اشتراكيّة القرن 21 وإعادة امتصاص الدولة

يعتمد النمو الرأسمالي على استغلال العمالة وعلى تدمير البيئة. فقد خلق عبر التمييز الجنسي والعنصرية مواطنين من الدرجة الثانية يتم استغلالهم بشكل مضاعف. الديمقراطية في ظلّ الرأسمالية ذات تنوّع «ضئيل»، حيث اتخاذ القرارات المتعلقة بتوليد الموارد الاقتصادية واستخدامها مغلق أمام غالبيّة السكان، وحيث تسهّل الأنظمة السياسيّة إساءة تمثيل الناخبين. تعزز التنمية الرأسمالية ميزات وثروات قلّة قليلة من سكان العالم، وتدعم من العمق انتشار الفقر بين الطبقة العاملة حول العالم.

ما الذي قد يبدو عليه جدول أعمال تنمية اشتراكية بديلة؟
تقوم المقالة التالية على افتراض أنّ حركة طبقة العمّال سوف تقوم في المستقبل القريب، بدعم من قطّاع الفلاحين والمزارعين الصغار. سيحدث هذا التبديل عبر مزيج من الانتصارات البرلمانية، والنضالات الجماهيرية خارج البرلمان. يقوم جزء من هذا الافتراض على أنّ الطبقة العاملة في البلدان «الأقل تطوراً» تملك فرصة أكبر في السيطرة على السلطة السياسيّة والاقتصاديّة من نظيرتها في البلدان الثريّة، حيث أنّهم يواجهون الحلقات الأضعف في سلسلة الإمبرياليّة الرأسماليّة.
وما أن تتحقق هذه السيطرة على السلطة، كيف سيتم إعادة تشكيل الدولة الرأسمالية سابقاً؟ ما هي أنواع المؤسسات التي سيتم إنشاؤها لتوجيه، والحفاظ، وتوسيع نطاق سلطة الطبقة العاملة؟ ومن أين ستأتي الموارد لتحقيق نمو اشتراكي في بلد فقير؟
نركز في حجاجنا هنا على أنّ علينا التفكير في استراتيجيات للتنمية الاشتراكية باعتبارها ستبدأ في دولة واحدة، دولة موجودة ضمن النظام الرأسمالي الاقتصادي العالمي. يجب أن تسهم استراتيجيّة التنمية في بلد فقير في: 1) تحسين ظروف الطبقة العاملة على الفور. 2) وضع الأسس لتجديد سلطة الطبقة العاملة في دولة مؤسسة حديثاً. 3) العمل على إتاحة إمكانية ظهور دول اشتراكيّة جديدة، والتعاون معها ضمن (ولكن خارج في نهاية المطاف) النظام العالمي الرأسمالي.
وفي حين أنّ هناك الكثير من الجدل داخل بعض الأوساط الاشتراكية عن عدم إمكانيّة حدوث تنمية قبل إنشاء قاعدة اقتصاديّة (رأسمالية) قويّة، فإنّ حجاجنا هنا هو أنّ الموارد المطلوبة لتلبية احتياجات الطبقة العاملة موجودة بالفعل في البلدان الفقيرة. في الواقع إنّ تعزيز التنمية على أساس رأسمالي هو أمر خاطئ سواء من الناحية الاستراتيجيّة أو من ناحية التحليل. فمن الناحية الاستراتيجية، ستضفي هكذا تنمية الشرعية على زيادة تراكم رأس المال واستمرار إخضاع اليد العاملة لرأس المال هذا. ومن الناحية التحليليّة، فإنّها تمثل إخفاقاً في إدراك أنّ كميات كبيرة من الثروة الموجودة حالياً يتم إنتاجها بالفعل في بلدان فقيرة.
وعليه فإنّ القضيّة الجوهرية هنا ليست توليد المزيد من الثروة يمكن من خلالها إيجاد مجتمعات اشتراكيّة في المستقبل، بل هو في الحقيقة استخدام الثروة الموجودة بالفعل لضمان تنمية بشرية لصالح الطبقة العاملة، ومن قِبلها. إنّ العلاقات الاجتماعية التي يتمّ إنتاجها داخل وعبر توليد الثروة وتوزيعها، هي التي تحدد في نهاية المطاف جدوى التنمية الاشتراكية.

الثورة المتقطعة

لن تعني سيطرة الطبقة العاملة على السلطة السياسيّة تجاوز الرأسمالية، بل ستمثل مرحلة جديدة ومضاعفة من النضال من أجل الانتقال إلى أسلوب إنتاج بديل. أسلوب إنتاج يستخدم الأدوات التي ورثها من الماضي. فكما صاغ ماركس الأمر: «يجب أن نبقي في اعتبارنا أنّ قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الجديدة لا تتطور من العدم، ولا تسقط من السماء، ولا تولد من رحم الفكرة بذاتها. بل تخرج من تناقضات تطوّر الإنتاج القائم، ومن علاقات الملكيّة التقليديّة والموروثة».
سيكون هناك عدد كبير من المؤسسات التي لا تزال علاقات العمالة الرأسمالية سائدة فيها. قسم كبير من العمّال العاطلين عن العمل سيسعون للحصول على عمل ودخل. ستبقى الأسرة النواة على الأرجح قائمة تعتمد فيها النساء على مداخيل الآخرين العاملين، وسيتمّ توجيههن نحو إنتاج أجيال حاليّة ومستقبليّة من العمال. وفي بداية الأمر ربّما تبقى أقليّة صغيرة من الرأسمالية الزراعية وملّاك الأراضي تسيطر على غالبية الأرض. ستخضع التجارة الخارجية للشروط الرأسماليّة. ستبقى المؤسسات الماليّة وقوتها داخل الاقتصاد مركزة بدرجة كبيرة. سيبقى التمييز الجنسي والعرقي والاثني موجوداً. وستكون المؤسسات الديمقراطية غير فاعلة من وجهة نظر إنشاء مجتمع قائم على المشاركة الحقيقيّة.
في ظلّ مثل هذه الظروف، فإنّ سياسات واستراتيجيات الدولة الاشتراكية الناشئة تحتاج، بشكل متزامن، إلى توسيع وتعزيز ديناميّة قوّة الطبقة العاملة أثناء تقليل قوّة رأس المال. يمثل هذا الوضع مرحلة انتقالية، حيث يتم تفكيك النظام الرأسمالي القديم أثناء بناء نظام ديمقراطي جديد.
سيحتاج الأمر إلى زمن طويل نسبياً من أجل إخضاع الرأسماليين للعلاقات الاجتماعية الاشتراكية. وتحديداً بسبب هذه العملية المستمدة من التناقض، فمن الضروري بشكل مضاعف أن ننظر في الكيفيّة التي يمكن فيها للطبقة العاملة الناشئة أن تحافظ على حماسها وطاقتها الطبقيّة الأوليّة، وأن تسهل عمليّة إعادة تجديد نفسها اجتماعياً. وأن تساهم، دون وضع جدول زمني مسبق، في التوسع العالمي للتنمية البشرية الاشتراكية.
«يمكن تخيّل عمليّة تعزيز سطوة الطبقة العاملة بوصفها ثورة متقطعة». سيحدث مثل هذا التحوّل على مدى متوسط وطويل، وسيتخذ أشكالاً عديدة أثناء ذلك. مثال: تطوير التعاونيات والمزارع الجماعية، وتوسيع ما هو متاح من وسائل العيش (إنتاج الغذاء وتوزيعه، الرعاية الصحية... الخ)، نظم التعليم التشاركي الجديدة. وعلى المدى الطويل والمتوسط: مراكمة الخبرة السياسيّة (عبر الدفاع وتوسيع سلطات الطبقة العاملة). يمكن لنظرة إلى السياسية الخارجية أن تضيف شيئاً إلى توسيع سطوة الطبقة العاملة، وذلك عبر التعاون مع الحركات الاشتراكية من أجل بناء تضامنٍ مؤيد للنظام الجديد (والأهم من ذلك الدفاع عنه من التدخل المعادي)، وتوسيع عمليّة سيطرة الطبقة العمالية العالمية على السلطة عندما تسنح الظروف.
فالظهور الأولي وإقامة دولة الطبقة العاملة الديمقراطية في بلد واحد هو شرط مسبق لظهور دول أخرى مشابهة. وظهور مثل هذه الدول ضروري من أجل الحفاظ على مكاسب الأولى على المدى الطويل. سيكون في جميع الحالات هناك فترة زمنية كبيرة بين ظهور أول دولة اشتراكية، وبين ظهور مثيلاتها حول العالم. وفي هذه الفترة الزمنية يجب صياغة استراتيجية إنمائية اشتراكية ومتابعة العمل بها.
إعادة التوزيع: استعادة الثروة الاجتماعية
تمثّل إعادة توزيع الثروة عن طريق تحويل العلاقات الاجتماعية أسرع وسيلة للتخفيف من وطأة الفقر، وهي بذلك تُنشئ عمليات وإمكانات تقدميّة حقيقيّة في التنمية البشرية.
نسمع في كثير من الأحيان اعتراضات تقول: إنّ إعادة التوزيع هذه من شأنها أن تساهم في التنمية البشرية بشكل ذي معنى في البلدان الغنيّة، حيث تكون الفطيرة التي يعاد توزيعها كبيرة نسبياً، بينما من غير المرجح أن يكون له ذات الأثر في البلدان الفقيرة نسبياً. وبأنّ هذه البلدان تحتاج عوضاً عن ذلك إلى تجميع الثروة قبل أن يتم توزيعها، ولهذا يجب أن تخضع لعملية تنمية رأسمالية سريعة. أيّ أنّها تحتاج لتنمية رأسمالية تمتدّ لجيل أو عدّة أجيال.
كثيراً ما يتم أخذ مثل هذه الحجج على أنّها من المسلمات، وتتجاهل ببساطة الطرق التي تراكم فيها الطبقات الرأسمالية في الدول الفقيرة الثروة، فغالباً ما تخرج هذه الثروات إلى الخارج، وتحميها من الضرائب الوطنية ومن استخدامها المحتمل بشكل ديمقراطي. فعلى سبيل المثال: أظهرت دراسة أجراها إنديكومانا وبويس عام 2011 كيف أنّ منطقة إفريقيا جنوب الصحراء:
«قد شهدت إخراجاً لما يزيد عن 700 مليار دولار من رأس مالها منذ عام 1970 ... إنّ إفريقيا هي دائن صافٍ لبقيّة العالم، بمعنى أنّ أصولها الأجنبيّة تتجاوز التزاماتها الأجنبية. لكنّ هناك فارقاً أساسياً بين الاثنتين: فالأصول هي بيد خاصّة الأفارقة. بينما يقع عبء الالتزامات على العامّة، مستحقاً على الشعب الإفريقي عموماً يدفعه عبر حكوماته».
وتبعاً لذات الدراسة، فإنّ إفريقيا واقعة تحت وطأة ديون خارجيّة بقيمة 177 مليار دولار. جمعت «شبكة الضرائب العادلة» عام 2012 بيانات من 139 دولة معظمها من ذات الدخل المتوسط والمنخفض، ولاحظت:
«تظهر البيانات التقليديّة أنّ إجمالي الدَّين الخارجي قدره 4.1 ترليون دولار في نهاية عام 2010. لكن عند أخذنا في الحسبان لاحتياطاتها الأجنبية وللثروة الخاصّة الموجودة في الخارج وغير المسجلة، يمكن مراجعة الصورة بحيث يبلغ صافي الديون الإجمالي لصالحها 10.1 إلى 13.1 ترليون دولار... هذه الدول هي دولة دائنة كبرى، وليست دولاً مدينة. بأي حال، يسيطر على أصول هذه الدول بضعة أفراد أثرياء، بينما يحمل العامّة عبء ديونها عبر الحكومات».
وتظهر ديبورا روجرز وبالينت بالازس عام 2016 بأنّ إعادة توزيع صغير للثروة في البلدان الفقيرة من الأثرياء إلى الفقراء بإمكانه إنهاء الفقر:
«باستخدام الأرقام التي تشبه المأخوذة من بنغلاديش عام 1995/1996، فإنّ إعادة توزيع 3% من الدخل من الشريحة الخمسيّة العليا (تقلصت نسبتها من 40.2% لتصبح 37.2%) إلى الشريحة الخمسية الدنيا (ارتفعت نسبتها من 9.3% إلى 12.3%) ينتج عنه تقليص بنسبة الفقر من 20% إلى0.0% ... تتطلب محاولة الحدّ من الفقر بنسبة مماثلة بالاعتماد على النمو الاقتصادي، توسيعاً للدخل الإجمالي بنسبة تقارب 45%».
في سياق مماثل، يظهر كريس هوي وآندي سومنر كيف أنّ إعادة توزيع محدود للثروة (مثال: عبر إعادة توجيه دعم الوقود من المنتفعين الأثرياء به إلى الفقراء) يمكن أن تكون لها آثار كبيرة: «لدى معظم البلدان النامية القدرة على القضاء على الفقر... عند المستويات التي يقلّ فيها الدخل عن 1.90 دولار أو أعلى قليلاً عند 2.50 دولار ووصولاً حتّى إلى 5 دولار في اليوم».
يتم في هذه الحسابات استخدام تعاريف متحفظة نوعاً ما (قائمة على المال). علاوة على ذلك، فإنّ الحسابات تفترض قيام توزيع محدود للثروة داخل البنى الاجتماعية الرأسمالية الموجودة. إنّ مفهومنا عن التنمية الاشتراكية ينطوي على تصور اجتماعي أوسع نطاقاً للثروة. فالثروة لدينا لا تقتصر على الدخل والمال، بل تمتد لتشمل وسائل إنتاج الثروة الاجتماعية نفسها، بدءاً من الأرض وأماكن العمل ووصولاً إلى البيئة الطبيعية. ففي ظلّ الرأسمالية يتم إنتاج هذه الثروة اجتماعياً ولكنّها مملوكة بشكل خاص. تتمثل أهدافنا في إحداث تحول جذري في ثورة المجتمع من خلال إضفاء الطابع الاجتماعي على ملكيته وتوجيهه ديمقراطياً.

إعادة امتصاص الدولة من قبل المجتمع

بعد دراسته لكومونة باريس، قال ماركس: «تمّ أخيراً اكتشاف الشكل السياسي الذي يجب العمل به في إطار التحرر الاقتصادي للعمال»، حيث سيكون: «بمثابة أداة لاقتلاع الأسس الاقتصاديّة التي تدين لها الطبقات بوجودها، وعليه اقتلاع حكم الطبقة». لقد وصف العملية الجذرية لتغيير العلاقات الاجتماعية، ولا سيما علاقة الدولة بالمجتمع على النحو التالي: «إعادة امتصاص المجتمع لسلطات الدولة بوصفها قوّة حيّة خاصة بها، بدلاً من كونها قوّة تسيطر عليه ويخضع لها. ويتم ذلك عبر الجمهور الشعبي ذاته الذي يشكل قوته الخاصة بديلاً عن القوة المصممة لقمعه: إنّه الشكل السياسي لتحرره الاجتماعي».
يجب على المجتمع أن يعيد امتصاص الدولة من أجل إخضاع العلاقات الاجتماعية الرأسمالية وتحويلها. يمكن أن تسهم ثلاثة مبادئ تنظيميّة في التفكير في كيفيّة حدوث مثل هذه العملية التحويليّة:
الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج: إنّ الإنتاج البضاعي الرأسمالي هو النموذج الاجتماعي الذي تمّ بموجبه تحقيق نظام الترابط الاجتماعي الأكثر تطوراً في تاريخ البشرية. ومع ذلك، يتم توجيه وسائل الإنتاج بشكل استبدادي وفقاً لضرورات السوق من تراكم رأس المال التنافسي. تحرم هياكل الملكية هذه العمّال من أيّ رأي حول كيف وإلى أين يتم توجيه الإنتاج، ويقصر آراءهم على «الأشياء» التي يتم التلاعب بها عبر «الموضوعات» الإدارية. على النقيض من هذا، ستعيد الملكية الاشتراكية لوسائل الإنتاج تأسيس صناعة القرار لتتم ضمن عملية ديمقراطية جماعية.
الإنتاج الاشتراكي الذي يقوده العمّال: تسهّل الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج التوجيه الاشتراكي للإنتاج، من خلال التعاون بين العمال ومجتمعاتهم المحلية. يعدّ مثل هذا التعاون أمراً رئيسيّاً في المجتمع الاشتراكي الناشئ لسببين، أولاً: لأنّه يحدّ ثمّ يقلّص ثم ينهي الإنتاج القائم على الاستبداد والمنافسة الفوضويّة. ثانياً: لأنّ عصب الحياة في التنمية الاشتراكية هو التعاون، داخل وخارج أماكن العمل.
تحديد وتلبية حاجات وأغراض المجتمع وأهدافه: في ظلّ الرأسمالية، تتنافس الشركات لتأمين ميزة تنافسية. وتتنافس طبقة العمّال والعمالة المنزلية والأفراد ضدّ بعضهم البعض لتأمين أفضل الأعمال. تمثل التنظيمات المجتمعية، التي يتم تنظيمها داخل وما بعد أماكن العمل، منطقاً بديلاً للتجديد الاجتماعي. سيعتمد تحديد وإشباع الاحتياجات والأغراض الاجتماعية على التعاون داخل وبين أماكن العمل والوحدات الاجتماعية المحيطة.
كيف يمكن تطبيق مثل هذه المبادئ التنظيميّة؟ يمثّل العمل اللامركزي على المستوى المحلي أحد الطرق لتحقيق ذلك. ففي ظلّ مثل هذا النظام، تتدفق الطاقة الاجتماعية التي يولدها التخطيط من المستوى الأدنى للمستوى الأعلى: أي من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني، وذلك عوضاً عن الأوامر من أعلى لأسفل كما في الشركات والدول في ظلّ الرأسمالية. ومن المبادئ التي تسترشد بها هذه العملية: «يجب اعتماد اللامركزيّة في كلّ شيء يمكن القيام به في المستوى الأدنى». ستتم إعادة تنظيم الاقتصاد الوطني وتوجيهه نحو تحقيق هذه الأهداف. ويتم نقل الاحتياجات والمواضيع التي لا يمكن تلبيتها في المستوى المحلي إلى المستوى الأعلى: إلى هيئة تخطيط أعلى، والتي تقوم بتشميلها في الاستراتيجيات العامّة لتوليد الموارد وتخصيصها.
يتطلب إنشاء وتصعيد دوافع نقل التخطيط الديمقراطي ونقلها إلى مستويات أعلى وجود درجات مناسبة من التخطيط التشاركي. يمكن إنشاء هذه الدرجات المختلفة، لكن المترابطة، من قبل الأحياء والقرى ومجالس المدن وهيئات الدولة الوطنية.
يمكن للجيران داخل الأحياء والقرى أن يلتقوا بشكل دوري ليتناقشوا فيما بينهم عن نوعيّة المجتمع الذي يريدون أن يعيشوا فيه، ثم يحددوا وينسقوا الاحتياجات المجتمعيّة وقدرة تلبية هذه الاحتياجات. إنّ احتمال التطابق الكلي بين الاحتياجات والقدرة على تلبيتها صغيرة. وعليه فإنّ هدف التخطيط على المستوى المحلي في جزء منه كي يحدد، ويتواصل مع الأعلى، عن الموارد الإضافيّة المطلوبة وعن كميات الفائض المتاحة.
يمثل المجتمع المحلي، الذي يجمع بين مجموعة متنوعة من الأحياء وأماكن العمل، الناطق التالي للتخطيط التشاركي اللامركزي. يتم جمع المعلومات من المجتمعات المحلية ومناقشتها داخل أماكن العمل. هل بإمكان العمال أن يلبوا احتياجات المجتمعات المحلية التي تضم المجموعات البشرية؟ في ظلّ الرأسمالية، حيث يوجه الإنتاج نحو توليد قيم تبادلية (من أجل بيعها بربح في السوق)، تأتي مثل هذه الاعتبارات في مركز ثانوي (إن أخذت في الاعتبار على الإطلاق) مقابل تحقيق أقصى قدر من الأرباح. في ظلّ المجتمع الاشتراكي الناشئ، فإنّ تحديد ومحاولة تلبية الاحتياجات المحلية تطلق عملية وضع القيمة الاستعمالية (الإنتاج بهدف إشباع حاجات الطبقة العاملة) مكان القيمة التبادلية. ومن خلال مجالس الاجتماع المحليّة يمكن أن نولّد البيانات عن:
الاحتياجات التي يمكن إشباعها من قبل، وداخل الوحدات المحليّة.
الاحتياجات التي لا يمكن إشباعها عبر الوحدة المحليّة (وهي التي تحتاج للمزيد من المساعدة من داخل المجتمع المحلي ومن خارجه).
كميّة فائض العمل (الذي يمكن للوحدات المحليّة أن تساهم به من أجل تلبية احتياجات الوحدات المحليّة الأخرى).
وتجري مناقشة كميّة الفائض والاحتياجات التي لم تلبّ ضمن سلسلة التخطيط التشاركي من أسفل لأعلى لتضمّ أوسع الوحدات نطاقاً: بدءاً من التعاونيات ووصولاً إلى الدولة الوطنية. فعندما تحضّر الوحدات المحليّة قوائم باحتياجاتها وبما لا تستطيع أن تلبيه منها وبكميات الفائض، تستطيع الوحدات على المستوى الوطني أن تقدّر كيفيّة توليد الموارد وتخصيصها. فحيث تكون هناك احتياجات زائدة، ستدور المناقشات حول آليات زيادة الإنتاج وإعادة تخصيص الموارد (سواء بشكل إقليمي أو اجتماعي)، أو حول إمكانيّة تقليص إشباع بعض الاحتياجات.
ومن خلال التخطيط التشاركي اللامركزي، يمكن للمشاركين أن يكتسبوا المعرفة بشأن توافر الموارد وإنتاجها وتخصيصها. كتبت مارتا هارنكر ملخصة خبرتها أثناء المشاركة في تجارب التخطيط التشاركي اللامركزي في البرازيل وفنزويلا والهند، بأنّها تمثل عملية مزدوجة:
«أولاً... الخطّة التي وضعت بطريقة تشاركية. ثانياً... تحوّل الناس عبر الممارسة... إنّها عملية تربوية يتعلم المشاركون فيها أن يستفسروا عن أسباب الأشياء وأن يحترموا رأي الآخرين فيها وأن يدركوا بأنّ المشاكل التي يواجهونها ليست محصورة بشارعهم أو بحيهم، بل بكونها مرتبطة بالحالة العامّة للاقتصاد وبالوضع الاجتماعي الوطني وحتّى بالوضع الدولي... تنشأ من خلال ذلك علاقات جديدة للتضامن والتكامل، تركّز على الجماعة بدلاً من تركيزها على الفرد».
سيتطلب التخطيط التشاركي اللامركزي تنسيقاً مركزياً يملك سلطة تقرير تخصيص الموارد. لا يمكن تحديد سلطة هذا المركز بشكل مجرّد، وسيعتمد على اعتبارات تتراوح ما بين الاختلافات في قدرة الوحدات المحلية على تلبية احتياجاتها، وما بين الظروف الدولية المتغيرة. ففي حال كان بمقدور الوحدات المحلية أن تلبي بسهولة احتياجاتها الخاصة، فسيكون في الغالب التنسيق المركزي المطلوب متدنياً نسبياً. وفي الحالات التي توجد فيها تفاوتات محليّة صارخة، فإنّ مستوى أعلى من التدخل المركزي سيكون مطلوباً من أجل تنسيق نقل الموارد من المناطق الأكثر حظاً إلى تلك الأقل حظاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
964
آخر تعديل على الإثنين, 11 أيار 2020 15:05
(0 أصوات)