امل زكي امل زكي

وثائق ويكيلكس.. والصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين

لقد أصبح من العسير علينا أن نصدق أغلب ما تبثه وسائل الإعلام الغربية، فلم يعد هناك خبر أو حدث أو فاعلية سياسية خالية تماماً من الشبهات.. ولم يعد هناك أي شيء ينشر أو يبث لوجه الله والوطن. وسرعان ما تتضح الأغراض السياسية المختبئة وراء كل حدث. ووثائق (جوليان آسانج) السرية، وموقعه (ويكيلكس) الذي حاز شهرة طوقت الآفاق، لا يختلف كثيراً عما ذكرنا. مثله مثل حملة (أردوغان) لفك الحصار عن غزة، فلا يزال الحصار مضروباً، ولا يزال أقطاب الجمهوريين، من مجرمي حرب العراق وأفغانستان، أحراراً طلقاء، يعيثون فساداً في الأرض.

التوقيت.. والهدف

جاء توقيت نشر الوثائق السرية، التي تكشف جرائم الجمهوريين في حرب العراق وأفغانستان، وفي غيرها من أنحاء المعمورة، في نوفمبر 2010 متواكباً مع انتخابات الكونجرس الأمريكي النصفية. وكان الغرض من نشرها إدانة الجمهوريين، وهز ثقة جمهور الناخبين فيهم بشدة، في محاولة من الديمقراطيين لاستقطاب أصوات الناخبين. وبدا (جوليان أسانج)، بطلاً دولياً، حاز تأييد جمهور واسع صدّق أن (أسانج) يفعل ذلك لوجه الله والوطن، ولم يتصور أن هناك قوى تقف وراءه وتمده بهذه الوثائق، وتدعمه لأغراض انتخابية.

جوليان أسانج لم يقدم أي شيء جديد لم نكن نعرفه، كل ما في الأمر أنه دلل بالوثائق على جرائم ومؤامرات معروفة ومتداولة، وهو ما أثار الانزعاج في الأوساط الرسمية الدولية، ودفعها لتلفيق تهم الاغتصاب والتحرش الجنسي لبطل معركة الوثائق السرية. فلم يرض كبار الساسة المحنكين في العالم عن تلك الطريقة الميكيافيلية التي استخدمها الديمقراطيون في معركتهم الانتخابية ضد خصومهم الجمهوريين.

لكن خطورة نشر هذه الوثائق لا تكمن في المعلومات التي تحويها، فهي معروفة للجميع، بل في الضرر الإعلامي الذي ستلحقه بمدرسة الإعلام الغربية، التي ظلت تعمل ما يقرب من قرن مستخدمة كل السبل النفسية لسلب وعي الجمهور وحشده في اتجاه بعينه على مستوى العالم. فنشر هذه الوثائق  يؤكد الآن للجمهور المستلب إعلامياً، والمبتلع بشهية كل الوجبات الإعلامية الزائفة، أنه كان مستغفلاً تماماً من جانب الإعلام. ويسهل على الصحفيين المناوئين للإعلام السائد، كشف الطرق والأساليب التآمرية التي يحقق بها الساسة مصالحهم العالمية. وهو أمر غير مستحب لكبار الساسة في العالم، وسيفقد الجمهور ثقته في الوجبات الإعلامية المثيرة المقدمة له يومياً، ويعرّي أكذوبة محاكم العدل الدولية التي يزايد بها كبار الساسة ليل نهار. فرغم الجرائم الموثقة التي ارتكبها الجمهوريون، لن تتم محاكمة أحد، ولن يشنق بوش أو كوندي ليلة عيد الميلاد، عقاباً لهم على الجرائم المرعبة التي اقترفوها بحق العراقيين والأفغان مثلما شنق صدام حسين، مما سيؤكد للجمهور الواسع على مستوى العالم أن الديمقراطية والعدالة الدولية ليست سوى عروض مسرحية ميلودرامية تجارية، الغرض منها تحقيق مكاسب لشباك تذاكر المسرح العبثي للسياسية الدولية.

كانت كل التوقعات تشير إلى انخفاض شعبية أوباما وجماعته من الديمقراطيين، ولهذا بدت الحملات السياسية التي قادها إعلام الديمقراطيين ضد الجمهوريين مكشوفة للغاية. فصحف الديمقراطيين تفضح كل يوم السياسات القديمة التي قادها بوش ورجاله من الجمهوريين في العراق وأفغانستان وغيرها.. وأفلام الديمقراطيين التسجيلية، تلف العالم، لتقدم كوندليزا رايس وبوش وكبار قادة الجمهوريين باعتبارهم الشيطان الأكبر، ضمن حملة إعلامية واسعة تكشف وتفضح سياسة الجمهوريين على مستوى العالم، وبخاصة داخل بؤر الصراع المشتعلة في العالم: أفغانستان، والعراق، والشرق الأوسط.. والتي تهم المواطن الأمريكي باعتباره يتحمل تكاليفها، ويرسل أبناءه ليموتوا فيها. المدهش أن هذه الحملة الإعلامية والفضائح السياسية لم تتطرق إلى فضائح أفيون أفغانستان الذي يعيش منه الآن كلا الجناحين الديمقراطي والجمهوري. فأفيون أفغانستان الذي تحمي القوات الأمريكية زراعته، وتنشره في العالم، وتجني من وراءه أرباحاً خيالية، يعد بالنسبة للجناحين، خطاً أحمر متفقاً عليه، لا ينبغي لأحد أن يتخطاه في حملته الشعواء ضد الآخر.

مؤامرة 11/9  والصراع

بين الديمقراطيين والجمهوريين

بعد انفجار الصراع علانيةً بين الرأسمالية القومية الأمريكية والرأسمالية عابرة القارات بقيادة كبار رجال المال الأمريكيين، بمن فيهم اليهود الأمريكيون أنفسهم في سبتمبر 2001. وبعد أن حقق التيار المحافظ للجمهوريين، الذي يمثل الرأسمالية القومية الأمريكية منذ عهد إبراهام لينكولن، انتصاره  في 11 سبتمبر 2001 على التحالف المالي العابر للقارات الذي يمثله الآن أوباما والديمقراطيين. ودمر للأخير برجي التجارة، اللذين كانا يمثلان رمزاً  لمنهج العولمة والتجارة والصناعة الحرة، والنظام العالمي الجديد، لم يعد يخفى على أحد تلك المعارك الإعلامية بين التيارين. فكل تيار يبحث عن نقاط ضعف الآخر، ليفضحه إعلامياً، ويكسب نقاط تأييد على حسابه. وبتدمير المحافظين لبرجي التجارة في لعبة تآمرية، فاحت رائحتها بفضل جهود الديمقراطيين، تصور المحافظون أنهم ضربوا أكثر من عصفور بحجر، فوجهوا  ضربه لخصومهم الديمقراطيين، نواب العولمة والنظام العالمي الجديد، المضاربين في بورصة «وول ستريت». كما وجهوا ضربة لأنظمة الدول النفطية المارقة على الإدارة الأمريكية، مستخدمين الدين مبرراً لإعلان الحرب عليها ونهب نفطها بالقوة. ومحققين مواقع متقدمة جغرافياً  في خططهم الاستراتيجية لحماية الأمن القومي الأمريكي على مستوى العالم. 

مجموعة النظام العالمي الجديد

والثأر من المحافظين

لكن مجموعة المصالح المالية العالمية عابرة القارات، الممثلة  في نادي «بيلدربرج»، والداعية للنظام العالمي الجديد، والتي أصيبت في مقتل بعد ضربة 11/9 التآمرية، اختبأت للمحافظين في حقول «الذرة» حسب المثل المصري، في انتظار الوقت المناسب للأخذ بثأرها واستعادة مواقعها للتحكم في القرار السياسي العالمي. سبع سنوات اختبأ دعاة النظام العالمي الجديد يخططون ويدبرون لضربة تآمرية مشابهة تمثلت في أزمة الرهن العقاري التي هزت معظم الرأسماليات القومية، القوي منها والضعيف، وتسببت في الأزمة المالية العالمية في خريف 2007..

وقد شارك كبار رجال المال اليهود في العالم وكبريات الأسر المالية اليهودية العريقة، ومخططيهم السياسيين (اوباما- هيلاري كلينتون- كيسنجر) من أعضاء مجموعة «بيلدربرج» صاحبة النفوذ، في صنع هذه الأزمة المالية بمهارة منقطعة النظير، تضاهي مهارة المحافظين وبوش في التخطيط لمؤامرة 11/9 القذرة. واستطاع اليهود وحلفاؤهم من جهابذة رجال المال والربا المخضرمين في العالم منذ القرن الحادي عشر من إفلاس مجموعة من البنوك المركزية القومية الكبرى في العالم، داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية، موجهين بذلك ضربة للنظام العالمي القديم، الذي تمثله تلك الرأسماليات القومية في أوروبا وأمريكا وآسيا. والهدف هو الإسراع ببناء النظام العالمي الجديد الذي تتلاشى فيه الاقتصاديات القومية والبنوك القومية المركزية والتحالفات بين الرأسماليين المحليين، وتنتهي فيه فكرة الوطن، وتتحول فيه الحكومات إلى أدوات لخدمة أصحاب الثروة في العالم. وكما دفع الشعب الأمريكي والأفغاني والعراقي واللبناني والفلسطيني ثمن تفجيرات سبتمبر 2001، وثمن مؤامرة 11/9، دفع الأمريكيون وغيرهم من سكان العالم ثمن المؤامرة المالية التي قادها كبار المرابين والمضاربين اليهود والمسيحيين، وانضم إليها مؤخراً المرابون المسلمون (الوليد بن طلال وتحالفاته المالية الإعلامية مع اليهودي مردوخ).

في ذلك الصراع حاول التياران في لعبة الشطرنج المستمرة بينهما استخدام الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية لتجميل صورتهم أمام شعوب العالم، والظهور بمظهر المتجاوز للعنصرية وسنوات العبودية التي تعرض لها الأفارقة الأمريكيون.  فبينما كانت «الطابية» كوندليزا رايس وزيرة خارجية سوداء في حكومة المحافظين، والملك أبيض، جاء «الملك» أسود في حكومة الديمقراطيين، والطابية «هيلاري كلينتون» بيضاء.  

الأزمة العقارية

حصدت المجموعة الداعية للنظام العالمي الجديد ترليونات الدولارات في لعبة الأزمة العقارية المالية المفتعلة من خلال تلاعبها لإفلاس البنوك المركزية القومية بشكل متعمد، والتي حاولت حكومات الدول الأوروبية والأمريكية، بل والصينية واليابانية، حمايتها بكل طاقتها من الانهيار بضخ المليارات فيها. حتى أوباما نفسه ضخ المليارات في عدد من البنوك التي أضيرت من جراء أزمة العقارات، ليس حباً في منافسيه من الرأسماليين القوميين الجمهوريين، بل رمى لهم بلقمة حتى يهدئ من سعارهم ضده، ويخفف من حالة الرعب والهلع التي أصابت المواطن الأمريكي من جراء فقدانه لسكنه خلال هذه الأزمة.

وقد حققت هذه المجموعة المالية عابرة الحدود، نموا مطرداً في ثرواتها، بالاعتماد على ما يسمونه كذباً وتزويراً «الإبداع المالي»، والذي يتلخص مضمونه في الكذب والتلاعب بالمستثمرين بتقديم قروض منخفضة الفوائد، وبيع هذه القروض عدة مرات للمستثمرين. وبالتالي مضاعفة الأرباح عشرات المرات من خلال عمليات مالية غير حقيقية أو وهمية تتمثل في إعادة بيع الديون واستثمارها مستخدمين المصداقية السيادية للحكومة الأمريكية لخداع المستثمرين، ثم إفلاسهم وإفلاس البنوك المركزية القومية ونهب أموالها بطريقة تبدو شرعية. رغم أن البنك الأمريكي الفيدرالي ليس حكومياً، لكنه يعبر عن سلطة الرأسمالية القومية الأمريكية. مثله مثل البنك المركزي الألماني.

وهكذا أطلق الديمقراطيون على تلك الديون اسم القروض والسندات الثانوية، وسموا عمليات الخداع المالية «ابتكارات مالية» برع فيها المرابون الأمريكيون، وعلى رأسهم اليهود الأمريكيون. وهي بالفعل ابتكارات استخدمت الضمانات السيادية الحكومية لإفلاس البنوك القومية في العالم، ونهب أموالها بهدف دعم وبناء النظام العالمي الجديد منعدم الهوية والقومية.

تلك المجموعة المالية عابرة الحدود، والتي يمثلها أوباما وجماعته الديمقراطية، لم يقتصر نشاطها المالي على عمليات الربا والتلاعب المالي، بل اعتمدت سياسة تزييف المعلومات للتلاعب بالبورصات العالمية، وتخفيض ورفع أسعار الأسهم والسندات والعملات والذهب والفضة والنفط والغاز بشكل مصطنع، لإفلاس شركات كبرى وشرائها بأبخس الأثمان. وكما هو معروف، في مواجهة التلاعب بالمعلومات، يحدث الإقفال ويمنع التداول في بورصات بعض الدول التي تكتشف اللعبة، لكن هذا لا يمنع عمليات إفلاس الشركات، وشراء أسهمها بأبخس الأثمان، بشكل كامل. 

إفلاس بنك ليمان براذرز

الأزمة المالية الأخيرة ليس لها علاقة على الإطلاق بالأزمات الدورية للرأسمالية، كما يصورها لنا بعض الاقتصاديين المفلسين، فالأزمات الدورية للرأسمالية ترتبط بالإنتاج الرأسمالي والسوق والعرض والطلب والكساد والبطالة، والتي ظهرت بقوة الآن في أوروبا، وعبرت عنها المظاهرات التي خرج فيها مئات الآلاف من الفرنسيين والانجليز والألمان واليونانيين والإيطاليين، وغيرهم.. بينما ترتبط الأزمات المالية بالتلاعب والغش، كما حدث مع بنك ليمان براذرز، الذي تلاعب فيه المسؤولون الماليون والمصرفيون الكبار، مستخدمين حيل محاسبية أبدعتها شركة «أيرنست أند يونج» المسؤولة عن حسابات البنك لإخفاء الاستثمارات الرديئة (إعادة بيع الديون) التي تورط في شرائها مستثمرون من جميع أنحاء العالم، ومن بينهم إخواننا في الخليج، بهدف إفلاسهم، ثم الإدعاء بأن البنك انهار وأفلس بسبب الأزمة المالية. إلا أن عملية الإفلاس المتعمدة لبنك ليمان براذرز قد تم انكشافها حين تم تحويل 400 مليار دولار إلى ثلاثة بنوك إسرائيلية عشية إعلان إفلاسه. وقد خسرت البنوك الخليجية أو الكتلة المالية العربية في لعبة أو عملية تفليس بنك ليمان براذرز 500 مليار دولار (إيلاف 16 مارس 2010 -أنباء عن تحويل 400 مليار دولار إلى إسرائيل عشية انهياره).

المدهش في الأمر أن من قام بكشف هذه المعلومات ونشرها في الصحف وعلى مواقع الإنترنت هم الجمهوريون في إطار المعاملة بالمثل، كون الديمقراطيين هم من كشفوا تفاصيل كارثة 11/9، وسربوا الوثائق السرية لموقع ويكيلكس سيئ السمعة.

وهكذا تمكنت المجموعات المالية المضاربة وأهل وول ستريت من جني أضعاف ما فقدوه في مؤامرة 11/9، واستطاعت شراء كميات ضخمة من الدولار، الذي انخفض سعره أمام العملات الأخرى أثناء الأزمة المالية المفتعلة، لتضارب به فيما سمي بحرب العملات بهدف إضعاف العملات المنافسة، وخاصة اليورو، الذي تم ضربه بقوة أثناء أزمة اليونان في فبراير 2010.

إنها ليست أزمات دورية يا سادة، بل عمليات تلاعب وغش وربا وصلت إلى أقصاها للسيطرة على ثروة العالم، وبناء النظام العالمي الجديد.

النفاذ لكتلة اليورو من أضعف حلقاتها

في خضم المعركة حامية الوطيس لبناء النظام العالمي الجديد، خططت عصابات المؤسسات المالية وبنوك الربا والقروض بعناية لضرب اليورو، وإضعاف الكتلة المالية الأوروبية، وذلك  منذ عام 2001، أي لمدة عقد من الزمان. واستطاع بنك «جولدن ساكس» أو مؤسسة جولدن ساكس المالية اليهودية أيضاً Golden Sachs، من اختراق الكتلة المالية الأوروبية والنفاذ إليها من خلال أضعف حلقاتها، وهى اليونان. التي وصل العجز في ميزانيتها إلى 12 % من الناتج المحلى عام 2009. ورغم تراكم ديون تقدر بالمليارات على اليونان عام 2001، وإسراف حكومتها واستشراء الفساد المالي بداخلها، إلا أن بنك جولدن ساكس «طيب القلب» وجد فيها فريسة سائغة، لنهب أموال السوق الأوروبية المشتركة، بعد أن تم نهب أموال الكتلة العربية النفطية. فبدأت عمليات التلاعب المتبادلة بين البنك الأمريكي اليهودي، وبين الحكومة اليونانية التي أرادت الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي عام 2001  بأي ثمن للانتفاع بمزاياه الاقتصادية. مخفية عليه حالتها وديونها المتراكمة. وهكذا تحالفت الحكومة اليونانية مع البنك اليهودي لخداع الاتحاد والانضمام له. وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز: «إن صفقة واحدة أدارها بنك جولدن ساكس عام 2001، بمقدار 15 مليار دولار، ساعدت في إخفاء مليارات الدولارات من ديون اليونان عن مراقبي الموازنات بمقر الإتحاد الأوروبي ببروكسل» (الجزيرة الوثائقية: وول ستريت متورط بأزمة أوروبا المالية- 14/2/2010).

وهكذا استطاع الدهاء التاريخي للمرابي اليهودي من إخفاء طبيعة هذه الصفقة على الاتحاد الأوروبي، ليس فقط بغرض جني فوائد ربوية من حكومة مفلسة ومستدينة مليارات الدولارات، وتوريطها في مزيد من الديون، بل بغرض أبعد هو النفاذ لكتلة مالية قوية، لإضعاف عملتها، واستنزاف ثروتها وتفتيت قوتها الاقتصادية، والسيطرة على ممتلكاتها. فقد أخفت الحكومة اليونانية والبنك اليهودي طبيعة الصفقة، وتم تسجيلها في الأوراق الرسمية  لتلك المؤسسة المالية اليهودية باعتبارها صفقة تجارة عملة، وليست قرضاً.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل مرابو بنك جولدن ساكس  في نوفمبر 2009، إلى اليونان بعد أن استفحلت ديونها ووصلت إلى 300 مليار يورو، (442 مليار دولار) لمساندة الحكومة المفلسة!!! ورغم أن الاتحاد الأوروبي استطاع التعامل مع أزمة ديون اليونان، ومساندتها بشرط اتباعها إجراءات تقشف قاسية في الإنفاق دفع ثمنها في النهاية الشعب اليوناني، إلا أن الضربة، والتلاعب بأسعار العملات وتزييف المعلومات داخل بورصة وول ستريت والبورصات العالمية تسببت في تخفيض قيمة العملة الأوروبية الموحدة، وتسببت في شراء المرابين الماليين لكميات كبيرة من اليورو بأسعار منخفضة، لاستخدامها في المضاربة في بورصة العملات وتحقيق أرباح فاجرة. ونهض الدولار أمام اليورو بلعبة مالية ليس لها علاقة بالعملية الإنتاجية الرأسمالية.

والأخطر من هذا وذاك، أن الحكومة اليونانية رهنت مطارات وطرق البلاد لجمع الأموال التي تحتاجها، وتخلت عن حقوقها في رسوم المطارات واليانصيب على مدى سنوات قادمة. وقد كانت الضربة الموجهة لليورو لا تستهدف فقط إضعاف الكتلة المالية للاتحاد الأوروبي، بل تأديب تلك الكتلة، وتأديب إيران، لأنهما تطاولا على رجال النظام العالمي الجديد، وتصوروا أن بإمكانهم الخروج من الدائرة الجهنمية للدولار. فقد كان إنشاء إيران «المارقة» لبورصة «كيش» الدولية لبيع النفط والغاز باليورو بجزيرة كيش الواقعة بالخليج العربي في 17 فبراير 2008، وإقرار التعامل فيها باليورو وسلة من العملات الدولية، ليس مجرد تطاول على النظام العالمي الجديد، بل تهديد مباشر  لبورصات النفط العالمية في لندن ونيويورك المتعاملة بالدولار. 

حرب ضارية

إنها حرب ضارية بين الكتل المالية الحديثة، لا تختلف عن الحرب العالمية الثانية، إلا في طبيعة السلاح المستخدم. فعمليات الإفلاس والمضاربة، والغش والكذب هي الأسلحة المستخدمة في المعركة المالية الدائرة، والفقراء لا يزالون وقود تلك المعركة، فهم من سيطردون من مصانعهم وشركاتهم وبنوكهم المفلسة، وهم من سيعانون البطالة والجوع. المال اليوم لم يعد يفرق بين مصرفي يعمل ببنك أمريكي، وبين عامل يوناني غير متخصص. فالكل سيعاني البطالة في حرب الإفلاس وضرب العملات وانهيار البورصات. الصراع الدائر على الأسواق والمواد الخام في العالم، أخذ شكلاً جديداً، فالرأسمالية المالية غير المشاركة في العملية الإنتاجية بشكل مباشر، تسعى للتخلص ليس من صغار الرأسماليين المحليين، بل من الرأسماليات القومية، الأمريكية والإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية. ومن سيبقى بعد انتهاء عمليات المضاربة والتلاعب، هو من سيحتكر كل شيء، الشركات والمصانع والمناجم والآبار والمراعي والحقول والغابات، ومن ستمرح استثماراته بطول الأرض وعرضها، بصرف النظر عن جنسيته ووطنه وعرقه ولونه ودينه. 

كاتبة من مصر

• المادة كاملة منشورة على موقع قاسيون

http://kassioun.org/index.php?mode=article&id=13691