تعريفات ترامب والشركات الأمريكية متعددة الجنسيات: قراءة نقدية موسعة
رغم الفوضى التي اتسمت بها تطبيقاتها العملية، انطلق المنطق الأولي المعلن لسياسات دونالد ترامب الجمركية من هدف استراتيجي واحد: توسيع قاعدة الإنتاج الصناعي داخل الأراضي الأمريكية. فوفقاً لهذه الرؤية الاقتصادية، يُتوقع من الشركات- سواء الأمريكية أو الأجنبية- أن تستبدل الإنتاج المحلي بالواردات الأمريكية حين تواجه تعريفات جمركية مرتفعة. ويُفترض أن يرافق بناء المصانع داخل الولايات المتحدة توسُّع ملموس في فرص العمل، يستهدف قاعدة صناعية أُفرغت على مدى عقود بفعل الأتمتة المتسارعة، ونقل خطوط الإنتاج إلى الخارج بحثاً عن تكاليف أقل. ورغم أنه لا ينبغي اتهام ترامب بوضوح الرؤية، أو اتساق المنهج، فإن شعاراته «أمريكا أولاً» وتسويقها السياسي تحت يافطة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً» تستحضر صوراً نوستالجية من النظام الاقتصادي المبكر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت الولايات المتحدة تنتج نحو 60% من السلع المصنعة عالمياً، رغم أنها تضم 6% فقط من سكان العالم، وتحقّق فائضاً تجارياً، أو توازناً مستمراً في تجارتها الخارجية. في تلك الحقبة الذهبية، كان بإمكان الطبقة العاملة- التي كانت نقابيتها قوية، وتمتعها بحماية قانونية واسعة حينها- أن تتوقع مكاسب أجور تتماشى مع نمو الإنتاجية، مما عزز الطبقة الوسطى الأمريكية، ووسع قاعدة الاستهلاك المحلي.
عن مقال كريغ ميدلينفي «مونثلي ريفيو»
واليوم، تسعى تعريفات ترامب المُشدَّدة إلى عكس سبعين عاماً من مكاسب التجارة الحرة والعولمة الاقتصادية، وكأنها تحاول إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء لاستعادة عالم تستطيع فيه الولايات المتحدة، منفردة وبقوة هيمنتها الأحادية، إعادة صياغة شروط التبادل التجاري العالمي لصالحها. وفي باطن الأمر، تعترف سياسة ترامب الجمركية- ولو ضمناً- بأن الشركات المنافسة قد برزت خلال العقود السبعة الماضية لتحدي الدور المهيمن للشركات الأمريكية، بينما اتجهت الأخيرة نفسها نحو العولمة في أنماط إنتاجها وتنويع مصادر مدخلاتها. ورغم أن ترامب لم يطرح رؤية كاملة وواضحة لمشروعه الجمركي، إلا أن الاعتماد المتبادل بين الشركات الأمريكية والموردين الأجانب، الذي تجسده سلاسل القيمة العالمية المعقدة، يُفترض أن ينقلب أيضاً. فاعتماد سلاسل التوريد- رغم أنه وسّع أرباح كبرى الشركات الأمريكية، وعزّز قدرتها التنافسية العالمية- قوَّض الإنتاج المحلي في الولايات المتحدة، وأضعف قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعات استراتيجية.
العولمة الرأسمالية والعجز التجاري الأمريكي: معضلة بنيوية
تناقش هذه المقالة الحضور الأمريكي متعدد الجنسيات في علاقته بالعجز التجاري الأمريكي المزمن في مجال السلع. فبخلاف السكان الأمريكيين، الذين تضم طبقتهم العاملة جذوراً جغرافية ثابتة وارتباطات مجتمعية عميقة، انتشر رأس المال الأمريكي الآن في جميع أنحاء العالم دون قيود تذكر. وتوفّر الفروع التابعة للشركات متعددة الجنسيات، والمتعاقدون المستقلون الواردات الأمريكية التي تتيح للشركات الأمريكية الاستفادة من قوة عاملة عالمية، تعمل بأجور تُشكّل جزءاً بسيطاً من الأجور الأمريكية، مما يضغط تنازلياً على مستويات الأجور محلياً. وتُعد الصين الحالة الأبرز في هذا السياق، لكن الضغط التنازلي على الأجور الأمريكية الناتج عن الواردات يأتي بشكل متزايد من تشكيلة أوسع من الدول الناشئة، بينما تذهب الفوائد الكاملة للشركات الأمريكية وأصحاب رأس المال.
كما سمحت الواردات بتخفيض الاستثمارات الأمريكية المحلية بشكل منهجي. فلم تعد هناك حاجة لبناء مصانع فولاذ أمريكية، أو منشآت تصنيع أخرى لمنتجات عديدة، حين تتكفل شركات من كوريا الجنوبية والصين والبرازيل ودول أخرى بتوسيع الإنتاج وتلبية الطلب العالمي. والأهم من ذلك، أن الحضور الأمريكي متعدد الجنسيات قلّص الصادرات والاستثمارات الأمريكية بشكل مباشر. فمبيعات الشركات متعددة الجنسيات في الخارج تفوق الآن الصادرات الأمريكية بفارق كبير، وتشكّل عائقاً أمام نموها. فعلى عكس الحقبة السابقة، حين كانت الفروع التابعة للتسويق توسّع حجم الصادرات الأمريكية، تعتمد الفروع التابعة اليوم بشكل كبير على منصات الإنتاج الخارجية. فالشركات لا ترغب في منافسة فروعها الخاصة من خلال تصدير منتجات نهائية من الولايات المتحدة تتنافس مع منتجات أُنتجت في الخارج بتكاليف أقل.
من بريتون وودز إلى العولمة:سياق تاريخي تحليلي
تشكّل النظام الاقتصادي الحديث تاريخياً عبر مراحل متعددة. وعليه، فإن أي تقييم مؤسسي للسياق متعدد الجنسيات للتجارة، يتطلب سرداً تاريخياً دقيقاً. فقد شهدت حقبة بريتون وودز (1944–1973) توسعاً في الرأسماليات المنافسة، وانتشاراً خارجياً للشركات الأمريكية متعددة الجنسيات. واستند بقاء نظام سعر الصرف الثابت المدعوم بالذهب والدولار خلال تلك الحقبة إلى اعتماد الدول المنافسة على التجارة الخارجية، مدعومة بالمساعدات الاقتصادية الأمريكية ومساعدات صندوق النقد الدولي، وبوجود عسكري أمريكي عالمي نشر كميات هائلة من الدولارات حول العالم. ومكّنت هذه الهيمنة الدولارية- والاعتماد عليها- من تعافٍ سريع للاقتصاد العالمي من الحرب العالمية الثانية، وانطلاقٍ سريع للدول المنافسة نحو التصنيع والنمو.
ومع مرور الوقت، فككت الفروع التابعة للشركات متعددة الجنسيات روابطها بالإنتاج الأمريكي، مستفيدة من المدخلات والمواهب ورأس المال، عبر قنوات خارجية، للانخراط مباشرة في الإنتاج الخارجي. وبالطبع، استمرت المدخلات والقطع الأمريكية التي تُسهّل الإنتاج الخارجي في الإرسال من المنشآت الأمريكية إلى الفروع التابعة. لكن المحتوى الأجنبي في إنتاج الفروع التابعة استمر في الارتفاع بشكل مطرد. ونتيجة لذلك، واجهت الشركات الأم الأمريكية في القاعدة المحلية منافسة محتملة من فروعها الخاصة. ولتعظيم العوائد العالمية، اعتمدت الشركات الأمريكية بشكل متزايد على الإنتاج في الخارج، بدلاً من الصادرات. فلم يتجنّب الإنتاج المحلي الموجه للأسواق المحلية تكاليف النقل فحسب، بل سمح بمواءمة أوثق بين الإنتاج وظروف السوق المحلية وتفضيلات المستهلكين.
وتجلّت أدلة استبدال مبيعات الشركات متعددة الجنسيات للصادرات في ارتفاع نسبة مبيعات الفروع التابعة إلى الصادرات الأمريكية. فبعد عام 1982، جمع مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي بيانات أكثر منهجية. وتُظهر التقديرات، أن مبيعات الشركات متعددة الجنسيات كانت في العقود الأخيرة تزيد بخمسة إلى سبعة أضعاف عن الصادرات الأمريكية المرتبطة بهذه الشركات، وبنحو ثلاثة أضعاف إجمالي الصادرات الأمريكية من السلع. هذه الفجوة الهائلة تفسّر جزئياً استمرار العجز التجاري الأمريكي رغم قوة الاقتصاد الأمريكي.
وحقيقة أن أكبر الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات تقيد صادراتها الخاصة لصالح الأرباح العالمية، تجعل العجز التجاري الأمريكي المستمر في السلع مفهوماً تماماً من منظور اقتصادي. كما أن استخدام الواردات في سلاسل التوريد يجعل هذا العجز أكثر وضوحاً. ففي عامي 2016 و2017، ووفقاً لتعريف واسع للواردات «المرتبطة» بالشركات متعددة الجنسيات، شكّلت هذه الواردات أكثر من 40% من إجمالي الواردات الأمريكية من السلع. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من العجز التجاري ليس نتاج منافسة خارجية فحسب، بل هو نتاج استراتيجيات الشركات الأمريكية نفسها.
سلاسل القيمة العالمية والفجوة في الأجور: آليات الاستغلال المعولم
بُنيت سلاسل القيمة العالمية على أساس أضيق من واردات الفروع التابعة والمستقلين التي ترعى الإنتاج. وغالباً ما تتكون هذه السلاسل من عدة طبقات معقدة. فالواردات الأمريكية من الصين، على سبيل المثال: تتكون غالباً من قطع مُتعاقدة عليها من دول آسيوية أخرى دخلت في الصادرات الصينية الموجهة للولايات المتحدة. وقد دُرست هذه السلاسل بشكل موسع، وليس من المستغرب أن يكون «حوض الاستهلاك» الأمريكي الوجهة الأساسية لواردات سلاسل القيمة العالمية، نظراً لحجم السوق الأمريكي وقوة شرائه.
وتتيح اتصالات سلاسل التوريد للشركات الاستفادة من قوة عاملة عالمية، تعمل بأجور زهيدة مقارنة بالدول الرأسمالية المتقدمة. ففي الفترة من 1995 إلى 2014، كانت أجور قطاع التصنيع في اليابان وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة تزيد ستة أضعاف عن متوسط التعويضات بالساعة في المكسيك وإندونيسيا والصين والهند. وحتى بعد تعديل مستويات الإنتاجية من حيث متوسط تكاليف الأجور للوحدة، كانت معدلات التعويضات في الدول النامية تمثل فقط 40% إلى 60% من نظيرتها في الولايات المتحدة. هذه الفجوة الهائلة في تكاليف العمالة تشكل حافزاً قوياً للشركات لنقل الإنتاج، أو أجزاء منه إلى الخارج.
فشل نظرية سعر الصرف التقليدية في تفسير العجز
لطالما وضعت النظرية الاقتصادية التقليدية تغيرات سعر الصرف في قلب القوى المؤدية إلى توازن التجارة. فمنطقها بسيط: تخفيض سعر صرف الدولار مقابل العملات الأخرى يجعل الصادرات الأمريكية أرخص والواردات أغلى، مما يشجع على زيادة الصادرات وتقليل الواردات. لكن في السياق متعدد الجنسيات للمبيعات والتجارة، لا يشكل فشل النظرية السائدة لغزاً. فالنمو الهائل لمبيعات الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات مقارنة بالصادرات، وتوفيرات الأجور والمدخلات المادية لسلاسل التوريد العالمية، شكّلت (ولا تزال تشكل) عناصر رئيسية في تحديد العجز التجاري الأمريكي. وأي إعادة لتوازن تجاري يجب أن تستهدف هذه التشكيلات الرأسمالية متعددة الجنسيات التي تسعى لتعظيم الأرباح. وقد تشكّلت هذه الهياكل على مدى عقود، وهي غير خاضعة للانعكاس التاريخي قصير الأمد عبر أدوات سياسية بسيطة.
مشروع ترامب الجمركي: بين الخطاب الشعبوي والواقع الاقتصادي
يدّعي ترامب، أن العجز التجاري الأمريكي نتج عن تجارة «غير عادلة» وممارسات احتكارية من قبل الشركاء التجاريين. وبالنسبة لجزء مسنّ من الطبقة العاملة، يتذكر حقبة سابقة من التصنيع والعمالة الصناعية المستقرة، فإن رسالة ترامب الجمركية لا شك تجد صدى واسعاً. ويعتمد ترامب على حالات قصصية، مثل: توسع شركة تي إس إم سي التايوانية في أريزونا، ووعود استثمارية متنوعة من آخرين، للزعم بأن التعريفات تعمل على توسيع الاستثمار والتوظيف الصناعي الأمريكي. وهذه الأمثلة هي طُعم ترامب لجذب الطبقة العاملة الأمريكية. فقد كان نمو أجور العمال غير المشرفين، بعد تعديلها حسب التضخم، شبه مسطح لمدة نصف قرن، حتى مع تضاعف نمو الإنتاجية أكثر من مرتين. وقد استحوذ على هذه المكاسب في الإنتاجية بشكل كبير أولئك في أعلى شرائح الدخل والثروة، حيث شكّلت عولمة الشركات الكبرى ركيزة أساسية لمكاسب الدخل والثروة.
إن شعارات ترامب «أمريكا أولاً» مُصممة خصيصاً لأولئك العالقين مكانياً، والذين يشعرون بتهميش العولمة. ويناقش نداءه الدعائي لما يُسمى بالمشاعر «الشعبوية» إلى جانب تخفيضاته الضريبية للمليارديرات والرأسمالية المحسوبية الصارخة، حيث يقبل إيرادات من شركات، مثل: آبل وإنفيديا، مقابل صفقات خاصة فيما يتعلق بالصادرات والواردات. ولا شك أن هذه الأمثلة التي تتصدر الأخبار تُتخذ لتشجيع شركات أخرى على ممارسة التواطؤ في الفساد.
لكن الصورة التاريخية الأوسع، تشير إلى استمرار مبيعات الشركات متعددة الجنسيات في الخارج التي تفوق الصادرات الأمريكية، واستمرار خطوط التوريد القائمة على العمالة منخفضة الأجور والمدخلات الأجنبية- وهي عملية مُضمَّنة في الهيكل بأكمله للرأسمالية الاحتكارية الأمريكية، وهيمنتها العالمية المتصدعة الآن. وهناك على الأقل بعض الإشارات الخافتة من ذوي المناصب العليا، بأن مشروع ترامب الجمركي أقل رهبة مما يبدو. فبينما لا يزال يخدم عملاء وول ستريت، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت: إنه مع ترامب «ستظل بندقية التعريفات محمّلة، لكنها نادراً ما تُطلق». وفي تموز 2025، أكد بيسنت مرة أخرى على أن المناورة الجمركية أداة تفاوضية: «هذه هي مستويات التعريفات القصوى إذا لم تردّوا، لكننا منفتحون للتفاوض». في عالم ترامب، لا يوجد إلا رابحون وخاسرون. ويُقدَّم «فن الصفقة»- في هذه الحالة الصفقة التجارية- كتّهديد مستمر وأداة ضغط.
الهياكل الرأسمالية والتحولات المستحيلة
في المحصلة، لا يمكن فهم العجز التجاري الأمريكي بمعزل عن التحولات البنيوية التي شهدها رأس المال الأمريكي على مدى العقود الماضية. فالشركات متعددة الجنسيات لم تعد مجرد قنوات لتصدير السلع الأمريكية، بل تحولت إلى شبكات إنتاج عالمية تستفيد من التفاوت في الأجور وتكاليف المدخلات عبر الحدود. ومحاولات إعادة الإنتاج إلى الأراضي الأمريكية عبر أدوات جمركية تصادمية تتجاهل هذه الحقائق البنيوية، وتُقدّم وعوداً يصعب تحقيقها في ظل منطق تعظيم الأرباح الذي يحكم الرأسمالية المعولمة. فأي إصلاح حقيقي للتجارة الأمريكية يتطلب معالجة جذرية لطبيعة رأس المال متعدد الجنسيات وسلاسل القيمة العالمية، وليس مجرد تلويح ببندقية التعريفات في مواجهة شركاء تجاريين أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من نسيج الإنتاج الأمريكي نفسه. إن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تصور دور الدولة في الاقتصاد العالمي، وضمان أن تعود فوائد العولمة على العمال والمجتمعات المحلية، وليس على رأس المال العابر للحدود فحسب.
مونثلي ريفيو، المجلد 77، العدد 10، آذار 2026.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271
