نيوزلندا وأستراليا وضرورات وفرص العالم الجديد

لطالما كانت نيوزلندا وأستراليا دولتين غير معنيتين بالتفاعل مع دول «منطقة آسيا-الهادئ»، ويعود ذلك إلى حدّ كبير لإيلائهما الأهمية لسياساتهما الداخلية، والاتساق في المواقف الخارجية مع الحلفاء التقليديين لهم: بريطانيا والولايات المتحدة. لكن مع مطلع هذا القرن، بدأت هاتان الدولتان انعطافات مدروسة، وصلت ذروة تاريخية منذ عام 2010.

غليب دورشنكو- russian council
ترجمة عروة درويش

أهمّ الأسباب التي أدّت إلى هذه الانعطافات، هو تغيّر المشهد الاقتصادي العالمي، ليتركز النمو الاقتصادي الأكبر في دول منطقة آسيا- الهادئ، ما يعكس الأهميّة الجيو- إستراتيجية للإقليم كأهمّ منطقة في العالم من الناحية السياسية والاقتصادية. وكما هو متوقع، قامت نيوزلندا وأستراليا في البدء بدعم موقف حليفهما التقليدي– الولايات المتحدة– بالاندماج في المنطقة. لكنّ هذا الأمر كان في المرحلة الأولى فقط. أمّا في المرحلة الثانية، فقد بات لدى الدولتين فرصة لتطبيق سياساتهما الخاصة في المنطقة.

في الاقتصاد

في عام 2008، كانت نيوزلندا أوّل دولة ذات نظام سياسي ليبرالي غربي، تدخل في اتفاقية تجارة حرة مع الصين. ثم في عام 2014 أصبحت نيوزلندا أوّل دولة «غربية» تنضم لمبادرة الحزام والطريق، وتشترك في «بنك البنية التحتية الآسيوي». وفي العام ذاته دخلت مع الصين في شراكة إستراتيجية، الأمر الذي زعزع بشدّة مكانة الولايات المتحدة في المنطقة. لكنّ نيوزلندا حاولت رغم ذلك في الأعوام الأخيرة الإبقاء على التوازن في علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة.
وفضّلت نيوزلندا بخصوص علاقاتها مع بقية دول منطقة آسيا- الهادئ أن تعتمد العلاقات الثنائية، ما يجعل من الصعوبة بمكان وصف هذه العلاقات بأنّها إستراتيجية، بل هي حالات تفاعل نافعة بين نيوزلندا والبلدان التي تجد فيها فرصة لتوفير ما ينقصها من الخدمات. وشركاؤها الرئيسون، هم: اليابان وتايلاند وإندونيسيا.
أمّا أستراليا، وهي أحد أكبر المستثمرين في منطقة آسيا- الهادئ فقد «ارتفعت استثماراتها في المنطقة من 108 مليار إلى 395 ملياراً بين عامي 2008 و2018»، حيث وقعت اتفاقية مناطق حرة مع منظمة «آسيان: منظمة دول جنوب شرق آسيا»، وأكبر علاقاتها مع سنغافورة التي تبلغ استثماراتها فيها 3,3% من مجمل استثماراتها الأجنبية.
لكن رغم ذلك، تبقى الصين هي الشريك التجاري الأكبر لأستراليا، فقد بلغ إجمالي دوران رأس المال بينهما في 2019 قرابة 138 مليار دولار. ولهذا، فإنّ أستراليا واقعة في معضلة: فالصين شريك تجاري مهم لها، ومن جهة ثانية ترى فيها منافساً يجب عليها أن تخشاه، ما يدفعها للوقوف في صفّ الولايات المتحدة. سرعة حلّ هذه المعضلة هي ما ستحدد مسار السياسية الخارجية الذي ستتخذه أستراليا.

في السياسة

لطالما كانت نيوزلندا هامشيّة في العملية السياسية في منطقة آسيا- الهادئ. لكنّها في هذه الأيام، بعد ابتعادها عن سياسات الولايات المتحدة بشكل شبه تام، باتت تلعب دوراً هاماً في المنطقة. فهي تعدّ اليوم إقليم «الملاذ الآمن» الذي يمكنك من خلاله حلّ أيّة مشكلة، وتحديداً في منطقة جنوب آسيا- الهادئ. وقد تعزز هذا المسار بسبب العناصر الثابتة للسياسة الخارجية النيوزلندية، وتحديداً مسألة الموقع الخالي من الأسلحة النووية، والاهتمام بالبيئة.
أمّا أستراليا التي كانت قبل بداية القرن شبه تابعة للولايات المتحدة، فقد انخرطت بالعمل بشكل فاعل مع الكثير من المنظمات الإقليمية في منطقة آسيا- الهادئ، مثل: آسيان وTTP وCREP. وهو الأمر الذي عبّر بشكل واضح عن أنّ أستراليا تمسك بزمام سياستها الخارجية. ومن السمات الرئيسة المعبرة عن سياسة أستراليا الخارجية المعلنة في السنوات الأخيرة، الخشية من بكين وتزايد النفوذ الصيني في منطقة أوقيانوسيا، الأمر الذي يجعلها تحاول منافسة بكين في العديد من الأماكن، وتحديداً عبر الاتفاق مع دول منظمة آسيان.

في أمن المنطقة

في الوقت الذي كانت تعدّ فيه أستراليا معاونة شرطي العالم، الولايات المتحدة، في المنطقة، كان يتم النظر إلى نيوزلندا بوصفها غير مأمونة الجانب من الولايات المتحدة. ويعود ذلك بشكل كبير إلى رفض نيوزلندا أيّ تفاعل مع الأسلحة النووية، وهو ما أدى إلى توتّر في العلاقات بين البلدين في عام 1987.
لكنّ التقارب مع الصين سمح لنيوزلندا بالخروج من عزلتها وأعطاها دفعاً للعب دور سياسي أكبر في منطقتها. فقامت في 2017 بإعلان إنشاء معاهدة منع الأسلحة النووية، لتعلن بشكل رسمي هجرها «لمظلّة» الولايات المتحدة النووية. ومع ازدياد شأنها السياسي، لم تعد أستراليا هي «الأخ الأكبر» الذي تعود له نيوزلندا قبل الشروع بأيّ عمل في المنطقة.
كما بدأت نيوزلندا بإجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع دول أوقيانوسيا كجزء من «برنامج الدفاع المشترك» بين هذه الدول. وقد توسّع هذه البرنامج، فانضمت له كلّ من الفلبين وتايلند وبروناي، ويتوقع أن يصبح له وزنٌ إقليميّ أكبر عمّا قريب.
جميع هذه التطورات جعلت المنافسة بين نيوزلندا وأستراليا تبدو أكثر وضوحاً.
أمّا أستراليا، التي لطالما اعتمدت على حليفتها الولايات المتحدة في قضايا الأمن الإقليمي– حيث تجمعهما اتفاقية تحمي بموجبها الولايات المتحدة أستراليا من أيّ اعتداء– فهي تحاول بشكل مستمر أن تعقد اتفاقات تعاون لضمان أمن المنطقة من القرصنة والتهديدات الإرهابية وغيرها. فقد وقعت اتفاقيات تعاون عسكري مع سنغافورة وماليزيا، وهي حاضرة بشكل عام في منطقة آسيان بشكل فاعل.
إنّ أستراليا، ورغم محاولاتها منافسة بكين عبر التعاون مع دول آسيان، تدرك تماماً بأنّ دول آسيان جميعها غير راغبة ولا قادرة على التمادي في أيّ برامج مناهضة لبكين. إنّ هذا، والعلاقات متنامية النديّة مع نيوزلندا، قد يجبرا كانبيرا على إعادة الحسابات فيما يخص منافستها لبكين، شريكتها التجارية الأكبر، والوصول إلى صيغ تفاهم منتجة.
يمكن لأستراليا ونيوزلندا أن تلعبا دوراً متنامياً في منطقة آسيا- الهادئ، الأمر الذي يبدو بأنّهما تحققان بعض النجاحات فيه، من خلال تعزيز دورهما كوسيطين لحلّ الخلافات بين دول المنطقة.

بتصرّف عن:
Australia and New Zealand as Asia-Pacific International Actors

معلومات إضافية

العدد رقم:
976
آخر تعديل على الإثنين, 27 تموز/يوليو 2020 14:59
(0 أصوات)