اليسار الأوروبي بين الإصلاح  وإسقاط الاتحاد«1: أين اليسار؟»
أسبيورن وال أسبيورن وال

اليسار الأوروبي بين الإصلاح وإسقاط الاتحاد«1: أين اليسار؟»

أصبحت الأحزاب اليسارية الأوروبية على مدى العقود الماضية القليلة ناقدة بشكل متزايد للتطورات السياسية في الاتحاد الأوروبي، وتحديداً في استجابتها للسياسات التقشفية التي تبعت الأزمة المالية 2007- 2008 وأزمة اليورو التي تلتها. تصاحب هذا مع بطالة دائمة ومرتفعة ووعودٍ «برافعة اجتماعيّة» لم يتم إدراكها. كل هذا مع استمرار التكامل الاقتصادي النيوليبرالي على أكمل وجه، ومساهمته في زيادة قوة قوى السوق على حساب التنمية الاجتماعية.

لكن حتّى مع ازدياد انتقاد الاتحاد الأوروبي حدّة، لم ينعكس هذا بشكل حسن على إستراتيجيات اليسار السياسية. صحيح أنّ أسئلة جديدة ذات أهمية كبيرة قد أثيرت، لا سيما ردود الفعل على الأزمة والتطورات السياسية التي حدثت في اليونان. لكن هناك تحديداً تخلى حزب اليسار «سيريزا» عن برنامجه الحكومي الذي وصل على أساسه إلى السلطة في كانون الثاني 2015. وضعت الحكومة بالقوة تحت إدارة الاتحاد الأوروبي– أو كما يقول العديد من النقاد استسلمت حكومة سيريزا للاتحاد الأوروبي، وهو الاستسلام الذي لم يكن الدفاع السياسي عنه من جانب سيريزا وحسب، بل أيضاً من ممثلين عن أحزاب يسارية أخرى ضمن شبكة تنظيمات «تحويل أوروبا».

قاد هذا إلى السؤال الذي تكرر على طول المجموعات اليسارية في أوروبا، فيما إن كان بالإمكان إصلاح الاتحاد الأوروبي من الداخل. الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي «أو الترويكا التي تشمل المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي» ضدّ البلدان الأخرى التي تمزقها الأزمات بشدة: إيرلندا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، زاد بدوره في إدراك هذه المشكلة. هل الانسحاب من الاتحاد النقدي والاقتصادي، وبالتالي من منطقة اليورو وربما الاتحاد الأوروبي، يجب أن يكون أداة في العدّة السياسية لليسار؟ أم أنّ الانقضاض وإصلاح الاتحاد الأوروبي من الداخل هو الطريق لخلق أوروبا اشتراكية؟ الإجابة عن هذا السؤال حاسمة بالطبع لإستراتيجية اليسار في أوروبا.

بأيّة حال، يبدو أنّ هناك نقصاً في القدرة والرغبة كلتاهما بالانخراط في مثل هذا النقاش لدى عدد من الأحزاب اليسارية الرئيسة. لقد أصبحت العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بكثير من الأشكال قضية شائكة للتحدث فيها بالنسبة للكثير من الأحزاب. إذا ما انتبهنا إلى مثل هذا التردد، فسنجد طرقاً مختلفة لفهم دور وسمة الاتحاد الأوروبي.

اليسار الأوروبي المتشظي

القوى اليسارية في أوروبا ضعيفة– سواء من الناحية العددية أو النوعية. إنّها تعبّر عن الأزمة السياسية والإيديولوجية التي عصفت باليسار السياسي خلال العقود الماضية، ما يمنعها من أن تصبح قوى رائدة تواجه الأزمة الاقتصادية والهجوم على دولة الرفاه والفقر واللامساواة المتزايدين. إنّه اليمين المتطرف من تمكن من استغلال استياء الناس المتزايد وعدم رضاهم. في الانتخابات الوطنية التي عقدت في أوروبا في 2017 و2018، تضاعفت أصوات الأحزاب اليمينية من 10,3 إلى 22,1 مليون. في ذات الوقت خسرت الأحزاب اليسارية قرابة 10 ملايين صوت. في انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار 2019، تضاءل دعم الأحزاب اليسارية أكثر حتّى، بينما ازداد دعم اليمين المتطرف أكثر.

على طول العقود الماضية، حدثت الكثير من التغييرات في بنى اليسار. في إيطاليا لم يتبق شيء من أحزاب اليسار التقليدية، فقد انطمست إلى حدّ كبير من خلال مناورات سياسية فاشلة. في فرنسا هناك صراعات. كان جان لوك ميلانشون هو الشخصية الرئيسة في اليسار منذ انفكاكه عن «الحزب الاشتراكي» وتأسيسه «بارتي دي غوش = حزب اليسار» في 2008. وقد أسس جبهة اليسار في 2009 كتحالف انتخابي، حيث ضمّ الحزب الشيوعي وعدداً من الأحزاب الأخرى، لكنّه كان تحالفاً هشاً وسرعان ما انهار. وقد تمّ حلّ جبهة اليسار الفرنسية بشكل رسمي في 2018. بحلول ذلك الوقت كان ميلانشون قد شكل بالفعل منظمته السياسية التالية «فرنسا لا تركع». حاز الحزب أو الحركة على النجاح في بادئ الأمر مع ترشح ميلانشون للرئاسة في 2017 «حصل على قرابة 20% في الجولة الأولى»، لكنّه فشل في تعبئة أكثر من 6,3% في الانتخابات الأوروبية 2019. الحزب الشيوعي التقليدي والتاريخي الفرنسي عند أدنى مراحله على الإطلاق مع حصوله على مجرّد 2,5% من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، ولهذا تمّ استبعاده من البرلمان الأوروبي لأول مرة منذ 1979. حزب داي لينكه الألماني، لم يؤدّ بشكل جيد في الانتخابات الأخيرة أيضاً، ليخسر ربعاً آخر من مؤيديه، وينتهي به المطاف عند 5,5% من الأصوات.

في أوروبا الشرقية، الأحزاب اليسارية قليلة والخلافات بينها كبيرة. فقط اليسار في الجمهورية التشيكية، عبر حزبها الشيوعي التقليدي، تمكن من تدبر التمثل في البرلمان الأوروبي في انتخابات 2019. في سلوفينيا أدّى حزب يساري جديد هو ليفيكا «اليسار» بشكل حسن في الانتخابات المحلية الأخيرة، لكنه فشل في الانتخابات الأوروبية. في بلجيكا، حقق حزب ماوي سابق متحول هو «حزب العمال البلجيكي» خطوات سريعة «14,5% من الأصوات في القسم البلجيكي الناطق بالفرنسية» مع توجهات طبقية واضحة وبرنامج جذري. وفي اليونان كان لسيريزا أكبر معدل أصوات بالنسبة لليسار الأوروبي «أكثر من 23% من الأصوات في الانتخابات الأوروبية الأخيرة» مع تراجع ملحوظ عن الدعم الذي حصل عليه في انتخابات 2015 الوطنية، الذي وصل إلى 36% من الأصوات.

في البرلمان الأوروبي، تنتمي معظم الأحزاب اليسارية إلى مجموعة «اليسار النوردي الأخضر الأوروبي»، والتي تضم اليوم 41 نائباً. يشكل هذا الائتلاف مجموعة مختلطة من الأحزاب المنقسمة إلى اتجاهات متباينة يصعب فهمها. يرفض البعض تسميتها أحزاباً بالمعنى التقليدي، ويرفض آخرون اعتبارها يسارية، حتى تتشكل التحالفات وتتغير، وفي بعض الأحيان يتم تعديل السياسة بشكل انتهازي للحفاظ عليها.

لدينا اليوم 26 حزباً عضواً في «اليسار الأوروبي» الذي تأسس عام 2004 ويتمتع بوضع الحزب في الاتحاد الأوروبي. تشبه هذه المجموعة شبكة أو هيئة تنسيقية أكثر منها حزباً منظماً. كما توجد منظمتان أخريان تعملان كشبكتين متنافستين لتشكيل تحالف أوروبي يساري: حركة الديمقراطية في أوروبا 2025، وحركة ميلانشون فرنسا لن تركع.

بدأ ميلانشون بناء تحالف أحزاب لأنّه لم يكن راضياً عن «اليسار الأوروبي»، ولأنّه عارض استسلام سيريزا في اليونان، وأراد حركة سياسية أكثر حدّة. حزبه الجديد «فرنسا لن تركع» لم يشترك في «اليسار الأوروبي»، وقبيل الانتخابات البرلمانية 2019 عمل بشكل نشط لبناء مجموعة بديلة تركز على تقوية القبضة على الاتحاد الأوروبي. نجح في الحصول على الدعم من الكتلة اليسارية البرتغالية وبوديموس الإسبانية، وأطلقت هذه الأحزاب في نيسان 2018 إعلاناً مشتركاً بعنوان: «إعلان لشبونة لثورة مواطني أوروبا: الشعب الآن». ثم انضمت لاحقاً أحزاب من الدنمارك والسويد وفنلندا لإعلان لشبونة. لكنّ حركة بوديموس الإسبانية بدورها تعاني من سيطرة زمرة من الأكاديميين من جامعة مدريد عليها أكثر مما يودّ قادتها الاعتراف بذلك.

أمّا حركة الديمقراطية في أوروبا فقد دخلت الانتخابات الأوروبية بنفسٍ إصلاحي، وحاولت بناء تحالفات مع طيف واسع من الأحزاب الأوروبية الصغيرة، ما أثار الشكوك بها بين الأحزاب اليسارية التقليدية الأكبر. فشلت الحركة في الفوز بأيّ مقعد في الانتخابات الأوروبية، وفازت في الانتخابات المحلية اليونانية بتسعة مقاعد.

إنّ الميول البونابارتية– أيّ: ميل الأشخاص للانشقاق وبناء منظمات وحركات وأحزاب تهدف لربح الانتخابات لأنفسهم– آخذة في الازدياد في أوروبا. ويعكس هذا أكثر من أيّ شيء الأزمة السياسية العميقة الحالية على طول الطيف السياسي في أوروبا. تنقص جميع هذه المنظمات الهياكل الديمقراطية، ويعاب عليها اعتمادها الكبير على الوسائل الإلكترونية، والتركيز على الإستراتيجيات الإعلامية ووجود قادة ثابتين لها.

الانتقاد الحاد لسياسة الاتحاد الأوروبي

الاشتراكية الديمقراطية وكذلك القسم المهيمن من الحركة النقابية الأوروبية تدعم بشكل مستمر الاتحاد الأوروبي، رغم أنّ عدداً محدداً من السياسات الأوروبية يتم انتقادها. في الكثير من البلدان، خاصة في اسكندنافيا، ولكن في فرنسا أيضاً، حاربت الأحزاب اليسارية ضدّ عضوية الاتحاد الأوروبية عندما كان الأمر مطروحاً على طاولة النقاش. لكن ومع مرور السنوات اختفت مطالب الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

أيجعل هذا العلاقة مع الاتحاد الأوروبي مسألة غاية في الإشكالية وغير قابلة للتنبؤ بالنسبة للكثير من الأحزاب اليسارية في أوروبا؟ تاريخياً هناك عاملان لعبا دوراً محورياً في هذا الأمر. أولاً: السردة الإيديولوجية التي صاحبت إنشاء الاتحاد الأوروبي «أو المجتمع الاقتصادي الأوروبي، كما كان يُدعى في ذلك الوقت»، والذي كان له هدفان أساسيان: على الاتحاد الأوروبي، أن يلعب دوراً مؤسساً في السلام الدائم في أوروبا، وبهذا يكون أداة للتقدم الاجتماعي للأوروبيين. بعد حربين عالميتين مدمرتين كانت الوعود السياسية بالسلام أمراً شديد الجاذبية. ولهذا دعم تأسيسه تقريباً كامل الطيف السياسي من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. هذا بالإضافة إلى تطور دولة الرفاه في حقبة ما بعد الحرب، التي جعلت الناس يشعرون بأنّهم وصلوا بالفعل وأدركوا التطور الاجتماعي.

العامل التاريخي الهام الثاني: هو حكم ميتران في فرنسا بين 1981 و1995. شرع ميتران في برنامج ديمقراطي اشتراكي يساري أقرب للجذرية، تضمن تأميم واسع النطاق وإعادة توزيع اقتصادي والمزيد من التدخل السياسي في العديد من المجالات. تمّ النظر إلى هذا الأمر من قبل العديد من الحركات العمالية بأنّه بداية إنشاء أوروبا الاشتراكية. لكن بعد أقلّ من عامين سقط مشروع ميتران الإصلاحي، والأسباب لا تزال محل جدال. ثم تعهدت فرنسا بتلبية مطالب المجموعة الأوروبية للانضمام إلى نظام العملة الأوروبية. في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، وضع هذا قيوداً على السياسات التي يمكن اتباعها داخلياً. وكما قال العالم مارتن هوبنر من مؤسسة ماكس بلانك: إنّها أسطورة أن نقول بأنّ المزيد من «أوروبا» سيقربنا من أوروبا اشتراكية. بدأ الاشتراكيون الفرنسيون وغيرهم بشكل متزايد بمساءلة المشروع. شهدوا الاندماج الاقتصادي– وكذلك تقويض التشريع– ولكن قليلاً ما شعروا بما كان يسمى «الرافعة الاشتراكية».

ويبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن للسياسيين الاشتراكيين أن يصدقوا بأنّ بنية عابرة للوطنية مثل المجتمع الاقتصادي الأوروبي– قائم على الحريات الأربع «حرية حركة رأس المال والبضائع والخدمات والأشخاص» ويفتقد بشكل كلي للهياكل الديمقراطية– يمكنه أن يكون أداة لأوروبا اشتراكية!؟ والأمر الأكثر غموضاً هو: كيف استطاعوا الحفاظ على هذا الإيمان بعد تبني القانون الموحد الذي أنشأ السوق الأوروبية المشتركة في 1986 وسلسلة النصوص التشريعية والاتفاقيات والمعاهدات النيوليبرالية؟

هناك تطوران هامان يجعلاننا نفهم تزايد انتقاد الأحزاب اليسارية المتزايد للاتحاد الأوروبي. الأول: هو تطور مؤسسات الاتحاد الأوروبي وسياساته في أعقاب أزمة 2008 المالية، وأزمة اليورو التالية في 2009. الثاني: هو دور الاتحاد الأوروبي في محاربة حكومة سيريزا اليسارية في اليونان بعد انتخابات 2015.

من أجل إنقاذ الأسواق المالية، وربما الرأسمالية نفسها، من الأزمة المالية العميقة، ضخت الحكومات والاتحاد الأوروبي الأموال في المصارف الخاصة. قاد هذا إلى عجوزات كبرى في الموازنات، وزيادة هائلة في الدَّين الحكومي في الكثير من الدول الأعضاء. ومع وجود «اتفاق النمو والاستدامة»، طالب الاتحاد الأوروبي باستعادة التوازن الاقتصادي، الأمر الذي قاد إلى اقتطاعات هائلة في الموازنات العامة، واقتطاعات كبرى في أجور القطاع العام، وارتفاع انفجاري في البطالة، وهجوم مكثف على الحقوق العمالية والتقاعد وظروف العمل «وهو ما دعي بتخفيض قيمة العملة الداخلية، في وضع لم يعد فيه للدول الوطنية في منطقة اليورو فرصة تخفيض قيمة عملتها». الأعمدة الاجتماعية للاتحاد الأوروبي لم يتم وضعها جانباً من جديد وحسب، بل باتت تحت هجوم مكثف، ليبدأ الانتقاد من اليسار وعدم الرضا الشعبي بالنمو.

قاد سلوك الترويكا تجاه حكومة سيريزا إلى انتقادات أعتى من اليسار. حقيقة أنّ البنك المركزي الأوروبي قد استخدم احتكاره لإيقاف تدفق المال إلى البنوك اليونانية من أجل تركيع الحكومة، أظهر بشكل واضح من يمسك بالسلطة، ومدى الوحشية التي يمكن اللجوء إليها، وكيف تكون الدولة العضو «والصغيرة» بلا حول ولا قوة في مواجهة مثل هذه السلطة. لم يكن لدى حكومة تسيبيراس بكل وضوح لا القدرة ولا الرغبة– ولم يكن لديها التحضير الكافي أيضاً– لمواجهة هذه السطوة، ولا استخدام أدواتها الوحيدة القابلة للحياة: الانسحاب من اتحاد النقد والاقتصاد، وبالتالي، من اليورو، الأمر الذي قاد إلى استسلامها.

وهنا نصل إلى السؤال الجوهري الأهم كناظم لتحركات اليسار الأوروبي: هل يمكن إصلاح الاتحاد الأوربي من الداخل؟

رد الفعل الأولي للكثيرين أنه يجب تغيير الاتحاد الأوروبي، وأن هذا يمكن أن يدرك عبر جبهة يسار أوروبية موحدة. لكن في ذات الوقت هناك تناقضات جديدة بدأت بالتطور. البعض في اليسار يوجه سؤالاً حاسماً: ما الذي سيحدث إن فاز اليسار بالانتخابات في كل بلد على حدة؟ ولكن تمّ منعنا من تطبيق سياساتنا؟ استسلام حكومة سيريزا للترويكا والاتحاد الأوروبي ساهما بشكل كبير في هذا النقاش، ولهذا بدأت فكرة الانسحاب من اليورو، والاتحاد الأوروبي كذلك، تتشكل كإستراتيجية محتملة.

يرى الكثيرون، أنّ حركات إصلاح الاتحاد الأوروبي من الداخل ذات خطابات ساذجة، وخاصة عندما لا يدعمونها لا بتحليلات لعلاقات السلطة وهياكل السطوة داخل الاتحاد الأوروبي، ولا بإستراتيجيات متقدمة عن كيفية تحقيق ذلك بشكل عملي.

البعض في اليسار لديه رفض إيديولوجي ومبدئي لأيّة إستراتيجية للخروج من الاتحاد الأوروبي. إنهم ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي، بل وحتى إلى اتحاد الاقتصاد والنقد، كتمثيل للتطور التقدمي التاريخي الذي تخطى الدولة القومية، ولهذا يجب الدفاع عنه. الانسحاب من اتحاد الاقتصاد والنقد أو مغادرة الاتحاد الأوروبي ضمن هذا السياق ليس أمراً جيداً، بل هو تحرك خطر تجاه التموضع مع القوى القومية والاستبدادية من اليمين. يجب الدفاع عن الاتحاد الأوروبي باسم الأممية، بينما يجب عكس السياسات النيوليبرالية. الكثيرون من داعمي هذه الأفكار هم من الاشتراكيين الديمقراطيين، وقلة ما شهدنا صراعاتهم ضدّ النيوليبرالية، لكن يمكن إيجاد هذه الأفكار أيضاً لدى أقسام كبيرة من اليسار الأوروبي.

كوستاس لابافيستاس، بروفسور الاقتصاد من جامعة لندن، والذي انتخب للبرلمان اليوناني مع سيريزا في 2015 ثمّ انفصل عن الحزب بسبب استسلامه للترويكا، مشترك بشكل كبير في هذا الجدال، ويقول: «هنا تكمن مشكلة اليسار الأوروبي اليوم. إنّ ارتباطه مع الاتحاد الأوروبي بوصفه تطوراً تقدمياً يمنعه من أن يكون جذرياً، ويجعله مندمجاً بكل تأكيد بالبنى النيوليبرالية للرأسمالية الأوروبية. أصبح اليسار منفصلاً بشكل متزايد عن وجوده التاريخي، وعن عمال وفقراء أوروبا الذين يبحثون عن صوت سياسي لهم في مكان آخر دون شك... الفراغ الذي خلفه اليسار يتم ملؤه من قبل أسوأ القوى السياسية في التاريخ الأوروبي، ويشمل ذلك اليمين المتطرف».

 

اليسار الأوروبي بين الإصلاح وإسقاط الاتحاد «2: الجذرية هي الحل»

معلومات إضافية

العدد رقم:
997
آخر تعديل على الإثنين, 15 آذار/مارس 2021 22:14