التخلّص من إستراتيجيات «اليسار الأكاديمي» المهترئ والانطلاق للجذريّة

يتعاظم ذكر «اليسار الأكاديمي» وأبطاله أكثر فأكثر هذه الأيام عبر محاولات الطبقات الرأسمالية تظهيرهم بمختلف الوسائل. والهدف الرئيس لصعود نجمهم اليوم، هو تنفيذ الدور المناط بهم «لإخصاء الماركسيّة» عبر التعمية على الجانب الثوريّ من هذه النظريّة وتحويلها إلى مجرّد سفسطات تحليليّة لا مخالب لها تؤذي النظام القائم، وكأنّ ماركس لم يقل يوماً بأنّ الهدف «هو تغيير العالم». وليس أفراد هذا اليسار الأكاديمي بقاصرين عقلياً ليفوتهم هذا، فهؤلاء «المرتدون» ينطبق عليهم قول لينين في «الثورة البروليتاريّة والمرتد كاوتسكي»: «... ينبغي ألّا ننسى أنّ كاوتسكي يعرف ماركس كلّه تقريباً عن ظهر قلب، وأنّ لديه في مكتبه أو في رأسه، إذا حكمنا على كتاباته، جملة من الأدراج وزع فيها بعناية كلّ ما كتبه ماركس، لكي يتمكن من اللجوء بسهولة إلى الاستشهادات...».

جورج مارتن
تعريب وإعداد: عروة درويش

يمكن تناول مقولات ديفيد هارفي بوصفه ممثلاً نموذجياً عن هذا «اليسار الأكاديمي»، وهي في صُلبها لا تختلف لا عمّا يسمى بالاشتراكية- الديمقراطية، ولا يسار- الوسط، فجميعهم أسماء وأدوات لتفريغ الماركسيّة والتيار اليساري من محتواه الثوري، ويهدف لإقناعنا بأنّ الطريقة الوحيدة للخلاص من شرور الرأسمالية هي في الصبر على محاولات إصلاحها. وينطبق على هذا اليسار الأكاديمي في دعواته المثاليّة للإصلاح وإخفائها بقالب من أقوال ماركس، ما يقوله ماركس نفسه في نقد برنامج غوتا عن الاشتراكي- الديمقراطي لاسال: «لقد كان لاسال يعرف البيان الشيوعي عن ظهر قلب، كما أنّ أتباعه الأمناء يعرفون الكتابات المقدسة التي دبجها هو بنفسه. فإذا كان قد زوّر البيان الشيوعي بمثل هذه الفظاظة، فإنه شاء فقط أن يبرر تحالفه مع الخصوم الإقطاعيين والمستبدين ضدّ البرجوازية».
ولهذا تعرض قاسيون المقال التالي الذي يركّز بشكل رئيس على مواقف ديفيد هارفي التشويشية التي يهاجم فيها الحركات التمرديّة- الثوريّة بوصفها سبباً لمقاطعة السلام والسكينة.

التخويف من الثورة

ليست الماركسيّة مجرّد منهج أكاديمي أو أداة للتحليل. قام ماركس بالتحليل وفهم العالم بهدف تغييره، بدلالة ما صاغه باقتضاب في «أطروحات حول فويرباخ». لم تكن الممارسة الثورية بالنسبة لماركس مجرّد إضافة اختيارية، بل جوهر نشاطه السياسي، ونتائج تحليلاته، والسبب الذي أدّى لها. فكما كتب: «بالنسبة لي، ليس هناك من فضل لي في اكتشاف وجود الطبقات في المجتمع المعاصر أو الصراع بينها. فقبلي بكثير وصف المؤرخون البرجوازيون التطوّر التاريخي لهذا الصراع الطبقي ...».
إذاً ما الذي يقوله اليسار الأكاديمي حول الثورة وبأيّ سياق يقولونه؟ ذكر ديفيد هارفي في كانون الثاني 2019 ضمن لقاء يدعى «الاضطراب العالمي» يتناول الانتفاضات الثوريّة التي كانت تحدث في الإكوادور وتشيلي ولبنان... إلخ، أحاديثاً تمّ اقتطاع الكثير منها في وسائل التواصل الاجتماعي ففقدت ارتباطاتها.
فرغم موافقتنا على أنّ معظم هذه الحركات لها سمات تمرّد أكثر منها ثورة، فلا يمكننا أن نغفل أنّها ليست ظواهر معزولة تحدث في بلدٍ واحد. يبدأ هارفي بالانتفاضة في تشيلي، ثمّ يتحدث عن الانتفاضات في الإكوادور ولبنان والعراق وحركة السترات الصفراء في فرنسا. لكنّه وبشكل مثير للريبة يضيف الانقلاب الحاصل في بوليفيا إلى القائمة: «... هناك شكّ واسع النطاق بأنّ الرئيس مورالس لم يحصل بالفعل على عدد الأصوات الذي قيل بأنّه حصل عليها. وما نشهده هو إلى حدّ ما تظاهرات شعبوية يمينية. وكان على الرئيس والحكومة أن يفرّوا من البلاد ويطلبوا اللجوء في المكسيك. ولهذا ومن جديد تنزل الحشود إلى الشوارع، وتتنازع المجموعات المتصارعة بعضها مع بعض».
ولذلك ورغم إدراكه بأنّ هذه الحركة تمضي «باتجاه مختلف» وبأنّها كانت «تظاهرات شعبوية يمينيّة»، فقد أغفل النقطة الحاسمة: تمّت إزاحة حكومة موراليس عبر انقلاب خرج فيه الجيش على التلفاز وأنذره بشكل أخير. ليس هذا الأمر تفصيلاً صغيراً، وليس هناك من ماركسيّ يضع في ذات الخانة حركات ثوريّة مع حركات ثوريّة-مضادّة، ليحللهما معاً وكأنّهما واحد.
ويتابع هارفي بالقول بأنّ المشكلة ليست في النيوليبرالية بل في الرأسمالية نفسها، وهو الأمر الذي نوافق عليه: «هناك طريقتان يمكنك من خلالهما التفكير في هذا الأساس الاقتصادي. الأولى: هي في كونه مشكلة نمط محدد من تراكم رأس المال التي نشير إليها عموماً باسم النيوليبرالية، وهذه الطريقة ترى بأنّ المشكلة في النيوليبرالية وليس في الرأسمالية... وهي الطريقة التي لا أوافقها الرأي... فالنظام الاقتصادي أو النموذج الاقتصادي غير ناجح، وهذا النموذج الاقتصادي هو الرأسمالية...».
لكنّه بعد أن توصّل لكون الرأسمالية هي المشكلة الحقيقية وهي الدافع وراء قيام الحركات الاحتجاجية حول العالم، وبشكل وفيّ لتياره التحريفي من خلال مناقضة ما افترضه بنفسه، انتقل للتحذير من أيّة فكرة تريد إلغاء الرأسمالية. وقد استخدم في حجاجه منطقاً غير مفهوم ولا يعتمد على الحقائق: «المشكلة الرئيسة هنا أنّه لو حدث انهيار مفاجئ للرأسمالية في زمن ماركس، لتمكّن معظم الناس في العالم من إطعام وإعادة تجديد أنفسهم. فمعظم الناس كانوا يعتمدون على أنفسهم في المناطق المحلية في الأشياء التي يحتاجونها ليعيشوا، أو بكلمات أخرى: كان يمكن للناس تأمين قوتهم، بغض النظر عمّا كان يجري في الاقتصاد العالمي. أمّا الآن فلم تعد الحال كذلك. معظم الناس في الولايات المتحدة بشكل خاص، وبشكل متزايد في أوروبا واليابان، والآن في الصين والهند وإندونيسيا وكلّ مكان، يعتمدون بشكل كلّي على تسليم الغذاء لهم، حيث يحصلون على غذائهم من دورة رأس المال. الآن... يعتمد الناس بنسبة 70 إلى 80% على دورة رأس المال ليضمنوا توريد غذائهم، وإيصال الوقود الذي يسمح لهم بالتنقل، وإيصال كلّ شيء ضروري لهم ليعيدوا إنتاج أنفسهم في الحياة اليومية».
هذا الحديث هو حجاج مذهل مناهض للثورة، ممّا لا يعتمد على أيّ أساس واقعي. إنّه خاطئ من العديد من النواحي. أولاً: كان العمّال في زمن ماركس يحصلون على سبل عيشهم من السوق الرأسمالية. كانوا يعملون مقابل أجر، ثمّ يمضون إلى الأسواق للحصول على الطعام، أي: ذات ما يحصل اليوم. ربّما كان هناك بعض العمّال في منتصف القرن التاسع عشر يزرعون بعض الخضار في حدائق منازلهم، الأمر الذي لا يمكن تخيل حدوثه في أحياء الطبقة العاملة في المدن الصناعية الكبرى. لكنّ هذا الأمر ليس هو العامل الذي جعل الثورة ممكنة في ذاك الوقت بدون شك. فاعتماد 70 إلى 80% من سكان العالم اليوم على دورة رأس المال ليؤمنوا غذاءهم واحتياجاتهم الرئيسة هو في واقع الأمر عاملٌ إيجابيّ فيما يتعلق بإمكانية قيام الثورة! فهو يعني بأنّ فلاحي العالم قد تمّ تقليص عملهم والاستعاضة عنهم في الزراعة الغذائية إلى حدّ كبير بالزراعة الرأسمالية واسعة النطاق. يعني هذا بأنّ وزن الطبقة العاملة في المجتمع لم يكن في أيّ وقت آخر أكبر منه اليوم. ونموّ الطبقة العاملة بهذا الحجم عامل إيجابيّ يجعل إمكانية نجاح ثورة اشتراكية أكبر بكثير، الأمر الذي أغفله هارفي عمداً.
ثانياً: يحاول «اليسار الأكاديمي» إيهامنا بأنّ الانهيار المفاجئ للرأسمالية سيعني حتماً إيقاف عمليّة الإنتاج بشكل كلي. وبهذا يكون قد نسي عمداً أنّ الثورة الاشتراكية تعني استيلاء العمّال على السلطة السياسية ومعها السيطرة على ملكيّة وسائل الإنتاج. وهذا يعني بأنّ الثورة ستعيد تنظيم عمليّة الإنتاج بشكل ديمقراطي يضع فيها العمّال بأنفسهم خطّة الإنتاج وفقاً لاحتياجات المجتمع. أيّ: إنّ انهيار الرأسمالية لا يرادف تعطّل الإنتاج كما يحاول هؤلاء المرتدون إيهامنا.

هل الرأسماليّة أكبر من أن تسقط؟

يصرّ اليسار الأكاديمي على أنّ توقّف جميع أنشطة الإنتاج هو معادل الثورة، الأمر الذي سيؤدي إلى كارثة: «ملخص الوضع الذي أراه اليوم هو أنّ الرأسمالية اليوم أكبر من أن تسقط. لا يمكننا تخيّل وضع نقوم فيه بإيقاف تدفق رأس المال، فإذا ما قمنا بذلك فإنّ 80% من سكان العالم سيتضورون جوعاً وسيعجزون عن التنقّل ولن يكونوا قادرين على إعادة إنتاج أنفسهم بطرق فعّالة».
يثبت هذا «اليسار» من جديد عدم قدرته على فهم القوّة الخلاقة للطبقة العاملة. فمجرّد تحليل سريع للثورات في المئة عام الأخيرة يثبت لنا عكس هذه الادعاءات. فقد أظهر لنا أيّ تطور ثوري قدرة الطبقة العاملة على التحرّك والاستيلاء على المعامل وتشغيلها وإنتاج الغذاء... إلخ وكلّ ذلك أثناء مقارعتها لطبقة الرأسماليين.
واجهت الثورة التشيلية في 1971-1973 إعاقة مالكي الشاحنات الرجعيين، فأنشأت أحياء الطبقة العاملة لجان تموين الشعب «Juntas de Abastecimiento Popular» بهدف ضمان توزيع الغذاء. أثناء الثورة الإسبانية، استولت المنظمات العمّالية على المصانع وأدارتها ووزعت الأرض ونظمت توزيع الغذاء في الوقت الذي فرّ فيه الرأسماليون إلى المعسكر الفاشي. خلال الإضراب العام الفرنسي العام في أيّار 1968، عندما أضرب 10 ملايين عامل واحتلوا المعامل، نظّم الفلاحون تموين المدن في ظلّ سيطرة اللجان العمّالية. في فنزويلا، تمّ تخطي إغلاق الزعماء في 2002-2003 من خلال استيلاء العمّال على منشآت شركات النفط وإدارتها بأنفسهم، وكذلك عبر إطلاق استيلاءات كبرى على المصانع ووضعها تحت سيطرة العمّال. هذه جميعها أمثلة عن القوّة الخلاقة للمنظمات العمّالية عندما تتحرّك لتحويل المجتمع.
يقول اليسار الأكاديمي: بأنّ الرأسمالية غير ناجحة، ويقولون بأننا غير قادرين على تدميرها بذات الوقت. يمكن التعبير عن هذا الاتجاه باسم الخطاب العاجز لليسار الأكاديمي. إنّ هارفي كان صادقاً على الأقل في الإعلان عن رؤاه التحريفية دون محاولة تغطيتها، عندما أعلن عدم إمكانية تدمير الرأسمالية وطالب اليسار بمحاولة إصلاحها: «هذا يعني بأنّ الرأسمالية أكبر من أن تسقط. إنّها مهيمنة ومن الضروري جداً لنا ألّا نسمح بإسقاطها. علينا في حقيقة الأمر أن نقضي بعض الوقت في دعمها، وأن نحاول إعادة تنظيمها وربّما تحويلها ببطء شديد وعلى مدى طويل إلى إعدادات مختلفة. لكنّ أية إطاحة ثوريّة لهذا النظام الاقتصادي الرأسمالي غير ممكنة التصور في الوقت الحالي. لن تحدث ولا يمكنها أن تحدث وعلينا التأكد بأنفسنا من عدم حدوثها».

محللون جيدون ومثقفون سيئون!

ليس أفراد هذا اليسار الأكاديمي محللين سيئين للرأسمالية بالضرورة، فهارفي كمثال قد كتب مجموعة كبيرة من الأوراق الناقدة للرأسمالية وعن كونها ليست نافعة لغالبية المجتمع. لكن وبعد فراغهم من كتابة أوراقهم، يعودون للتأكيد بشدّة بأنّهم ضدّ قيام ثورة بالإطاحة بالرأسمالية. بل ويحاجج هارفي بأنّ النظام الرأسمالي يجب دعمه أيضاً! من قبلنا «افترض بأنّه كان يقصد اليسار أو الحركات العمّالية»، ثمّ تحويلها برفق وتهذيب ناحية «إعدادات مختلفة».
برغم الدفاعات التي يسوقها هؤلاء «اليسار الأكاديمي»، فأفكارهم عن إمكانية إصلاح الرأسمالية بحيث تعتمد توفير «القيمة الاستعمالية للناس بدلاً من السعي إلى الربح» ليست أكثر من سفسطة مثاليّة. لم يتعلّم هارفي أيّ شيء من قراءته للمنهج الماركسي تجاه الرأسمالية، وأقلّ من ذلك لقراءته للصراع الطبقي. تعتمد الرأسمالية تحديداً على السعي المستمر إلى تحقيق الربح، فالرأسماليون ليسوا مهتمين بإنتاج قيمٍ استعمالية، بل القيم التبادلية التي يمكنهم من خلالها تحقيق أرباح وإعادة إنتاج رأس المال بدورة مستمرة متنامية مطلقة. لا يمكن «إدارة» النظام الرأسمالي ليصبح عكس جوهره، وذلك عدم الإمكانية ذاتها «إدارة» مفترس آكل للحوم ليصبح نباتياً، ومن يحاول فعل ذلك سيصبح غداءً لهذا المفترس.
والأسوأ من هذا، محاولة اليسار الأكاديمي إيهامنا بأنّ مثل هذه الإدارة المنشودة للرأسمالية ستخلق عالماً تسود فيه «السكينة والهدوء»، وذلك خلافاً للعالم المليء «بالانفجارات» الذي نعيشه اليوم. هؤلاء لا ينكرون الحاجة للثورة وإمكانيتها وحسب، بل يعتبرون الحركات الثورية، مثل التي نشأت في تشيلي والإكوادور مؤخراً، انفجارات مقلقة تعكّر صفو السلام والهدوء.
لم يكن هؤلاء الأشخاص يعبّرون عن مناهضتهم للثورة بهذا الوضوح في الماضي، رغم أنّ تعبيراتهم الأخيرة لم تسقط من السماء فجأة، وهي نتاج لكامل منهجهم التحريفي. في مقابلة مع ليو بانيتش تحدّث هارفي عن «الإصلاح المستحيل والثورة غير المحتملة». واليوم باتوا يعلنون مناهضتهم للثورة ويؤيدون إدارة إصلاحية بطيئة.
بات هؤلاء يضعون أعمدة لهم أفكاراً مثل: «الطبقة العاملة الكلاسيكية لم تعد موجودة بعد الآن» أو أنّ «النيوليبرالية قد استعمرت عقولنا»، ولهذا لم يعودوا قادرين على رؤية ما يجري أمام أعينهم مباشرة. باتت أزمة الرأسمالية وعدم قدرتها على ضمان حتّى الاحتياجات الرئيسة واضحة من جهة، ومن جهة أخرى القدرة الهائلة للطبقة العاملة عندما يبدؤون بالتحرّك. وفي كلتا الحالتين تحدّت الحركات التمرديّة سطوة الطبقة الحاكمة وقامت، ولو بشكل جنيني، بإظهار حالات السطوة المزدوجة. جمعيّة الشعب وحرس السكان الأصليين في الإكوادور المسماة مجالس الجوار الجماهيرية «Cabildos Abiertos» مع جمعيات الشعب ولجان دفاع بريميرا لينيا في التشيلي، كانوا صيغاً أوليّة لسطوة الطبقة العاملة وأعمدة لمؤسسات جديدة ومجتمع جديد.
صحيح أنّ هذه التحركات لم تتكلل بالنصر، فالطبقة العاملة لم تستول على السلطة ولم يتم خلع الرأسمالية. لكن هذا الأمر لا دخل له بأنّ الرأسمالية أكبر من أن تسقط، وليس لأنّ الثورة مستحيلة. فما كان ناقصاً في هذه الحركات هو وجود قيادة ماركسيّة قادرة على حشد الحركة وأخذها إلى النصر. وهذا طور البناء في الإكوادور وتشيلي وكلّ مكان آخر. والعجز والانهزاميّة والميل الإصلاحي والتحريفي لليسار الأكاديمي لن يقدّم أيّ عون في هذا البناء بل سيعيقه لسوء الحظ.

إمّا الماركسيّة أو اليسار/الماركسيّة الأكاديميّة

قد يكون لقب ماركسي مشوّشاً بالنسبة للبعض، لكنّ يمكن القول بأنّ الاكتفاء بنقد رأس المال ليس ماركسيّة على الإطلاق. الماركسيّة هي مبدأ ثوري يهدف لإسقاط الرأسمالية. فكما قال لينين في مؤلّف الدولة والثورة: «ما يحدث الآن لتعاليم ماركس، حدث على مرّ التاريخ بشكل متكرر مع تعاليم المفكرين الثوريين وزعماء الطبقات المظلومة في نضالها من أجل التحرر. ففي حياة الثوريين العظام كانت الطبقات القمعيّة تلاحقهم بشكل مستمر، وتستجيب لتعاليمهم بأشدّ درجات الحقد وحشيّة، وأكثر مراحل الكره حنقاً وبأقصى حملات الأكاذيب والتشهير المنعدمة من المبادئ. وبعد وفاتهم، تجري محاولات لتحويلهم لأيقونات لا يرجى منها نفع أو ضرٌّ بهدف ضمهم إلى قائمة القديسين، ولإحاطة أسمائهم بهالة من التبجيل بقصد «مواساة» الطبقات المقموعة وتخبيلها، مبتذلة في ذات الوقت التعاليم الثورية بتفريغها من مضمونها وثلم نصلها الثوري. يتفق البرجوازيون والانتهازيون في الحركة العمّالية اليوم على إخصاء الماركسيّة. فهم يسقطون أو يشوشون أو يشوهون الجانب الثوري لهذه النظريّة وروحها الثوريّة».

بتصرّف عن: David Harvey against revolution: the bankruptcy of academic “Marxism”

معلومات إضافية

العدد رقم:
974
آخر تعديل على الإثنين, 13 تموز/يوليو 2020 15:12
(0 أصوات)