكي على عجل من البحر المتوسط إلى مضيق تايوان، وراح يركض بين البحر الأحمر والمحيط الهادئ، قال الرئيس ماو على نحو تصويري: إن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في العالم وتدخلاتها في كل مكان، إنما هي الحبل الملتف حول رقبتها هي نفسها. واليوم، إذا نظرنا إلى الأمر، نجد أن استبصار الرئيس ماو الاستراتيجي آنذاك لم يتلاشَ، بل بات يكشف، في ظل شروط جديدة، عن قدرة تاريخية نافذة على الاختراق.

أشار الرئيس ماو آنذاك إلى التناقض الجوهري في الإمبريالية: «كلما اتسع تمددها، تشتتت قوتها أكثر، وكثر معارضوها، وصارت الأمور تتجه إلى النقيض مما تريد». وقد استخدم تشبيهاً حياً فقال: إن أمريكا تشبه شخصاً يحتضن بين يديه كومة كبيرة من البيض، البيض متراكم حتى الامتلاء، لكنه لا يستطيع أن يتحرك إطلاقاً، لأن أقل حركة كفيلة بإسقاط البيض. وعندما كان الجيش الأمريكي يسد هنا ثغرة وهناك أخرى بين لبنان ومضيق تايوان وأوروبا، تحولت الهيمنة المزعومة إلى ما وصفه الرئيس ماو بأنها «موجودة في كل مكان، لكنها في النتيجة لا تنفع في أي مكان»، أي إلى استعراض قوة أجوف.
وأدرك ماو أيضاً بحساسية عالية، أن توسع الإمبريالية لا يقمع حركات التحرر الوطني، بل يشعل «الحطب اليابس» ويعجل تفكك هيمنتها. وكان يرى أن السلوك العدواني للإمبريالية هو في حد ذاته أفضل مادة تعليمية مضادة، لأنه يوقظ مقاومة العالم كله. وقد جزم بأن التوتر ليس شيئاً مخيفاً، بل إن التوتر يعلّم الشعوب تحديداً. ثم ربط، على نحو أعمق، بين «المنطقة الوسطى» والنضال ضد الإمبريالية، فقال: «في العالم الآن ثلاث إيديولوجيات: الاشتراكية، والقومية، والإمبريالية. والإمبريالية الآن تحارب القومية. والقومية تقول: إن الإمبريالية معتدية، ونحن الشيوعيين نقول أيضاً: إنها معتدية».
وإذا قمنا نحن بتوسيع نظرية الحبل المشنوق عند ماو، فربما أمكن القول، فيما يتعلق بالحرب بين أمريكا و«إسرائيل» وإيران، إن هناك فعلياً أربعة «أحبال» جديدة أكثر تعقيداً قد ظهرت.


الحبل الأول: الارتداد الذاتي للذكاء الاصطناعي والتقنية


كتب زوليك في كتابه «عن أمريكا» أن الرئيس جونسون كان يأمل أن تؤدي سياسة التصعيد العسكري إلى انسحاب «يحفظ ماء الوجه»، وقال: «في منتصف عام 1965، سأل هذا الرئيس مساعديه: كيف يمكننا الخروج من هذا المأزق؟ فأجابوه: ينبغي إرسال مزيد من القوات أولاً، ثم التفاوض». لقد جعل التعلق بالمظهر وبـ «علم الفوز» الجيش الأمريكي يدفع ثمناً باهظاً في حرب فيتنام.
تشير المعلومات التي تتكشف تباعاً إلى أن الحرب بين أمريكا و«إسرائيل» وإيران كانت بالفعل «أول حرب للذكاء الاصطناعي». إن استراتيجية التدمير المتبادل المؤكد التقليدية كانت تقوم على افتراض وجود فاعلين عقلانيين وردع متوقع. لكن بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد على نماذج نظرية الألعاب، فإن مواجهة خصم «مستعد لدفع أي ثمن» قد تقوده حساباته إلى أن الحل الأمثل هو الضربة الاستباقية والتدمير الكامل لقدرة الخصم على الرد، وهذه هي بالضبط أخطر مسارات التصعيد في واقع الشرق الأوسط. لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع تقدير «سلاح الضعيف». فكلما ازداد دقةً، ازداد ميل الخصم إلى استخدام الفوضى لمعادلة هذه الدقة. وحين تحاول السيطرة على المشهد كله بالخوارزميات، فإنك تدفع خصمك إلى التحول إلى «صانع بجعات سوداء» تعجز الخوارزميات عن التقاطه.

إذا نظرنا إلى عسكرة الذكاء الاصطناعي، فإن خطرها لا يقل إطلاقاً عن خطر السلاح النووي، وليس الأمر مقتصراً على أخطاء من نوع القصف الخاطئ، بل إن المشكلة الأعمق تكمن في أن تجاهل العناصر اللاعقلانية في البشر، وتسليم مزيد من سلطة القرار إلى أنظمة تقنية لم نفهمها بعد فهماً كاملاً، ولا يمكننا التحكم الكامل بها، هو في حد ذاته شكل من أشكال الخنق الذاتي الاستراتيجي.


الحبل الثاني: المأزق الركودي التضخمي


إن تحريك أمريكا لعمليات هجومية ضد فنزويلا، وممارسة الضغوط القصوى على إيران، يبدو ظاهرياً سعياً للسيطرة على النفط، لكنه يكشف في جوهره قلقاً عميقاً داخل منظومة «البترودولار». غير أن هذا الأسلوب القائم على استخدام القوة لفرض الهيمنة أخذ يخلق ارتداداً أكثر فتكاً: الركود التضخمي. وقد أظهر أحدث تصريح لرئيس الاحتياطي الفيدرالي باول في 18 آذار، أن أمريكا تقترب أكثر فأكثر من حالة «توازن هش كالمشي على الجليد الرقيق»، أو ما يمكن تسميته «مرضاً سياسياً عضالاً»: لا تستطيع رفع الفائدة، ولا تجرؤ على خفضها.
فمن جهة، تجعل الحروب الجيوسياسية والحواجز الجمركية التضخم المدفوع بالكلفة عنيداً يصعب كسره، ومن جهة أخرى، يقترب نمو الوظائف غير الزراعية من الصفر. وهذا الجمع الخبيث بين الركود الاقتصادي والتضخم ينفي تماماً فعالية السياسات الكلية التقليدية. والأعمق من ذلك، أن أزمة الثقة بالدولار بدأت تأكل نفسها بنفسها.
فعندما تصبح أمريكا نفسها أكبر منتج للمخاطر الجيوسياسية، وعندما تُبعث من جديد ذاكرة «أزمة النفط»، تبدأ البنوك المركزية في مختلف البلدان بطرح سؤال: هل من الآمن أن تضع أصولها في دولة وقعت سياستها النقدية في مأزق، وتحوّل نظامها المالي إلى أداة حرب متى شاءت؟ وكلما أظهرت أمريكا «أنياب» هيمنتها المالية، سرّعت في الوقت نفسه تفكك الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه.

 

الحبل الثالث: السياسة الطبقية لتمويل الحرب


تحتاج الحروب في النهاية إلى من يدفع ثمنها. وعندما يتجاوز الدين الحكومي الأمريكي 39 تريليون دولار للمرة الأولى، وعندما تعجز حكومة ترامب عن زيادة الضرائب بسبب الاستقطاب السياسي، ولا تجرؤ على طباعة النقود بسبب عودة التضخم، فإن تناقضات تمويل الحرب تتحول إلى صراع طبقي حاد. إن اختيار طريقة تمويل الحرب هو في جوهره موازنة بين «كسب الحرب» و«الحفاظ على البقاء في الحكم». وهذا هو المحور الأساسي الذي كشفته الباحثة السياسية الأمريكية روزيلا زيلينسكي في كتابها «كيف تدفع الدول تكاليف الحرب».

---_result


إن أمريكا المعاصرة غارقة في مفارقة تمويلية حربية تقوم على جبل من الديون، وتضخم آخذ في الصعود، وتناقضات طبقية تتفاقم. فالحرب تؤدي بسهولة إلى التضخم، لأن السلع إما تُعطى الأولوية فيها لخدمة الحرب، أو لأن الحرب نفسها تعيق إنتاج السلع وتداولها فتخلق الندرة، فما بالك بالنفط، وهو سلعة ذات موقع مركزي، وتحمل دلالة مؤشر اتجاهي للاقتصاد العالمي والأسواق المالية.
بعد الحرب الأمريكية الإيرانية، رأينا بالفعل الأثر الاستباقي لأزمة النفط في الأزمة الزراعية، إذ إن الأسمدة تأثرت بشدة. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه النصف الشمالي من الكرة الأرضية موسم الزراعة الربيعية، وهي حالة تشبه بدرجة كبيرة المسار الذي بدأ في 2008 من ارتفاع أسعار النفط إلى أزمة غذاء عالمية ثم إلى أزمة مالية عالمية. كما أن موقف قوميي أمريكا اليمينيين القائم على «أمريكا أولاً» سيدخل في تضاد حاد مع منطق تمويل الحرب. فالقواعد الشعبية لهذه الحركة تتكون أساساً من البيض من الطبقات الدنيا والوسطى، الذين خسروا مصالحهم في مسار العولمة، وهم يعارضون التدخل الخارجي، ويرفضون استنزاف موارد أمريكا في «حروب الآخرين». ومن ثم فإن معادلة «المدافع والزبدة» ستشد أكثر فأكثر هذا «الحبل الداخلي» لتمويل الحرب.


الحبل الرابع: اليقظة الاستقلال الاستراتيجي للجنوب العالمي


هذا هو الحبل الأكثر إحداثاً لتحوّل نوعي. إنه العلاقة السببية بين قلق «القوى المتوسطة» وضغط الهيمنة. فالمؤرخ بول كينيدي، حين درس صعود القوى الكبرى وسقوطها، ناقش بجدية هشاشة «القوى المتوسطة». وفي عام 2026، عبّر رئيس الوزراء الكندي كارني في منتدى دافوس بكلمة واحدة عن هذا القلق الذي تعيشه «القوى المتوسطة».
وبعد ذلك بقليل عاد كارني ليتحدث مراراً عن هذا المفهوم، ثم شكل مع النرويج والسويد والدنمارك وفنلندا وآيسلندا ما سمي «تحالف القوى المتوسطة». وخلال الحرب بين أمريكا و«إسرائيل» وإيران، أخذت مجموعة من القوى الأوروبية المتوسطة تبتعد عن هذا المحور تدريجياً، وتتسع فجوة النفور داخله. إن ضغط الهيمنة وقلق الموقع المتوسط وجهان لعلاقة سببية واحدة. ومن «المنطقة الوسطى» إلى «الجنوب العالمي»، تتصاعد موجة وعي المضطهدين بقوة متزايدة. وقد مرّ تفكير ماو في «المنطقة الوسطى» أو «الدول المتوسطة» بعملية تعميق مستمرة.

في عام 1956، حلل ماو التناقضات بين أمريكا وبريطانيا وفرنسا في أزمة قناة السويس، وقال: إن استراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط كانت في جوهرها تقوم على «القتل بسكين الآخرين». وفي عام 1957، تحدث عن «نوعين من التناقضات وثلاث قوى». وفي عام 1974 طرح نظرية «العوالم الثلاثة» ذات الأثر البعيد. واليوم، فإن الممارسات الاستراتيجية المستقلة لـ«المنطقة الوسطى» تعود لتصيب أمريكا بارتدادها.
في الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» الإيرانية عام 2026، أظهرت دول الجنوب العالمي نزعة متزايدة النضج نحو الاستقلال الاستراتيجي. فكل من الهند وتركيا والعراق، وبعض دول الخليج، أظهرت بدرجات متفاوتة موقف «عدم الاصطفاف»، وإذا ترسخ مثل هذا التوافق، فإنه يتحول إلى «حبل» جديد يلتف حول رقبة أمريكا، ويقلص هامش حركتها العالمية إلى حد كبير.


كيف ينبغي للصين أن تتصرف؟


أولاً: توحيد التفكير القائم على الخطوط الحمراء مع الاستقلال الاستراتيجي. ففي القضايا المرتبطة بالمصالح الجوهرية، لا يوجد أي مجال للتنازل أو التراجع، وفي الوقت نفسه يجب أن يتحدد الموقف بحسب الصواب والخطأ في الموضوع نفسه.

ثانياً: تعزيز تضامن الجنوب العالمي وتمكينه. فمن «المنطقة الوسطى» إلى «الجنوب العالمي»، يمر وعي المضطهدين بتحول من السلبية إلى الفعل. ومن خلال «الحزام والطريق»، وتعاون «بريكس»، ومبادرة التنمية العالمية، تساعد الصين الدول النامية على رفع قدرتها على التنمية المستقلة. وهذا ليس تعاوناً اقتصادياً فقط، بل هو أيضاً زرع لحيز استراتيجي جديد في الشقوق التي يتركها تخلخل النظام أحادي القطبية.

ثالثاً: تجاوز منطق الهيمنة عبر مفهوم «مجتمع المصير المشترك للبشرية». فخلافاً لأمريكا التي تستخدم «مبدأ تانغلو» لتقسيم مناطق النفوذ، تدعو الصين إلى «التشاور المشترك، والبناء المشترك، والاستفادة المشتركة». وخلافاً لأمريكا التي تلجأ بسهولة إلى القوة، تدعو الصين إلى الحوار والتشاور.

من جهة، ينبغي متابعة الاتجاهات الاستراتيجية للطبقة الحاكمة في أمريكا عن كثب، والتقدير السريع للتوجهات السياسية الجديدة، مثل: «مبدأ تانغلو»، وآثارها المتجاوزة للحدود. ومن جهة أخرى، يجب أيضاً فهم المزاج الحقيقي لمختلف طبقات المجتمع الأمريكي، ولا سيما آراء «الطبقات الوسطى والدنيا». إن التمزق والاستقطاب في المجتمع الأمريكي اليوم يتجليان بصورة مركزة في السخط الشديد لدى الفئات الوسطى والدنيا تجاه نخب المؤسسة الحاكمة.
عندما نعود إلى قرار قصف كنمن عام 1958، نجد أن هناك ميلاً تفسيرياً ذا دلالة واسعة يتعامل معه باعتباره مجرد استراتيجية اتخذت من منظور مصلحة وطنية ضيقة، أي اغتناماً للتوتر الدولي من أجل التحرك وفقه. لكن هذا التفسير يقلل من صدق ووضوح التزام الرئيس ماو والحزب الشيوعي الصيني، منذ البداية وحتى النهاية، بـ«قضية تحرير الشعوب المضطهدة في العالم وتقدم البشرية». وبشأن أزمة الشرق الأوسط عام 1958، كان ماو قد حكم على مآل الإمبريالية قائلاً: «أكبر صعوبة تواجه أمريكا هي أن الرأي العام العالمي ليس في صفها. هذا ما لم تكن قد حسبت حسابه. أمريكا هذه المرة في حالة ذعر شديد. هي لم تتعرض قط لخسارة كبيرة، وقد خسرت خسارة صغيرة في الحرب الكورية. أما هذه المرة فلم تكن تتوقع أن يعارضها هذا العدد من الناس. الإمبريالية قوية من الخارج وهشة من الداخل. في الشرق الأوسط هذه المرة نحن انتصرنا، هذا مؤكد، والعدو سيتراجع».
التاريخ لا يكرر نفسه ببساطة. فمن «المنطقة الوسطى» و«العوالم الثلاثة» إلى «الجنوب العالمي»، ومن مبادئ التعايش السلمي الخمسة إلى «مجتمع المصير المشترك للبشرية» والمبادرات العالمية الأربع الكبرى، ظلت البوصلة الأصلية للدبلوماسية الصينية واحدة ومتسقة، ولم تكن يوماً مجرد تكتيك مؤقت، بل كانت جواباً منهجياً عن سؤال: «أي عالم نريد أن نبنيه، وكيف نبنيه؟». إن حبال التاريخ ستلتف في النهاية حول أعناق أولئك الذين يحاولون استعباد الآخرين بالقوة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1274